الآن تقرأ
كيف تسامح والديك؟

ترجمة – آية بدر

” في مراحل الطفولة المبكرة, يكون الحب هو أوّل مشاعر الأطفال تجاه أبويهم, ثم بمرور الوقت, يبدأ الأبناء في الحكم على أبويهم وانتقاد أفعالهم وأقوالهم, ثم في حالات نادرة جدا, يسامح الأبناء أبويهم”. ” أوسكار وايلد ”

هل ما زلت تشعر بالأسى حيال ذكرياتٍ معينة من طفولتك؟ هل تشعر بغضب عميق وكراهية للطريقة التي رباك بها والداك؟ هل تلومهم على ما آلت إليه الأمور في حياتك اليوم؟

لم ينشأ جميع الناس في كنف والدين محبين صبورين ومنزلٍ هادئ سعيد, هذا بديهي. إذا كنت واحداً من كثيرين يضمرون مشاعر سلبية تجاه والدتهم أو والدهم منذ الطفولة ولازالت تلك المشاعر تؤثر عليك حتى اليوم, فلست وحدك في هذه المعاناة. كما أنك لست الوحيد الذي يعاني من غضب قديم عميق و عاتي, مستنزف للطاقة ومنغص للسعادة, يسمم حياتك اليومية حتى بعد انتهاء مرحلة الطفولة!.

لقد حان الوقت لتنحي الماضي جانباً وتمضي في حياتك للأمام! ليس لأن والديك يستحقون مغفرتك بالضرورة ولكن لأنك تستحق أن تنسى وتتحرر من حِمل كئيب يسمم مشاعرك وحياتك. حان الوقت لتنسى وتسامح.

اثنى عشرة طريقة أو فلنقل خطوة لتنسى ما حدث وتمضي قدماً. ففي هذا المقال, نستعرض اثنى عشرة خطوة يمكن القيام بها لتزيح عن كاهلك صخور الكراهية والغضب واللوم الثقيلة, وأن تفتح – ربما – صفحة جديدة مع والديك أو على الأقل أن تكون قادراً على التخلي عن الماضي وتتحرك للأمام بحرية بغير أثقال الماضي وسمومه.

  1. قم بإعادة تعريف علاقتك بوالديك. الناس يتغيرون وتتطوّر شخصياتهم وعقولهم بمرور الزمن, ووالديك ليسوا استثناءاً. بعض الآباء يكونون في منتهى السوء في تربيتهم لأطفالهم الصغار ولكنهم لا يكونون بالبشاعة ذاتها كأصدقاء لأولادهم وهم شباب وبالغين. دع الأمور تمضي على هذا النحو, عاملهم كأصدقاء بناءاً على شخصياتهم الحالية وليس ما كانوا عليه قديماَ. حاول أن تتقبلهم كما هم اليوم وتوقف عن إطلاق الأحكام على أفعالهم في الماضي.
  2. كن ممتناً لأنهم علّموك ما الذي يجب أن لا تفعله مع أولادك أبداً. عندما أتينا إلى هذه الحياة , لم يكن معنا كتيب يوضح خصائصنا وطرق التعامل معنا ليسهل على والدينا الأمور, على الرغم من أننا أعقد بكثير من أي أجهزة منزلية أو برامج كمبيوتر شهدتها البشرية. ولا أحد يستطيع إنكار كم المشاكل التي تحدث عندما نحاول تشغيل أجهزة أو برامج أو تركيب أثاث بدون الرجوع لكتيب التعليمات, مثل انهيار الأسرّة بعد تركيبها بلحظات, وفشل تشغيل برامج الكمبيوتر, من منا لم يمر بمثل هذه المواقف ليلجأ في النهاية لدليل المشاكل الشائعة؟ . لم لا تعتبر أخطاء والديك بمثابة دليل المشاكل الشائعة الخاص؟ أنت الآن تعرف بلا شك نتيجة استخدام الصراخ والصوت العالي مع الأطفال, تعرف جيداً!
  3. ضع في اعتبارك دوماً أنهم استخدموا الأساليب التي لم يعرفوا غيرها في حياتهم! تذكر دوماً أن ما كان يجعل والديك سريعا الغضب شديدا العقاب قليلا الصبر لم يكن بالتأكيد لأنك لا تستحق حنانهم وصبرهم وتعاطفهم, بل كانوا على هذا النحو لأن قلة الصبر كان في طبعهم بالأساس. بمعنى آخر, لا علاقة لك بالأسلوب الذي عاملوك به, لم تتسبب به ولم تستحقه. أسلوبهم كان فقط نتيجة طبيعتهم لا أكثر. ما نحاول قوله هنا هو أن  تحديد أسلوب تربية الطفل يتم بغض النظر عن من هو الطفل أو ما مهاراته أو صفاته. فمقدار ما يمكن أن يمنحه أي شخص من الحب والحنان محدودة بمدى قدرته الشخصية على الحب والعطف, فوالديك لم يكن لديهما مزيد من الحب ليمنحاه, لم يكن لديهما القدرة على منحك أكثر , من الأساس. لو تفهمت هذه الحقيقة ووضعتها في الاعتبار, قد تصبح مسامحة والديك أسهل وأقل وطأة على روحك.
  4. اعلم أنه من المحتمل جداً أن يكون والديك صنيعة أخطاء تربية والديهم لهما! نحن نتاج تربية آباؤنا لنا, بل ونتاج تربية أجدادنا لآبائنا, بنجاحاتها ومساوئها. ليس من المستحيل أن نكبر ونتطور ونتغير ولا نكرر ما نشأنا عليه, إلا أن أغلب الناس يسيرون كما الطيار الآلي للطيارة, يحيى حياته في نطاق محدد مسبقاً يشبه حياة والديه, وعاداتهم وسلوكهم وتوجهاتهم. كذلك والديك قد يكونان صنيعة تربية والديهما لهم, يسيران كما الطيار الآلي لا يعرف سوى طريقاً واحداً للسير, فسامحهم.
  5. اكتب عن الأمر. أحياناً, نظن أننا قد تخلصنا من مشاعرنا السلبية ونحيناها جانباً, بينما الواقع أنها لازالت موجودة في مكان ما في عقلنا تنغص علينا تفكيرنا وحياتنا. من آن لآخر, يحتاج العقل للتخلص من السموم وإلقائها خارجاً كما يفعل الجسم مع المواد الضارة, فكتابة مشاعرنا على الورق يجعلنا قادرين على التفكير فيها بوضوح أكثر وقد نشعر وكأننا قد نقلنا الألم إلى الورق. اكتب عن ذكريات طفولتك بالتفصيل, افصح عما يجول بخاطرك كله . قد يستغرقك الأمر عدة أيام كي تكتب كل شيء حدث, خذ كل الوقت الذي تحتاجه ولا تتعجل. وعندما تنتهي من الكتابة, لا تكرر الأمر, لأن تكرار الكتابة قد يزيد من قوة المشاعر السلبية ويركز عليها بدلاً من نسيانها, فالاستمرار في التذكر والكتابة أشبه بالاستمرار والاصرار على السباحة في مياه ملوثة! اخرج من الماء الملوث وامضي في طريقك.
  6. تعلم من نقاط ضعف والديك وقوتهم. والديك ككل البشر, شخصياتهم تحمل الكثير من الجوانب المختلفة والمعقدة, ومزيج من نقاط القوة والضعف. انسى مساوئهم وحاول ان تتذكر نقاط قوتهم, والجوانب القوية في شخصياتهم, ركز عليها وتعلم منها, وتعلم من لحظات قوتهم وضعفهم, وكن ممتناً لكل الدروس الحياتية التي ستسفيد بها من محاولة دراسة وفهم شخصياتهم.
  7. اقرأ عن قصص آباء أكثر صعوبة من والديك, واحمد الله على أبويك!. هذه النقطة يمكن اختصارها ببساطة في المقولة المأثورة الفارسية التي تقول: “كنت أبكي لأنني لا أملك حذاء, إلى أن قابلت رجلاً لا يملك قدمين!”, لو قرأت كتاب مثل A Child Called It , لحمدت الله على والديك بكل تأكيد!.
  8. اعطي الشئ الذي فقدته! ونعم, يمكنك ذلك. لو نشأت في أسرة لم تشعرك بالحب, فاغمر أطفالك به, لو نشأت في أسرة تخفي الكثير من الأسرار, فاحرص على أن لا يكون لأسرتك شيئاً تخفيه, إذا نشأت في أسرة شديدة الانتقاد بشكل مستمر وينقصها الصبر, فعامل أولادك دائما بحب وصبر وتقبُل وهدوء. املأ بيتك بالحب والحنان حتى تشفي طاقة الحب والمودة والحنان جروح قلبك, واحذر ان تفرط في تدليل أبنائك كذلك, تجنب القسوة وأيضاً تجنب التدليل المفسد . كن أنت أباً لنفسك كما لأبنائك, اجعل منزلك منزلاً دافئاً يغمره عطف وحنان الأب واجعل الطفل الصغير بداخلك يستمتع بحب ذلك الأب تماما مثل أطفالك.
  9. تحمل مسئولية حياتك . قد تكون هذه الخطوة ثقيلة على النفس ولكن من المهم ان تتوقف عن لوم والديك على مشاكل حياتك الحالية . ربما يكون والديك السبب في بداية أو أساس المشكلة ولكنها الآن مشكلتك أنت. أنت من يقرر كل يوم أن تظل عالقاً في الماضي أو أن تفلته من يدك, أنت وحدك من يقرر. تقبل هذه الحقيقة وكف عن إلقاء اللوم على والديك. ولا تسئ فهم هذه الخطوة, نحن لا نقول أن الماضي كان خطأك أنت, نحن نقول أن الحاضر هو نتاج اختياراتك, كونك اخترت أن تدع ماضيك يفسد حاضرك. هذه الخطوة صعبة ولكن ما أن تعترف بأنك وحدك المسئول عن حياتك الحالية, وتتقبل هذه الحقيقة, ستشعر بالتحرر والقوة. أنت وحدك تملك زمام الأمور, أنت تستطيع تغيير المشاعر السلبية بداخلك عن طريق اختيار كيفية النظر إلى الأشياء والعالم حولك وبالتالي كيفية التفكير فيها ومشاعرك نحوها. أنت وحدك يمكنك أن تختار أن تتعلم طريقاً جديدة للتعامل مع مشاكلك والعالم من حولك, أو أن تختار أن لا تتطور وتظل حياتك كما هي من دون تغيير. أنت من بيده الاختيار, وأكرر لك, أنت من بيده زمام كل شئ في حياتك الآن.
  10. تحدث مع والديك. ليس بدافع الغضب أو اشعارهم بالذنب أو احراجهم, ولكن تحدث معهم بهدوء وبحياد, اسألهم ببساطة ما الذي كان يحدث ولماذا؟, واستمع إليهم. وبصراحة, قد تؤدي هذه الخطوة إلى جعل الأمور أسوأ, ولكنها أيضاً قد تمنحك نوعاً من الراحة. أنت من تعرف عائلتك جيداً وليس نحن, لذلك فكر في هذه الخطوة جيداً ولا تقدم عليها إذا ظننت أنها ستزيد الطين بلة. إذا قررت التحدث معهم, فلتختار مكاناً محايداً, مطعم هادئ مثلاً أو نادي. تذكر أن تستمع إليهم جيداً وتسألهم بدون أن تحكم عليهم, وتذكر أنك ما أقدمت على هذه الخطوة إلا لتتعلم وتفهم وتجد خاتمة للماضي وتغلقه مرة واحدة إلى الأبد. لو استخدمت أسلوب اطلاق الأحكام والاتهام , فستضع والديك في موقف دفاعي ولن تحقق الهدف الأساسي الذي كنت تهدف إليه ورتبت هذا الحديث من أجله.
  11. توقف عن نبش الجراح القديمة. فكر ماذا تريد من هذه الحياة؟ ما الذي تريد أن تحققه؟ ما الذي تريد أن تصل إليه؟ حدد أهدافك ثم تخطى العقبات بينك وبين أهدافك ولا تتوقف للتفكير في مصدر تلك العقبات وجذورها في الماضي. أمامك عقبة؟ اقفز فوقها وأكمل طريقك, لا تشغل بالك كثيراً من أين أتت. الماضي مضى وانتهى, توقف عن نبش قبره وتحرّك إلى الأمام. فأنت الآن أشبه من يحاول المشي جاراً جثة ثقيلة خلفه. دع الجثة ترقد في سلام واركض نحو مستقبلك بخفة وحرية, لقد نظرت خلفك بما يكفي , فلتنظر نحو الأمام الآن!.
  12. افترض حسن النوايا. افترض أن النوايا الحسنة كانت خلف أكثر الأفعال قسوة. وكما قلنا لك سابقاً في هذا المقال, تذكر أنهم فعلوا أفضل ما ظنوا أنهم يقدروا عليه , لم يعرفوا طريقة أخرى. يميل أغلب الناس إلى نسب كل أفعاله إلى النوايا الحسنة , بينما يرجع تصرفات الآخرين إلى نيتهم للإيذاء وارتكاب الشر. حاول أن تنسب أفعال الآخرين لدوافع خيّرة. عندما تفترض أن الدوافع الخيّرة والنوايا الحسنة هي التي دفعت الآخرين لأفعالهم, سيسهل هذا من مسامحتهم والتغاضي عن عيوبهم وأخطائهم.

أحياناً, نتمسك بمسببات الألم ومشاعر الغضب تحت ذريعة أن العدالة لابد أن تتحقق, ونظل كما الممسك بالجمر, يحترق كفه ويتألم ومع ذلك لا يلقيه من يده!, حان الوقت لنلقي الجمر من أيدينا, لنسامح ونغفر , ننمو ونتحرر..
المصدر: http://www.stevenaitchison.co.uk/blog/12-ways-to-forgive-your-parents

 

عن الكاتب
آية بدر
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق