الآن تقرأ
تاج الشوك على رأس الأقباط

لا أعتقد أن هناك من المصريين من يدرك حقيقة مشاعر الأقباط نحو ما يجري لهم، من المؤكد أن هناك مصريًا مسلمًا متعصبا كما أن هناك مصريًا مسلمًا يكره التعصب،  ويشعر بالغبن الواقع على الأقباط…لكن هذا الشعور المتعاطف أو المدرك للظرف الصعب الذي يمر به الأقباط، بالذات بعد ثورة يناير لا يمكن أن يقاس بمشاعر الأقباط أنفسهم إزاء ما يجري لهم .

كانت هناك دومًا لحظة فاصلة لدى الأقباط، تتحرك صعودًا نحو مزيد من العنف ضدهم، ومزيد من الإحساس بالاضطهاد لديهم منذ حادث الخانكة عام 1971 ، وحتى اللحظة الراهنة .. كانت الخانكة الحادث الذي توقف عنده الجميع: الأقباط والدولة التي شكلت لجنة عرفت بلجنة العطيفي نسبة إلى الدكتور جمال العطيفي الذي رأس هذه اللجنة، والتي صدر عنها تقريرًا تعرّض لتوصيف الواقع، كما تعرّض لوصف الحلول،  وهما التوصيف والوصف اللذان ظلا يتكرران، مرة بعد أخرى في كل حادث طائفي جلل، دون أن يطرأ تغيير على المشهد سوى تعاظم العنف ضد الأقباط، مع كل حادث جديد حتى باتوا يدركون أن العنف لن يتوقف عند اللحظة الراهنة، وأن اللحظة القادمة ستحوي عنفًا أسوأ ضدهم. وهكذا تعاظم العنف من واقعة طائفية إلى أخرى، لكن ظلت هناك وقائع شكلت ركائز على طريق اضطهاد الأقباط في مصر.

كانت البداية بالخانكة في مطلع السبعينات، ثم توالت الأحداث حتى دلجا 2013، لكن ظلت هناك جروحا لا تلتئم في قلوب وعقول الأقباط ، على رأسها مذبحة ماسبيرو ومذبحة نجع حمادى ومذبحة القديسين، والأخيرة اختتمت بها الأحداث الطائفية في عهد مبارك، والأولى شهدت صدمة الأقباط الكبرى،  ليس في تداعيات الثورة التي شاركوا فيها لأول مرة في تاريخهم، خارج أسوار كنيستهم، ولكن في دبابات الجيش التي سَوت أجسادهم بالأرض، وإعلام دولتهم الذي استعدى بقية المصريين عليهم، بدعوى أن الأقباط يهاجمون جيشهم، أي جيش المصريين وكأنما هم ليسوا منهم. هي لحظة فارقة بكل المقاييس حينما خرج “المواطنون الشرفاء” إلى الشوارع المحيطة بماسبيرو بحثًا عنهم – هم الأقباط – لقتلهم.

هي بحق مشاهد تعيد كتابة العلاقة ما بين الأقباط والدولة .. مشهد الأقباط وهم يختبئون في العمارات المحيطة بماسبيرو، ومكاتب الفضائيات التي لجأوا إليها ليحتموا بها من عنف المواطنين، الذين كانوا يحملون السلاح ويبحثون عنهم ليعتدوا عليهم في هذه الشوارع والبنايات، بل وصل بهم الأمر إلى مطاردتهم حتى أبواب المستشفى القبطي، الذي لم يجرؤوا على اللجوء إلى سواه، خوفًا من استهدافهم بناء على الدعوة التي أطلقها تليفزيون الدولة –دولتهم- ضدهم.

لم تُعد ماسبيرو الأقباط إلى ما قبل يناير ومشاهد الالتحام في التحرير، لكنها بدأت تكتب فصلًا جديدًا في التعصب ضدهم والعنف إزائهم. فقد صار الخطاب الإسلامي هو الخطاب السائد ليس من مآذن المساجد، التي اعتادوا على أن يستمعوا إلى إهانتهم وتكفيرهم من أبواقها، بل صار هذا الخطاب يحتل تدريجيًا المساحة الأكبر من الأبواق الإعلامية على اختلاف توجهاتها، فوجد الأقباط أنفسهم يتأرجحون ما بين خطاب الإخوان المسلمين السياسي، الذى يدعي أنه سيحمي حقوقهم كأقباط، مستشهدًا بالآيات القرآنية التي تحض على ذلك بعيدًا عن أية حقوق للمواطنة، و أي حقوق تستند إلى قانون أو دستور. إذن من يملك أن يمنح، يملك أيضا أن يمنع تمامًا، كما هو خطاب السلفيين الذي أعلن عدم شرعية أن يعيِّد المسلم على القبطي في أعياده الدينية أو أن يُقرؤه السلام إذا ما مر عليه، وصولًا إلى حد إعلان شيوخ السلفية أن من حق المسلم أن يتزوج كتابية، لكنه لا يعيد عليها في عيدها لأنه يكرهها، فلا يجوز أن يبادرها بالتهنئة.

وكما جاءت ثورة يناير ثم تلاها مباشرة أحداث كنيسة أطفيح، جاءت ثورة 30 يونيو ليتلوها إحراق 86 كنيسة للأقباط ومذابح للأقباط في صعيد مصر، ممن رفضوا دفع الجزية، ثم ما جرى في دلجا وغيرها من استهداف الأقباط وحرق منازلهم ومحلاتهم، وخطف بناتهم، بل وتهجيرهم قسريًا لأنهم جرؤوا أن يكونوا جزءًا من مشهد ثورة 30 يونيو، استنادًا على أنه ليس من حق القبطي أن يخلع مسلمًا من فوق كرسي السلطة. كان تهديد الأقباط من فوق منصة رابعة واضحًا، “سوف تندمون” وتوالت العمليات الإرهابية،من صعيد مصر حتى كنيسة الوراق، تأكيدًا على ذبح المواطنة التي لم تلفظ أنفاسها مع توالي العمليات الإرهابية بل ضربت في مقتل منذ ماسبيرو وحتى منع الأقباط من الخروج للتصويت فى صعيد مصر تحت تهديد السلاح، من الانتخابات البرلمانية التي أتت بالإخوان والسلفيين وحتى الانتخابات الرئاسية التي أتت بمرسي رئيسًا.

الأقباط في اللحظة الراهنة ينظرون إلى المستقبل بقلق من يدرك ما يجري في منطقة الشرق الأوسط كلها تجاه المسيحيين، ومن لا يدرك لكنه يستشعر الخطر الذي بات يهدده مع توالى المراحل، مرحلة تلو أخرى، والتي لم تعد تأتي سوى بمزيد من القتل والعنف ضدهم. المثقفون يقرأون عن استهداف المسيحيين في العراق وسوريا، ويستشعرون الخطر الذى يهددهم. بينما المتدينون يؤهلون أنفسهم بأن الشهادة قادمة لا محالة.

(Visited 85 times, 1 visits today)
عن الكاتب
كريمة كمال
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق