الآن تقرأ
أزهى عصور السوشيال ميديا

أستيقظ في السادسة والنصف صباحاً، يخطر في بالي أول ما يخطر تفقد شبكات التواصل الإجتماعي.. أتناول فطوري ثم أستعد للذهاب إلى العمل.. أجلس على مكتبي هنا حيث إحدى وكالات التسويق عبر شبكات التواصل الإجتماعي.

مر أكثر من عام منذ دخلت هذا المجال، عامٌ كان أكثر من كافٍ لأراه عن قرب، لأراقبه بكثب، وليبدأ عقلي من بعدها شكوكيّته المعهودة ويطرح اسئلة عديدة لربما كان أبرزها:

هل فقدنا حرّيتنا؟

كم منا كره وجود أهله عنده حتى أضطر إلى “البلوك”.. كم منا تغيّرت كتاباته إثر “فولور” جديد يقدّره أو صديقة جديدة على الفيسبوك يخشى تغيّر صورته أمامها.. كم منا مسح ما قد كتبه لتوّه خوفاً من أن يقرأه مديره الحالي أو المستقبلي فيؤثر ذلك على مصدر رزقه.

                                                                             ***
على ذلك المكتب الفاخر يجلس الـHR Manager في تلك الشركة المرموقة، يتابع طلبات المتقدمين للوظيفة الشاغرة.. يظهر أمامه على شاشة الكمبيوتر الفيسبوك أو التويتر الخاص بهم، وسرعان ما يتخذ قراره بإستبعاد هذا أو ذاك، لا لشئٍ إلا لأنه كتب “بوست” رآه غير مناسب. حدثٌ يتكرر كل يوم حيث يتم رفض 1 من كل 10 متقدمين بسبب شبكات التواصل الإجتماعي بهم!

على ذلك المكتب الفاخر تجلس الـSenior .. خبرتها في المجال لم تتجاوز الثلاث سنوات ومع هذا فقد منحت نفسها مكاناً في مجلس الآلهة، آلهة الفيسبوك.. اولئك الذين يملكون الحق المطلق لتقييم المحتوى والحكم عليه.. يملأون الـ”نيوز فيد” بإنتقاداتهم لهذا وذاك.. يتصيّدون الأخطاء ليل نهار ويتغذّون على مباركات متابعيهم.. “مشكلة العالم أن الأغبياء واثقون بأنفسهم أشد الثقة دائما، أما الحكماء فتملأهم الشكوك” – برتراند راسل

على ذلك المكتب الفاخر يجلس الـHead-hunter .. يبدأ رحلة البحث التي كُلّف بها، تائهٌ هو بين “ليس كل ما يلمع ذهباً” وبين “مفيش دخان من غير نار” .. ولكن يبدو أنه سيرضى بالأسهل، بحثه الذي لم يتجاوز العشر دقائق أوصله إليها..

يبدو أنها تعرف الكثير، يستنتج هذا من انتقاداتها المتواصلة التي يفترض أنها لم تطلقها من فراغ. لقد وجد ما كان يبحث عنه وفي زمنٍ قياسي.. سيشيد به مديره بكل تأكيد وسيعود هو ليكمل رحلته نحو Level 400 من كاندي كراش.

         ***
الواحدة ظهراً.. تتساقط حبة عرق وحيدة على جبهتي، أتساءل في أسى: متى كانت آخر مرة كتبت فيها ما أريده خالصاً.. قبل أن يخبرونني مَن يجب أن أكون.

ماذا عنك؟.. متى كانت آخر مرة فقدت فيها صديقاً بسبب ما يكتب أو تكتب، متى كانت آخر مرة تلقيت فيها تعليقاً سخيفاً على صورتك؟ كيف تحوّلت الحفلات إلى سباق لأخذ الصور من أجل التباهي بها لاحقاً.. متى فقدنا الإستمتاع بالحاضر بالتفكير في مستقبلنا الأونلاين؟

تسّلطت آلاف العيون علينا، صارت حرية التعبير عن أنفسنا منقوصة.. فقدناها طوعاً في سبيل البحث عن مكان لنا في “الباند واجن”.. رعبنا من الوحدة دفعنا إلى عالم لا مكان فيه لأن تكون نفسك دون تعديل.. إلى عالم حيث “تطبق الشروط والأحكام”

والآن.. حاول أن تتناسى الواقع ولو للحظات قليلة، ردد معي كلمات تايلر دردن بصيغتها الجديدة:

“ You are not your job,
you’re not how many years you have spent in the field.

You are not your facebook followers.
You are not your linkedin endorsements.

You are not your fucking presentations.
We are all singing,
“.all dancing crap of the world

(Visited 231 times, 1 visits today)
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق