الآن تقرأ
من يحمي المتورطين في الأحداث الطائفية؟

ثلاث سنوات منذ وقوع الحادث الإرهابي والعملية التفجيرية التي استهدفت كنيسة القديسين, وأودت بحياة 25 شهيدًا، وأكثر من 90 مصابًا كلهم من الأقباط، بدون متهمين وبدون محاكمة وبدون الكشف عن الحقيقة، وفي ظل حكومات متعاقبة اكتفت بتعويض أسر الضحايا، وعملت “ودنًا من طين وأخرى من عجين” فيما يخص الإعلان عن مصير التحقيقات.

مثَّل العام السابق للمذبحة – 2010 – نقطة فارقة وبداية لمرحلة صعبة على الأقباط والمصريين، مع بداية العام أُطلقت نيران الغدر على أقباط نجع حمادي، وقُتل 7 مواطنين عقب خروجهم من قداس عيد الميلاد، ثم جاء اعتداء قوات الأمن على أقباط العمرانية – قُتل قبطيان وأصيب العشرات- بحجة تحويل مبني خدمات دينية إلى كنيسة ليكشف عن انحياز الدولة الديني، مرورًا بأحداث كاميليا شحاتة وحالة الغموض التي فُرضت على ظروف اختفائها، ثم عودتها، وما صاحب ذلك من تأسيس عدة حركات سلفية نظمت عدة احتجاجات للمطالبة بما أسمته ” الأخوات المسلمات المختطفات”, والتي حاصرت الكنائس والكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وخلال هذه التظاهرات رددت شعارات تهين المسيحية والقيادات الدينية المسيحية.

كانت أجهزة الدولة غائبة, ولم تتوفر لديها الإرادة السياسية للتعامل مع ملف الانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون الأقباط، بل وفرت حماية للمحرضين والقائمين على هذه الاعتداءات بتقاعسها عن القبض عليهم, بالرغم من تحديد هويتهم ومعرفة أجهزة الأمن لهم, ثم بعدم إجراء أجهزة التحقيق لتحقيقات جدية لتقديم المتهمين إلى المحاكمة. في ظل هذا المناخ تصاعدت مشاعر الغضب والثورة لدى الشباب المسيحي, الذي خرج إلى الشوارع في مظاهرات ومسيرات ترفع شعارات دينية, وأخري مناهضة لمؤسسات الدولة.

في ظل هذا المناخ وقعت مذبحة كنيسة القديسين، التي كنت شاهدًا على بعض فصولها، فقد ذهبتُ في صباح اليوم التالي إلى الإسكندرية لمتابعة الأحداث، وكانت قوات الشرطة قد وصلت إلى موقع الحادث، بعد مضي نصف ساعة تقريبًا على وقوع الانفجار، وفرضت كردونًا أمنيًا حول الموقع، واشتبكت مع أهالي المجني عليهم، استخدمت خلالها الرصاص المطاطي والقنابل المسيّلة للدموع، ثم ضغطت على قيادات الكنيسة بحجة الدواعي الأمنية، لأن تقام الصلاة على الجثامين في دير مارمينا بكنج ماريوط، مما انعكس على مشاعر غضب الشباب تجاه دور الحكومة المخيب لآمالهم في معالجة الاعتداءات على الأقباط، وظهر ذلك جليًا في طريقة تعامل المسيحيين مع المسؤولين الذين حضروا تشييع الجنازة كممثلين عن أجهزة الدولة، حيث ردد الشباب عند وصول الجثامين هتافات مناهضة للأمن والحكومة، وتحرش بعض الشباب لفظيًا وبالأيدي بالوزراء المشاركين. كما تعالت صيحات الاستهجان عندما أراد الأنبا باخوميوس، توجيه شكر للرئيس الأسبق مبارك، تعبيرًا عن رفضهم القاطع لذلك.

تجددت الاشتباكات مساء يوم الحادث، واستمرت لعدة أيام متتالية، بين مئات من الشباب القبطي، وقوات الأمن المتمركزة عند مداخل شارع خليل حمادة بمنطقة سيدي بشر. وهي الاشتباكات التى كنت شاهدًا عليها. تجمهر المئات من الأقباط أمام الكردون الأمني وهم يهتفون:”عايزين نصلي”؛ رغبة منهم في المرور من الحاجز الأمني والدخول إلى الكنيسة، الأمر الذي رفضه رجال الأمن، فقام المتظاهرون بمهاجمة الحاجز الأمني ورشق عربات الأمن المركزي بالطوب، فقامت قوات الأمن بمطاردتهم وإلقاء القبض على عدد منهم.

لقد تسبب ذلك الحادث الأليم- أكثر من أي حادث مماثل- في إحداث شعور مصري عام بالحزن، كان ملموسًا للمتابع. ومع اتساع نطاق الاستنكار والغضب، لم تعد التظاهرات مقتصرة على المنطقة المحيطة بالكنيسة، فقد اندلعت مظاهرات أخرى في عدة محافظات مصرية؛ تطالب بسرعة إلقاء القبض على الجناة، وتقديمهم للعدالة، ورُفعت خلالها لافتات، ورُدِّدت شعارات تؤكد على تضامن جموع المصريين مسلمين ومسيحيين معًا، كما شهد بعضها مصادمات بين قوات الأمن والمتظاهرين. خلال تلك الأحداث، كانت القاهرة هي أكثر المحافظات سخونة، ففي يومي السبت والأحد 1 و2 يناير 2011، انطلقت مظاهرات في عدة مناطق متفرقة بالقاهرة، حيث تظاهر ألفان من أهالي “الزرايب” بمنشية ناصر، وقاموا بقطع طريق الأوتوستراد، وقذفوا المارة بالزجاجات الفارغة، وهم ينددون بالاعتداءات على الأقباط والتمييز ضدهم. كما قام مئات الأقباط بغلق طريق المحور لمدة ساعة عند ميدان لبنان، ومنعوا السيارات من السير في الاتجاهين.

وفي العباسية تجمع مئات الأقباط أمام الكاتدرائية المرقسية بشارع رمسيس، وأغلقوا الطريق لمدة 6 ساعات، أثناء استقبال البابا للوفود الرسمية التى جاءت لتقديم العزاء، ورفضوا الإنصات إلى الأساقفة، وسكرتارية البابا الذين طالبوهم بالهدوء والعودة إلى منازلهم. وحدثت اشتباكات بين جنود الأمن والمتظاهرين الذين رشقوا الجنود بالحجارة، وتحرش بعضهم بالمسؤولين بالألفاظ والسباب.

وفي منطقة شبرا شارك نحو خمسة آلاف مواطن في تظاهرة حاشدة، الاثنين 3 يناير 2011. كانت التظاهرة قد بدأت بوقفة احتجاجية أمام “كنيسة السيدة العذراء” بمسرة، نظّمها نحو 300 متظاهر، يحيط بهم مئات من جنود الأمن المركزي والعربات المصفحة، ثم خرجت مظاهرة عفوية قادمة من شارع القومية بشبرا الخيمة، حيث تجمّع عشرات من المسيحيين والمسلمين دعوا المواطنين لمشاركتهم في التظاهر، فانضم إليهم المئات من المواطنين وبعض القوى الوطنية، حيث نظموا مسيرة سارت حتى وصلت إلى شارع رمسيس، رفع خلالها المتظاهرون صورًا دينية مسيحية وصلبانًا ومصاحف، وهم يرددون شعارات تندد بالأمن وتقصيره، وشعارات أخرى تدل على الوحدة الوطنية، من بينها “آدِي أحمد ويّا مينا.. دول إخوتنا دول أهالينا.. مهما هيعملوا فينا- إبكي إبكي يا بهية.. على شهداء الإسكندرية- آدي جَرس وادي أذان.. الشعب المصري بيتهان”.

وقد حدثت اشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين، عندما حالت قوات الأمن دون وصول المسيرة إلى “دار القضاء العالي” بمنطقة الإسعاف، مما دفع المتظاهرين إلى رشق جنود الأمن المركزي بالحجارة وزجاجات المياه، فردّت القوات عليهم بالقنابل المسيّلة للدموع، وألقت القبض على 8 من المشاركين في المظاهرة. وقد وجهت إليهم نيابة شمال القاهرة الكلية، تُهم التعدّي على رجال الشرطة، وتكدير الأمن العام، والاشتراك في التجمهر، وإثارة الفتن وإتلاف الممتلكات والمنشآت العامة.

بعد مرور 3 سنوات صدر حكمان قضائيان لهما علاقة بتداعيات المذبحة، لكن الملف الأصلي مازال في أدراج النيابة العامة وتحريات أجهزة الأمن، الحكم الأول بالسجن عامين للنشطاء الثمانية قبل أن يلغى في درجة الاستئناف، والحكم الثاني في قضية مقتل الشاب سيد بلال، وهو شاب سلفي قُتل أثناء استجوابه بمقر جهاز أمن الدولة عقب التفجير وقضت المحكمة بمعاقبة عدد من الضباط الذين تورطوا في تعذيبه بالسجن لمدد مختلفة.

وما يزيد من التساؤلات حول أداء وزارة الداخلية والنيابة العامة أن وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي أعلن أن تنظيم جيش الإسلام الفلسطيني هو المنفذ للتفجير الإرهابي، ومع قيام الثورة نشرت بعض الصحف أخبارًا حول تورط وزير الداخلية الأسبق وجهاز أمن الدولة المنحل في التدبير للحادث فصدر قرار النائب العام المستشار عبد المجيد محمود في فبراير 2011 بحظر النشر في التحقيقات التى تجريها النيابة العامة.

عن الكاتب
إسحاق إبراهيم
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق