الآن تقرأ
“حبيبتي.. أنا ذاهب إلى شارلي” – حوار الساعات الأخيرة بين جورج وماريز فولينسكي

قررت “ماريز فولينسكي” – الصحفية والكاتبة ومُنتجة كتب الأطفال أن تفتح قلبها بعد صمت طويل خلّفه رحيل زوجها رسام الكاريكاتير والصحفي الهزلي “جورج فولينسكي” والذي توفي إثر الهجوم على مجلة “شارلي إيبدو” الفرنسية، مؤكدة أنها ماتزال تشعر بالغضب والألم.
تحدثت “ماريز” مع “أنجيليك كرسافيس” – مراسلة صحيفة الجارديان البريطانية في باريس– عن حياتها مع “جورج” والتي دامت سبعة وأربعين عاماً قبل أن يلقى حتفه على يد الأخوين “كواشي” – شريف وسعيد كواشي- انتقاماً ممن “أهانوا النبي” – على حد وصفهما-
استقرت أربع رصاصات في جسد “جورج“، لكن “ماريز” شعرت بالراحة حين علمت أن الرصاصة الأولى التي أصابته هي التي قتلته، ارتاحت لأنها أيقنت أنه لم يتألم كثيراً.

في صباح السابع من يناير للعام 2015، استيقظ “جورج فولينسكي” في منزله المستقر بشارع “سان جيرمان“، أنهى عملاً كان قد بدأه منذ وقت ليس بالطويل، بعدها تجول ببطء في أرجاء المنزل، كان يبدو عليه الحزن وفقدان الأمل حين كان يَرْتَشِف قهوة الصباح.
لم يكن “جورج” يحرص على الذهاب لحضور اجتماع هيئة تحرير “شارلي إيبدو” الأسبوعي، لكنه اضطر إلى الذهاب بعد إلحاح من “ستيفان تشاربونيير” أو “شارب” – رئيس تحرير المجلة- والذي أراد من هذا التجمع أن يحتفل مع طاقم العمل بالعام الجديد ويناقش معهم الأوضاع المالية المترديّة التي تمر بها الصحيفة.

حين أنهى “جورج” قهوته، هتف بصوت مرتفع مُخاطباً “ماريز“: “حبيبتي.. أنا ذاهب إلى شارلي” ثم صفق الباب ورائه.
كانت “ماريز” وقتها ماتزال ترتدي ثوب الاستحمام، وتستعد لبدء يومها، لم ترد عليه لكنها لم تكن تعلم أنها آخر جملة تسمعها منه؛ إذ أُطلق عليه النار بعدها بساعتين فقط.

وُلد “جورج فولينسكي” في تونس لعائلة يهودية، وعاش هناك حتى أصبح بعمر الثالثة عشر حين انتقل إلى فرنسا.
وبحسب صحيفة “الجارديان” كانت حياة “جورج” محفوفة بالعنف والموت؛ فحين كان عمره عامين فقط قُتل والده – والذي كان يترأس شركة مسئولة عن تصميم الديكورات الهزلية- قُتل على يد مجموعة من الموظفين أثناء اندلاع مظاهرات العمال التي كانت تنادي بحياة أفضل للعامل.
يتذكر “فولينسكي” كيف أضحى هذا الحادث بمثابة الألم في حياته قائلاً: “أصبح مصدر معاناتي طوال حياتي”
أُصيبت والدة “جورج” بالسل، وهو ما دفعها للسفر إلى فرنسا لتلقي العلاج تاركة ابنها يتربى في كنف جديه، لم يستطع “جورج” أن يرى والدته ربما لعقد كامل قبل أن يعلم بزواجها وإنجابها طفل آخر.
وحين بلغ عامه الثالث عشر سافر إلى فرنسا حيث انتقل للعيش مع والدته في مدينة “بريانسو” الجبلية، وقتها بدأ يرسم رسوماً هزلية لعدد من الصحف، وحاول أن يُثقل موهبته بالالتحاق بكلية الفنون في باريس والعمل بدوام جزئي في وظيفة بمصنع قبعات حتى تتاح له الفرصة للتركيز أكثر على العمل بمطبوعة “هارا كيري” الساخرة، والتي مُنعت من الصدور في العام 1970 عقب نشر رسم هزلي يسخر من موت “شارل ديجول”.
تزوج “جورج” وأنجب بنتين قبل أن تتوفى زوجته في حادث سير بحلول العام 1966.
بعدها التقى “ماريز” وأصبحت مُلهمته، ولم تبد تحفظاً تُجاه رعاية البنتين، قابلته وهي بعمر العشرين حيث كانت تعمل متدربة بصحيفة “لو جورنال دو ديمانش“، وكان هو رساماً مشهوراً ومُحترفاً يكبرها بتسعة أعوام.
تزوجا وأنجبا بنتاً واحدة، وعاشا معاً حياة هادئة ، تقول “ماريز“: “كانت حياتنا هادئة، وخالية من أي عنف حتى ذلك اليوم“. أطلق “جورج” عليها لقب “الشقراء الصغيرة“، لكنها تتذكر الآن اللقب بحزن قائلة: “لقد ماتت الشقراء الصغيرة على أنقاض الهجوم الإرهابي، ولم يعد لها وجود

كان “جورج” هو أكبر القتلى سناً، حيث بلغ عامه الثمانين، وكان مساهماً ومؤسسا لصحيفة “شارلي إبدو” لكن المذهل أنه لا يملك تاريخاً للسخرية من النبي محمد، بل كانت وظيفته ترتكز على السخرية السياسية والتي دفعت بالعديد من الصحف إلى الاهتمام به ومحاولة توظيفه لديها.

تحكي “ماريز” أن حبها ل “جورج” كان يفوق الوصف، وقد سردته في الكثير من الكتب في شكل خطابات بينهما شرحت خلالها علاقتهما من حب وغرام وحتى قراراتهما في المنزل.
تصفه قائلة: “كان أكثر رجل شوفيني تجاه النسوية، رغم أنه كان يدعمني، لكن تربيته في منطقة شمال إفريقيا جعلته في بعض الأحيان يفكر في الرجل باعتباره شخص مفتول العضلات لا يحمل أي مشاعر

من وقت لآخر تستعيد “ماريز” الحادث، دقيقة بدقيقة وكأنها تراه بالتصوير البطيء وقد توقف الصورة في كثير من الأحيان لمزيد من التأمل، خاصة أنها مؤمنة بأن الإرهابيين كان لديهم فرصة لا تتكرر لأن الصحيفة لم تحصل على الحماية المناسبة.

يقع مقر “شارلي إيبدو” في الطابق الثاني داخل مبنى تسكنه مكاتب كثيرة، لم يحظ المقر بحماية سوى باب له رقم سري يدخل منه الصحفيون، وعلى الرُغم من تعرض المجلة للتهديد في العام 2006 بعد نشرها رسوم مسئية للنبي، إلا أن دورية الشرطة التي كانت تقف أسفل البناية اختفت وقت الحادث، وهو ما جعل “ماريز” تستمر في إلقاء اللوم على الشرطة وكأنها شكلّت ما يُشبه اللوبي مع المجرمين لتسهيل ارتكاب الحادث.
لم يكن الأخوان “كواشي” على علم بمكان المجلة، ارتدا الزي الأسود وحملا الكلاشينكوف، دخلا مكتباً آخر، ومنه عرفا مكان الصحيفة، هددا صحفية التقيا بها على الدرج حتى تعطي لهما الرقم السري، دخلا إلى غرفة الاجتماع وفي خلال دقيقتين كانا قد أطلقا 34 رصاصة من مدى قريب، قُتل 10 أشخاص وأُصيب 11 آخرين.

تلقت الشرطة أكثر من 11 مكالمة خلال المدة الزمنية التي غادر فيها الأخوان المكتب الأول وصولاً إلى مقر الصحيفة، لكنها لم تستطع الوصول في الوقت المناسب، لأنها لم تكن قادرة على تحديد مكان المجلة بدقة..

تحكي “ماريز” أنها كانت بصالة الجيم وقتها، وبعد الانتهاء من روتينها استقلت تاكسي وفتحت هاتفها المحمول لتأكيد ميعاد مع “جورج” لمعاينة شقة جديدة بعد أن طلب منهما مالك العقار مغادرة شقتهما، لكنها ما إن فتحت الهاتف حتى وجدت رسائل من أشخاص لم تكن على صلة بهم من فترة طويلة..
تتذكر قائلة: “لم أفهم الأمر وسألني السائق عن عمل زوجي لأن هناك حادث إرهابي تعرضت له صحيفة

انتظرت طويلاً حتى هاتفها زوج ابنتها وأخبرها بوفاة “جورج“، لم تقم الشرطة بهذه الخطوة وهو أمر أغضبها كثيرا، لأن الشرطة – على حد قولها- اهتمت بتأمين زيارة “فرانسوا أولاند” لمقر الحادث بدلاً من الاهتمام بعائلات الضحايا..

كنت قلقة بشأة طريقة الموت، أردت أن أعرف حالة جسده، لم يخبرني أحد بأي شيء وأخذت أبحث عن مكان الجثمان لمدة يومين” تتذكر “ماريز” لحظات صعبة حيث كان لدى “جورج” نحو 4 أو 5 دعامات في القلب وهو ما جعلها تظن أنه ربما توفي إثر أزمة قلبية من هول الأمر.

ذهبت إلى المشرحة لرؤية جثته، وهناك التقت الطبيب الذي حكى لها عن حالة الجثمان، قائلاً: “كان جورج هو صاحب الوجه الأهدأ بين الضحايا”..
أُصيب “جورج” بأربع طلقات لكن الطلقة الأولى أصابت الشريان الأورطى وهي التي قتلته في الحال..
تؤكد “ماريز” أن الأمر كان مهماً بالنسبة إليها فقد كانت تخشى أن يكون قد أصابه خوف أو تألم قبل وفاته.
تتذكر “ماريز” شخصية زوجها قائلة: “لا أعرف كيف استطاع التعامل مع الأمر، فقد كان رجلاً مرحاً مُبتهجاً- أعتقد أنه كان هادئاً رغم ذهوله، لم يتحرك، تلقى الرصاصة ومات

قررت “ماريز” أن تؤلف كتابا تحكي فيه عن تحليلها للحادث، واختارت أن يحمل اسم “حبيبتي.. أنا ذاهب إلى شارلي“، آخر جملة سمعتها منه، وفي الكتاب انتقدت “ماريز” فقدان الشعور بالأمان الذي عانى منه فريق “شارلي إبدو” رُغم التهديدات التي تلقاها رئيس التحرير نفسه، واتهمت الشرطة والمخابرات بالفشل في تفادي الكارثة، مؤكدة أن العنف كان بمستويين، الأول عنف الهجوم والآخر عنف الإهمال، حتى أنها نعتت تصريحات وزير الداخلية – التي تؤكد أن الوضع هاديء والأمور تحت السيطرة- بالكذب والفشل.

عند وقوع هجمات فرنسا في نوفمبر من نفس العام وهي الهجمات التي خلّفت 130 قتيلاً، كانت “ماريز” تجلس على فراشها تستمع إلى الراديو، هاتفتها ابنتها وطلبت منها غلق الراديو لكنها رفضت، وبعد أن علمت بالحادث أدركت أن الشرطة الفرنسية لم تتعلم أي شيء من حادث يناير، بل ترتكب نفس الأخطاء مع العائلات والأطفال والزوجات، على الرُغم من أن المخابرات قد تلقت إفادات من بعض العائدين من سوريا، تؤكد وقوع حادث إرهابي في أحد مسارح أوروبا.
قد يكون ما لمسته “ماريز” من الشرطة وقتها يدفعها إلى تأكيد أنها سوف تستمر في تحليل الحادث والتحقيق فيه وحدها، كما الحال مع العديد من الفرنسيين الذين فقدوا أحبائهم في الهجمات الإرهابية الأخيرة.

لا تعرف “ماريز” لماذا قضى “جورج” آخر شهر قبل وفاته يتحدث فقط عن الموت، وهو أمر غريب عليه، اعتقدت وقتها أن الأمر متعلق بإفلاس الصحيفة، لكن وبعد وقوع الحادث أدركت أنه كان نوعاً من استشراف المستقبل.

أبقت “ماريز” على كل شيء كما كان قبل رحيله،  بعد أن تسلمت من الشرطة حقيبته وخاتم الزواج، لم تتسلم قلمه، ربما لأنه كان ممسكاً به لحظة الوفاة..
كانت تعتقد في بداية الأمر أنه في رحلة وسوف يعود، احتفظت بجاكيته وقبعته وزوجان من أحذيته.
تفتقد “ماريز” نظرة “جورج” لها، ولا تعرف كيف ستواصل حياتها بدونها، تلك النظرة التي كانت تمنحها ثقة وحب وحياة..
أمام النصب التذكاري يقف الآلاف يضعون الأزهار والكتب والأقلام، لكن “ماريز” تفضل أن تمسح التراب من على سطح الرخام رغبة منها أن يبقى المكان صافياً كآخر فصل في حياته.

انتقلت “ماريز” إلى شقة جديدة، وفي كل ركن فيها  قررت أن تُعلق أوراقاً تحمل كلمات كان “جورج” قد اعتاد أن يكتبها لها بخط يده، واحدة منها تقول: “حبيبتي، لقد ذهبت إلى النوم وأنا أفكر في ابتسامتك الساحرة.. تصبحين على خير

الرابط الأصلي:
http://www.theguardian.com/world/2016/mar/19/still-makes-me-angry-wife-murdered-charlie-hebdo-cartoonist-georges-wolinski

 

 

 

 

عن الكاتب
مريم كمال
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق