الآن تقرأ
الدليل اليومي للتعامل مع شخص مكتئب

كلنا بحاجة للأصدقاء و أحباء يكونون بجانبنا في السراء و الضراء، الضيقة و الفرج، يشاركونا الحلو و المر. و أحيانا، الأصدقاء بجانبنا  يعانون من شيئا، أحيانا نكون على علم بالمشكلة و أحيانا لا. الأصدقاء الأوفياء يساعدون بعضهم البعض في كل الأمور، إلا إذا تعلق الأمر بإصابة أحدهم بمرض/اضطراب نفسي، فهناك نرى تردد و أحيانا ابتعاد الأحباء عنا. الاكتئاب هو حاجة، اضطراب، مرض، قولوا عليه ما تحبون، لكنه شيئا حقير و أسود، صعب الفهم، أعراضه معقدة  و غامضة، لأن الأمر كله يدور في عقلك، و مجرد التفكير في الدخول في معركة ضد عقلك هو حاجة مرهقة جدا. و لجهل المجتمع بطبيعة هذا المرض، الأمر يزيد علينا نحن –المكتئبين- صعوبة في الشفاء أو حتى مجرد محاولة العلاج و الجهر بالمرض. فمجتمعنا حقيقة لا يكترث لهذا المرض (مع العلم أن الاكتئاب هو مرض العصر، و هو مصنف كأي مرض فيزيائي في العالم)، و لا يكترث لمرضاه، حيث يقوم أفراد المجتمع بتسميتنا بالمعقدين نفسيا و المجانين، مع العلم أننا لن نسمع أحدا يسخر من الأمراض الفيزيائية الأخرى. و من القلة القليلة التي تكترث، تجدهم يقعون في أخطاء كثيرة، سواء من تصنيف و فهم المرض، أو في طريقة التعامل مع إنسان مكتئب، نتيجة لقلة الوعي بالأمراض النفسية، و نعم أنتم معذورين.

مع اختلاف الأعراض من مريض لآخر، نتيجة اختلاف الظروف، و الأسباب، تجد أعراض الاكتئاب المشتركة الشائعة جدا، تجد الوحدة، الانعزال و الانطوائية تلعب دورا في تنامي المرض.

فمثل أي بناء أي علاقة حب أو صداقة، طريقة تربية طفل، مصاحبة إنسان مكتئب تلزمها أمور و أفعال يجب القيام ببعضها و تجنب البعض الآخر. فمثلا، أثناء العلاج النفساني، الطبيب/الأخصائي/المستشار النفسي يقوم بأمور، يردد كلمات و أفعال خاصة من شأنها تحسين نفسية الشخص المريض، تعطيه دفعة للأمام، تبث روح الأمل من جديد في حياته، و يقوم كذلك بتجنب حاجات من شأنها إضعاف نفسية المريض المحطمة أصلا.

نعم، أعرف أنكم لستم بأخصائيين نفسانيين لتعرفوا هذه الأمور،  لكنكم في معظم الأحيان، تعتقدون أنكم تساعدون أحبائكم بنصائح و تشجيعات، لكنكم حقيقة، أنتم تزيدون الطين بلة و تزيدون من كآبة الشخص.

في الآتي، فيه لائحة بالأمور التي لا يجب أن تقولوها لشخص مكتئب أبدا، و الأمور الي لازم تقولوها بدلا.

– إنها مجرد مرحلة عابرة، مجرد فترة حزينة.

هذه العبارة ناتجة عن جهل بمعنى مرض الاكتئاب أصلا و خلطه مع الحزن. الحزن هو إحساس طبيعي، يحس به كل إنسان، يدوم لفترة قصيرة ثم يختفي. مقارنة الاكتئاب بالحزن هو مثل مقارنة الزكام بالسرطان.
لا تقوم بالحكم على حالتهم، مهمتك هنا هي الاستماع و فهم ما يقولونه (حتى لو تظاهرت بالفهم)، وقول لهم أنك تصدقهم، و أنت حاسس بيهم، أنك تعرف أن الأمر صعب تخطيه و التعايش معه، شجعهم على العلاج، لعل الأمر سيعيد له الأمل في الشفاء و الخروج من مستنقع و دوامة اليأس.

– ” لا تهول من الأمر، هناك من لديه مشاكل أكبر”

الاكتئاب هو حاجة يصعب شرحها في كلمات،  دوامة من الأحاسيس و الأفكار السلبية السوداء، فمجرد أن يتكلم الشخص معك عن اكتئابه، فهذا يعني أن الاكتئاب يسيطر على عقله سيطرة كاملة، و يعني أيضا أنه عنده ثقة كبيرة فيك. مصارحة الناس بمرضك هي حاجة صعبة، خاصة عندما تكون عايش في بيئة مازالت تعتبر المرض النفس من التابوهات، لا أحد يريد الشكوى، خاصة عندما يتعلق بحاجة نفسية. و الشيء الآخر هو مقارنة الاكتئاب بالمشاكل الأخرى. هذه عبارة مؤلمة جدا تجعل نفسية الشخص المكتئب تنهار، و يزيد من لوم نفسه، لاعتقاده أنه السبب في علته. على الرغم أننا لم نسمع يوما ما هذه العبارة تقال لشخص يعاني من مرض خطير مثلا. شفتوا شخص قال لواحد مصاب بالسرطان: لا تهول من الأمر، إنها مجرد مرحلة … ؟ أبدا.
عوضا عن ذلك، حاول إقناعهم أنهم مهمين في هذه الحياة، و إشعارهم أنهم غير وحيدين في هذه المحنة.

– “ليس لديك سبب لتكون مكتئبا”

عبارة مؤلمة أخرى نسمعها كثيرا، و هي ناتجة عن جهل مسببات و خصوصيات المرض. نعم، فيه ناس مكتئبين لأحداث أصابتهم في حياتهم، من فشل في الدراسة، إلى علاقات فاشلة و ما إلى ذلك. لكن أحيانا الأمر يصيبك هكذا، لا سوابق و لا مشاكل عائلية.
على عكس الإنسان، الاكتئاب رغم حقارته، إلا أنه ليس عنصريا. لا يفرق بين أحد. الاكتئاب يصيب الفقير و الغني، السلبي و المرح (روبين ويليامز كمثال)، الأبيض و الأسود، المتدين و الملحد، الأنثى و الذكر، الطفل و الشيخ، الناجح و الفاشل.
عوضا عن ذلك، حاول إشعارهم أنك بجانبهم، حاول تفهم مرضهم. فمثلا عندي صديقة، المرض النفسي هو حاجة وراثية في عائلتها، هي فاهمة المرض النفسي أفضل من مئات الأخصائيين، تفهمها و تعاملها معي ساعدني كثيرا في الثقة بنفسي. المهم، عندما سألتها لماذا هي مكترثة جدا لحالتي، مع أنها لا تعرفني جيدا. جوابها لن أنساه أبدا، قالت لي أن شخصا عزيزا عليها خسر صراعه مع الاكتئاب. طبعا أنا فهمت ماذا كانت تعني، يعني أنه انتحر.
ليس تمجيدا أو تشجيعا على الإنتحار أبدا. لكن السخرية من الناس التي خسرت المعركة، الناس قررت تنهي حياتها بطريقتها الخاصة، هي حاجة حقيرة جدا و نسمعها يوميا في مجتمعنا. مثلا، عندما يموت شخص نتيجة مرض عضال مثلا، نقرأ في الصحف ‘الشخص الفلاني فارق الحياة بعد صراع طويل مع المرض’. نفس الشيء مع الاكتئاب أو أي مرض/اضطراب نفسي آخر، أنت في صراع دائما، معركة يومية، و المعركة تنتهي دائما بالخاسر و الرابح، الربح هنا الشفاء و التعافي، حتى ولو ليس كليا، و الخسارة هي الموت أو كما يسميها المجتمع الحقير الي نعيش فيه ‘استسلاما’ أو ‘طريقة جبانة’، مع الرغم الناس التي تموت نتيجة السرطان مثلا، لم نسمع أحدا قال عنهم أنهم استسلموا.

– إنها غلطتك: المختصر المفيد هنا: لا يوجد شخص في الدنيا يختار أن يكون حزينا.

– “تكلم”

الناس حاسبة أنه بمجرد التكلم أو اكتساب أصدقاء، الاكتئاب سيختفي.  أولا، لا تستطيع التكلم و أنت عقلك يسيطر عليه أفكارا انتحارية مثلا، لا تستطيع التكلم، و أنت متأكد أن الشخص الي أمامك سوف يسخر من مشاعرك. لا تستطيع التكلم، و أنت شبه متأكد أن الشخص الي قدامك سيكرر كل العبارات و الكلمات المذكورة أعلاه. عوضا عن ذلك، حاول تحسس هذا الشخص بأنك فاهم، استمع لما يقول، فشيئا فشيئا سيرتاح لك، و يقول لك الأمور الي في داخله.

  • ‘كونك راجل’ هي عبارة بالدارجة الجزائرية، و تعني ‘كن رجلا’، يعني تصرف كالرجال، و لا تكن حساسا كالبنات.

هذه العبارة موجهة للرجال خاصة، سمعتها في الكثير من المرات، لأن حسبهم الرجل قوي بطبعه و لا يمكن أن يكون حساس المشاعر، و أن الحساسية و ضعف الشخصية محتكرة على البنات. البعض من الناس، اتخذ من هذه القاعدة، كأساس لارتفاع نسبة النساء المصابين بالإكتئاب عكس الرجال. إحصائيا، نعم، نسبة الاكتئاب مرتفعة مقارنة بالرجال، لأسباب تتعلق باختلاف التعامل مع المشاكل، العلاقات العاطفية، الحمل، و أمور تتعلق بالهرمونات و أمور أخرى. لكن إذا نظرنا من زاوية الانتحار، فإن الانتحار شائعا عند الرجال أكثر من النساء، مع أن النساء يحاولن أكثر من الرجال، لكن في كل الدول ينهي الرجال حياتهم أكثر مما تفعل النساء. ذلك أمر غريب خاصةً وأنه وفقًا لكل الدراسات و الإحصائيات فالنساء تعاني من الاكتئاب أكثر من الرجال بمقدار الضِعف تقريبًا (1)  مع أن هذا الأمر صحيح، لكن هناك عامل طالما يتجاهله المختصون، هو أن النساء و البنات، يستشرن الأخصائيين أكثر من الرجال، النساء يعترفن و يطلبن المساعدة أكثر من الرجال. و كما أشرت مسبقا في المقالات السابقة، فإن أصعب مرحلة و خطوة في العلاج هي الإعتراف بالمرض و طلب المساعدة، هذه الخطوة تتطلب شجاعة كبيرة، و ستكون نقطة تحول جد مهمة في حياتك فمن القوي و من الضعيف هنا ؟ J
سبب عزوف الرجال عن طلب المساعدة هنا هو معروف طبعا ، الرجولة في المجتمعات الشرقية و العالم بصفة عامة مقترنة بقوة الشخصية، و بمجرد كونك رجلا، يعني لا يجب أن تكون حساسا و مرهف المشاعر، لأن هذا الأمر مرتبط بالبنات فقط. الرجال ينظرون إلى الاكتئاب أو المرض العقلي على أنه ضعف، لذلك يعزفون على طلب المساعدة، فالرجل لا يبكي. عزيزي الرجل، عندي حاجة حابب أقولها لك، الرجال يبكون، أنا بكيت. هل أنا ضعيف الشخصية ؟ نعم. هل ثقتي في النفس منعدمة ؟ نعم. هل أنا حساس ؟ كثيرا. هل أنا رجلا ؟ نعم، مع الرغم أن البعض من الذكور سيقول لا، هم أحرار بالطبع. سواءا كنت رجلا أو امرأة تعاني من مشاكل نفسية أو عقلية، فأنت جزءا من نادي كبير من الناس، العديد من العظماء، فنانين، علماء، ممثلين، سياسيين، كتاب صارعوا الاكتئاب في حياتهم. فكما قلت، الاكتئاب ليس عنصريا، مثله مثل الموت، لا يفرق بين النساء.
ملاحظة مهمة للرجال: في مجلة مختصة بالأمراض النفسية، فتاة كتبت مقال حول الرجال الذين يعانون من الاكتئاب، و ذكرت أن الرجال الذين يعترفون بمرضهم هم شجعان و سكسي. قلتلكم فيه أمل J

و أخيرا، كالعادة، أختم المقال  برسالة إلى الناس الي مصاحبة أشخاص مكتئبين، الناس الي واقفة إلى جانبهم، الناس الي اختارت أن تكترث لأمرهم،  أنتم أنبل الناس و أجملهم. J
(1) الرجال يبكون، ساسة بوست. http://www.sasapost.com/men-cry-depression/

(Visited 781 times, 2 visits today)
عن الكاتب
عثمان
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق