الآن تقرأ
ليلة العمر … قصة قصيرة

إشارة مرور مثل باقي الإشارات .. حبيبات العرق تتسابق على جبيني وعنقي بالرغم من أننا في شهر مارس وضيق التنفس مازال يلازمني منذ أن تحركت من مقابلة العمل الأخيرة

نزعت رابطة العنق الكريهة وألقيت بها منتقما ونظرت في مرآة السيارة ودهشت… شعرت وكأنني لم أراني منذ فترة طويلة … اللعنة على هذه الإشارات التي تعذبنا وتذكرنا دائما بعذاب الانتظار … الانتظار هذه الكلمة في ذاتها تعذبني مهما نجحت ومهما تقدمت أشعر أنني أنتظر شيء مجهول

أغنية رافضك يا زماني تزلزل السيارة التي خنقتها إشارة مرور طويلة ربما موكب أحدهم سيمر وتركنا نغرق في عذابنا كالعادة نظرت للشارع نعم لقد اقتربت من منزلي في المعادي ولكن … لقد سأمت لقد زرت معظم دول العالم إلا أنني أحب القاهرة … القط ميحبش إلا خناقه على رأي أمي ولكنني اليوم أشعر بإرهاق نفسي نظرت لسيارتي التي أعتبرها منزل متنقل لأنني أسافر في أي وقت حسب ظروف عملي ووجدت حقيبة الملابس الاحتياطية … فتحتها وهبطت من سيارتي وأمسكت بقميص جديد وخلعت القديم وجميع من في السيارات يرمقني بنظرات تعبر عن الإعجاب و الكوميديا وربما الفزع وتركت السيارة في منتصف الطريق وعبرت البر الآخر الذي يسير بسرعة وأوقفت سيارة أجرة سألني السائق إلى أين … سألته أنا ( إنت رايح فين ) ابتسم السائق معتقدا أنني مختل فقل لي ( مدينة نصر ) فتحت الباب وألقيت بنفسي على المقعد في صمت وأغمضت عيني وبدأ الهواء يدخل في صدري من جديد وبدأت أتنفس وشردت في حياتي التي أكافح من بدايتها وحتى الآن وأشعر أن شيء ما ينقصني …

ظهرت في الأفق شوارع مدينة نصر التي أحبها وعند أول مقهى طلبت من السائق التوقف وهو مازال يشعر أنني كائن غريب .. هبطت ودخلت المقهى جلست طلبت قهوتي وبدأت في مراقبة الشوارع من خلف الزجاج وأنا شارد في لا شيء الذي أبحث عنه في وسط هذه الغابة البشرية المرعبة ومازال صوت مدحت صالح في أذني يؤكد أنه يريد الحياة في كوكب آخر

سمعت صوت أنثوي في المقاعد المواجهة لي يطلب من الجرسون شيئا ما ولم أهتم … ارتفع صوت رنين هاتفها الجوال بأغنية حنان ماضي ( في ليلة عشق وخداني ) عدت بالزمان نحو عقدين أو أكثر تلك الأيام الرائعة التي كانت تهمس فيها حنان ماضي فنبكي قبل أن يبددها صوت حناجر الكائنات الفضائية التي أطلقتها العشوائيات وصنعت من الموسيقى مسخا وتعتقد أنها تغني الآن … بدأت أراقب الفتاة وهي ترد على هاتفها في ثقة وتتحدث ثم تنهي المكالمة … شعرت أنني أمام كائن نادر ربما بحثت عنه كثيرا فحصتها أكثر بملابسها المهندمة الحديثة ونظارتها الطبية الرقيقة وملامحها الملائكية وهي تجلس ولا تعبأ بهذا الكوكب وتضع قدما على قدم في هدوء نظرت لها طويلا فارتبكت وحاولت وضع كوب القهوة على المائدة فسقط فنهضت مسرعا فحملقت في تحركي ولم تلاحظ القهوة وهي تجري على المائدة في طريقها إلى ملابسها فأمسكت بمنشفة ورقية ووضعتها عليها وأخرجت أخرى وبدأت أحاصر القهوة ولاحظ الجرسون الوضع فأسرع يحاصرها معي … ارتبكت أكثر فقدمت لها مناشف أخرى فأخذتها شاكرة وصامتة فقلت في هدوء ( أشكرك على أغنية حنان ماضي أسعدتني كثيرا ) فابتسمت قائلة ( دي أسطورة ) أكدت لها أن حنان ماضي ومدحت صالح أساطير وفيلم آيس كريم في جليم حلم جميل والتليفون الأرضي هيدخل الجنة وأن الله حرمنا من تلك الأيام لأنه غاضبا على البشر الذي ذبح البراءة والجمال والخير وخلق الشر والألم والكراهية … ضحكت كثيرا من ألفاظي وتوقعت أنني شاعر فأكدت أنني مجرد شخص مكافح وسط الأرقام ولم أنجح في تكوين عملية حسابية ناجحة واحدة في حياتي … جلست وأنا سعيد ولم أشعر أنني أتحدث معها في طلاقة عن الزمان الجميل … شعرت بها تبادلني نفس الآراء وتتحدث معي بنفس الطلاقة استعدنا ذكريات الجيل المقتول والنوستالجيا التي يغرق فيها من أجل الانفصال عن الواقع المرير

لم نشعر أننا نسير في الشارع ونتحدث لاحظت ذلك من الهواء الذي تتركه السيارات المسرعة وتكاد تلامسني وأنا أسير وأتحدث معها في سعادة بل لاحظت ذلك الجو الأسطوري الذي بدأ يلف المكان هواء دافئ مع أمطار … أضواء الكشافات مع صمت الساعات الأولى من الفجر والسماء نصفها يضيئه القمر والأخر تخفيه السحب وفجأة انطلقت الألعاب النارية في السماء ربما احتفالا بزواج أحدهم إلا أنني شعرت أنها تنطلق لي في احتفالية صنعها القدر … شعرت بالشارع تملأه الورود الملونة وأصوات العصافير وهي تحاول أن تنام فوق الأشجار … ظل الحديث مستمرا دون أن أعرف أي تفاصيل عن حياتها وربما هي لم تعرف شيء عن حياتي تحدثنا عن الماضي الجميل دون أن نتحدث عن ماضينا الغامض … وفجأة توقفت عن مفترق الطرق واعتذرت وأشارت لسيارة أجرة وركبتها ونظرت لي طويلا والسيارة تتحرك وابتسمت في سعادة وابتسمت أنا أيضا في سعادة ونظرت لها طويلا حتى أتأكد انها ليست حلم بل حقيقة وسمعت عمر دياب وهو يقول ( قبل منك عشت عمري في يوم وأما جلتي تاني عشته كله في يوم ) لأول مرة أفهم الأغنية إنها ليلة العمر تلك الليلة التي لا تتكرر كثيرا في حياة الأشخاص عبرت البر الآخر من الطريق وأشرت لسيارة أجرة وركبت دون أن أقول له وجهتي ونظرت طويلا في طريق السعادة الأسطوري الذي سرت فيه وتذكرت أننا اتفقنا على اللقاء دون تحديد موعد … عندما أشعر أنها في المقهى سوف أذهب لها … وتذكرت أنني لم أعرف اسمها فضحكت طويلا ونظر لي السائق في فزع فتماسكت وأخفيت نظراتي في النافذة    

 

(Visited 304 times, 1 visits today)
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق