الآن تقرأ
حكاية شارعنا (فيلم وثائقي)

فى 2005 قام مقاول ببناء هذه العمارة الشاهقة التى حجبت نصف النهار عن البيوت القديمة المحيطة بها، فى 2008 كانت الشقق البالغ عددها 90 شقة قد سُكنت بالكامل، للمباني أصوات خافتة، ترددات تحمل أسرار الساكنين وتفاصيل أيامهم وليالهم، تقوم العمارة على قطعة أرض كبيرة يملكها حفيد أحد الباشاوات الذين اعتادوا قضاء الصيف فى الاسكندرية بصحبة أسرهم.  قد تبدو الجمل السابقة كتفاصيل خبر ممل فى أحد الجرائد أو كلمات أحد أولئك النشطاء الذين يملأون الدنيا عويلًا على ضياع تراث الاسكندرية المعماري، فيلا الباشا كانت تراثًا بحق، الطراز هجين جميل من الطرازات العربية والقوطية، المدخل والتماثيل، العمدان الكورانثية والنقوشات العربية، الألوان التي كانت يومًا ما صاخبة ورغم المائة عام مازالت تحمل صدي الصخب، الفيلا الأن مجموعة ذكريات فى أذهان بعض العجائز من أهل المنطقة سرعان ما سيطويها الموت، وبعض الصور. لكن ماذا عن سكان العمارة الحديثة التى تشامخت فوق أطلال الفيلا المنسية؟ ماذا عن الحفيد؟

منذ 2008 ولتلك العمارة طاقة تبثها فى الشارع الهادئ، حياة جديدة دبت فى قطعة أرض طال بوارها، للعمائر روائح ولتلك العمارة رائحة الحداثة والغموض، التكتم والانشغال، كان سكانها بعيدين تمامًا عن تقاليد الشارع فلم يشاركوا قط فى المبالغ المالية التى يجمعها المراهقين لتزيين الشارع قبيل رمضان، لم يُري أبدًا أحدٌ منهم وهو يحمل صاجات الكحك قبيل العيد، لم يقم أحدهم بذبح الأضحية فى مدخل العمارة ولم يغمس أحدهم يده فى الدم ثم وبالكف الدامي طبع الخمسة الشهيرة على الحائط. كانوا أشباح.  يصعدون فى هدوء ويهبطون فى هدوء، يتحدثون همسًا ولا يلقون التحية أبدًا، الجميع يكرههم ولا يستحي من إظهار تلك الكراهية.

تسعون شقة وتسعون قصة تستحق أن تُروي، لكن لا أحد يستطيع الولوج لهذا العالم الصغير/الكبير!

بلزاك سعيد فى قبره الأن، لم يبق سوي سطرين وينهمك النص فى تفاصيل صراع طبقي بغيض مماثل لما ناقشته المدرسة الواقعية فى القرن التاسع عشر، مدام فوكير القرن الواحد والعشرين ستنهض من بين الحروف، جشع ونفاق واستغلال، راستنياك الشاب الوصولى العالق فى صراعه الشكسبيري “أكون أولا أكون”، جوريو، أبو البنات، مع بعض التفاصيل من نجيب محفوظ لتمصير الشخصية، ملل الكتابة! فوترين، كمال الشناوى فى اللص والكلاب! ملل الكتابة! الآداب العامة، الابداع المشروط، القيم، المجتمع، الدين! قيم المجتمع المتدين، جملة عنقودية ثلاثية الفتك. يمكنك يا كاتبي العزيز الحائر أن تتغاضي عن الواقع لتكتب الواقع، الواقع كما يظن الواقعيون! أن تكتب عن الحب الشرعي أو اللاشرعي ولكن لتجعله يبدو شرعيًا فى النهاية، فنحن بشر والبشر يخطئون، البطلة ستحب البطل فى مشهد من ستينيات السينما المصرية، سيواجه أى عقوبات ليتزوج حبيبته! يتزوجها نعم! عادي، تحدث تلك الأشياء يوميًا، فى خيال أحد المرضي.

صوت صادر عن جهاز فيديو بعد أن قام أحدهم بالضغط على زر العودة بالشريط.

الفيلا مازالت قائمة، متهدمة ومهملة، مكب قمامة وحشرات، يمكن رؤية أحد الفئران “تمشي الهوينا”، الحوائط مكتوب عليها بخط رديء كل قصص الحب التى عاشها مراهقي الشارع، معبد صغير لتخليد ذكريات المراهقة واللقاءات السرية التى تجمع الشباب. الشارع كحاله من منتصف الأربعينيات رغم أن وجوه قليلة جدًا باقية من تلك الحقبة إلا أن الشارع متماسك أو متمسك بماضيه، نفس البشر مع اختلاف الأسماء والوجوه، النوع المتدين تكاثر قليلًا، الحجاب انتشر لكنه لا يعني الكثير، نوع المزيكا والأفلام اختلف، كل شيء على حاله، نفس البيوت! هذا كافٍ جدًا لنَقُل أن شيئًا لا يحدث إلا خلف الحوائط، خلف الحوائط كل شيء تغير، حتي ألوان الستائر ومفارش السرير ودهان الحوائط، التلفزيون الإل سي دي، أجهزة اللاب توب، الفيس بوك وتوتير، كل شيء تغير رغم أن ما يبدو من الخارج لا يدل على أى تغيير على الإطلاق. هل تغير كل شيء أم أن شيئًا لم يتغيير؟

كان لابد للفيلا أن تُهدم، كان لابد لشيء من هذا القبيل أن يحدث، الفيلا ليست كاتدرائية سان بيتر، الفيلا ليست سوي فيلا يجب أن تُهدم ليتغير الواقع، أو على الأقل ليبدو ما بالداخل أو لينعكس، يجب أن يختلف شيء. لا يمكن أن نتمسك بالفيلا لأكثر من هذا، الشقوق ملأتها والأمراض استوطنت في بركها العفنة الصغيرة، بدون عمارة جديدة لن يكون الشارع سوي امتداد لما كان عليه، يبدو جميل وقديم ومليء بالحنين والعراقة، لكنه كاذب، منافق، لا شيء فيه جميل، لا شيء فيه عريق، كل الحنين الذي سيبعثه فى نفسك ليس سوي لأنك تعرف أنه يبدو كما هو لكنه ليس هو.

صوت جهاز الفيديو بعد أن قام أحدهم بالضغط على زر التقدم بالشريط.

العمارة قامت، وحيدة وشامخة، صامتة وغريبة، سكانها منبوذون وخائفون رغم أن رائحة الخوف تسري من كل البيوت إلا من العمارة، أفراد وأُسر، كلهم خائفون، يظنون أن أهل المنطقة سينقضون عليهم فى أى لحظة، وأهل المنطقة طبعًا يرتعدون مما فى العمارة من تجديد، بنات العمارة، عاهرات، كاسيات عاريات، رجال العمارة، قوادين ومخنثين ولا يعرفون المروءة والشهامة! العمارة كبيرة جدًا واهلها مختلفون فى كل شيء، لكن وصمة “من سكان العمارة” ستلاحقك أيًا ما كنت فى الحقيقة.

العمارة مكونة من خمسة عشر طابق، فى كل طابق ست شقق، أهل العمارة رغم معرفتهم بتربص أهل المنطقة إلا أنهم لا ينافقون ولا يظهرون أشياء ليتعايشوا أو يختلطوا، يبدو أن احتقار أهل المنطقة أراحهم من عناء التفسيرات المملة، الوضع مريح، والأوضاع المريحة سريعًا ما تنتهي. مدخل العمارة هائل وزاد من حجمه المرايا على الحوائط والنجفة الكبيرة المتدلية من السقف العالى المرسوم بالكامل كنسخة من لوحة أصل العالم للرسام الفرنسي جوستاف كوربيه، السلم متخذ شكل نصف دائرة وثلاث أبواب أسانسير أسفله، الرخام السمني المزركش بتعرجات بيج، عمدان الجبس الأبيض والمطلي بماء الذهب، تدخل من البوابة فتجد امامك مساحة رخامية ثم أربع درجات ثم مساحة أخري ثم بداية السلم الدائري والمصاعد أمامك مباشرة، سور السلم الذهبي تشكيلاته المُفرغة تعكس تنوع هائل وتنويعات من الفنون، تماثيل صغيرة لألهة من العالم القديم تقف فوق صلبان ونجوم خماسية وسداسية وثلاثية، المرايا البلورية شديدة النصوع تعكس كل تفاصيل المدخل وتضاعفها، وفى المرايا فقط سيتمكن الوافد من استكشاف التمثالين المتقابلين، ففي محرابين متوسطي الحجم، ينتصب تمثالان أحدهما لأثينا والمقابل لإيزيس، رغم أن عشتار غير ممثلة بالتمثيل اللائق إلا أن تمثال صغير لها يعلو باب المصعد الأوسط. الصورة مبهرة ومفزعة وتفاصيل المدخل معروفة لأهل الشارع كلهم، وقد اكتفوا بمدخل العمارة ليخمنوا ما قد تحتويه.

فى نهايات 2010 انتشرت فى الشارع إشاعة قوية، تقول أن أحد سكان العمارة، يقطن وحده، يقيم حفلات صاخبة لأصدقائه ويمارسون “الشذوذ”، رغم أن تلك الإشاعة لم يبذل أحد أى جهد للتحقق من صحتها إلا أنها صحيحة، ازدادت الإشاعة وانتشرت بقوة وفى بدايات 2011، قام ثلاث شباب من أهل الشارع بضرب الشاب المثلي ساكن العمارة، وسحلوه. كانت تلك الحادثة هي الأولي من نوعها مما أدي لانتشار هائل وسريع للرعب بين سكان العمارة وكان عليهم أن يتصرفوا لحماية حقهم فى الوجود فى المكان الذي دفعوا ثمنه بالكامل.

نجيب محفوظ سعيد فى قبره الأن، النص بالفعل انغمس فى واقعية رمزية، فأولاد حارتنا يتكاثرون الأن وسكان العمارة سيبتعثون منهم مَن يبشر بالحداثة والانفتاح، ألا ترون الدوائر؟ الفراغات! التفاهات! اللاشيء الذي يتكرر كفقاعة هائلة نعيش على سطحها، ربما الحل لم يكن فى هدم الفيلا! أو ربما المشكلة لم تكن العمارة! تلك الأشياء تحدث وليس بمقدورنا تغييرها، فالشاب المسحول لم يرتكب جريمة! أو ربما ارتكب! ربما أهل الشارع على حق.

فى منطقة بعيدة تمامًا عن الشارع، والعمارة وقضية الفيلا الأثرية، كان الحفيد، حفيد الباشا صاحب الفيلا، يستمتع بمشروب مثلج فى الطابق المائة وثلاثة من برج خليفة.

صورة برج خليفة وكلمة النهاية تظهر بالتدريج، صوت خروج شريط الفيديو من الجهاز. تيييييت.

(Visited 233 times, 1 visits today)
عن الكاتب
السيد طه
طالب بقسم الأدب الانجليزي بكلية الآداب - جامعة الإسكندرية.
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق