الآن تقرأ
في ذكرى العندليب.. لن نقول وداعًا أبدًا

في مثل هذا اليوم من عام 1977، رحل العندليب المغرِّد عن غصنه العالي، فسكن الصوت العذب وسكت، بعد أن كان يملأ الدنيا شدوًا وطربًا. وإذا كان العندليب قد غاب بجسده في ذلك اليوم الحزين، فإن أغنياته ما زالت باقية تملأ القلوب دفئًا، لا تتزحزح عن موقعها في هذه القلوب لحظة منذ غياب صاحبها الذي أحسن اختيار كلماتها وألحانها فجعلها كالأهرامات تقاوم الزمن وعوامل الفناء بكل قوة وصمود.

ويمكننا أن نؤكد أيضًا أن من أهم الأسباب التي ساعدت في بقاء هذه الأغنيات طوال هذه المدة هو تداخلها الشديد مع تفاصيل حياة أي إنسان، فمن منا لم يردد “أول مرة تحب يا قلبي” عندما مس الحب قلبه للمرة الأولى، أو لم يردد “اسبقني يا قلبي اسبقني، عالجنة الحلوة اسبقني، اسبقني وقول لحبيبي أنا جاي على طول يا حبيبي” وهو ذاهب للقاء الحبيب؟ ومن منا لم يهم عشقًا وهو يسمع “نعم يا حبيبي نعم، أنا بين شفايفك نغم” أو “حبك نار مش عايز أطفيها ولا أخليها دقيقة تفوتني ما احسش بيها”؟ ومن منا عندما شعر بالهم والوجد وتمنى وجود الحبيب بجانبه لم يتذكر “مع جراحي أحن إليك وأقول يمكن يداويني” أو “كفاية نورك عليا، نورلي روحي وقلبي”؟ أو عندما تألم من قسوة الحبيب لم يتذكر “حتى في أحضان الحبايب شوك يا قلبي” أو “قسوة حبايبي مغلباني”؟ ومن منا لم يطر من السعادة على أنغام “الناجح يرفع إيده” عندما علم بنجاحه في مرحلة دراسية معينة؟ أو لم يتذكر “دقوا الشماسي” وهو ذاهب إلى العطلة الصيفية؟

دائمًا كان وما زال العندليب حاضرًا بأغنياته رغم غيابه الجسدي، لهذا أُطلق عليه “الغائب الحاضر”.

وعن الوطن وآلامه وأفراحه، لم تتوقف الحنجرة الذهبية يوميًا عن المشاركة بأجمل الألحان والكلمات التي أضاف إليها الصوت العذب سحرًا فوق سحرها، فعندما انتهى بناء السد العالي، خلد العندليب هذا الإنجاز في أغنيته “قلنا ح نبني وأدي احنا بنينا السد العالي” والتي كانت بمثابة تأريخًا لمعانة المصريين حتى استطاعوا تحقيق هذا الحلم العزيز. ومن منا وهو عائد من غربته لم يتذكر شدو العندليب “بالأحضان يا حبيبتي يا أمي يا بلادي يا غنيوة في دمي” أو كان لسانه حاله يردد كما غنى العندليب “راجع يا حبايب لكل شيء حبيته زمان، وانا عمري سنة، راجع للأرض اللي ترابها عارف جدي وأبويا وأنا، راجع للبيت اللي بنيته طوبة محبة وطوبة هنا”؟ إن أغنيات العندليب الوطنية تعتبر بحق سجلاً لهذه الفترة من تاريخ الأمة كما كانت أغنياته العاطفية سجلاً للمشاعر والأحاسيس.

حتى الإنشاد الديني لم تنسه الحنجرة الذهبية، فشدا العندليب عن خلق الله وعجائب قدرته في “يا خالق الزهرة في حضن الجبل من فوق، لونها ومنظرها أية للجمال والذوق” وفي “والحبة في الأرض تجعلها شجر وغصون، والكلمة تنقال مدن تعمر وتعلي حصون، وطفل يصبح بطل، يحمي الحمي ويصون، كل الوجود معجزة تشهد بسر الله”. ومن منا لم يرق لعزوبة الأداء وهو يسمع العندليب يغرد “ورق الشجر صفحات ياما انكتب فيها، خطوط رقيقة بتوصف قدرتك بيها، عروق بتنبض حياة، أنت اللي محييها، وكل روح معجزة تشهد بسر الله”، ومن لم ينتفض قلبه وهو يسمع صوت العندليب القادم من أعمق مناطق الأحاسيس البشرية وهو يردد “نفضت عنيا المنام وقمت، وقمت والناس نيام، وقفت ارتل كلامك، أغلى وأحلى كلام، اهديني يا رب بالقرآن لما يرضيك، خليني أحبك وأحبب كل خلقك فيك، نور طريقي بنورك وبإيماني بيك”.

يا الله على روعة الصوت والأداء والإحساس، إنها بصمة تفرد بها العندليب، إنها البصمة التي تجعلنا نجلس في ذكراه، نستمتع بأغنياته لنتلمس ذكرياتنا المرتبطة بهذه الأغنيات، ونشكر العندليب لأنه ملء هذه الذكريات بالمشاعر الفياضة التي تتدفق من حنجرته الذهبية، على الرغم من أن أكثرنا لم يعاصر العندليب في حياته، وهذا ما يجعل أغنيات العندليب حالة متفردة، حالة لا يمكن الاستغناء عنها، أو نسيانها، حالة لا نستطيع أن قول لها يومًا وداعًا…

 

عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق