الآن تقرأ
شغف العلمانية

كيف يتقبلك نظامًا ليس شغوفًا بك؟

وكيف تقبل بنظامًا لست شغوفًا به؟

تمامًا كما لا يمكنك تقبل حياة لست شغوفًا بها إلا إذا كنت ممن يحتملون مجرد البقاء على قيد الحياة لدفع الفواتير وانتظار انقضاء الأجل.

الحياة في قفص زجاجي قد تبدو مريحة وربما أنيقة لمن يؤثرون السلامة فقط.

أما من يشعرون تجاه الحياة بشغف عريق وأنهم يحصرون شيئًا ما مهمًا في تاريخ الإنسانية أو تاريخ هذا الوطن على أقل تقدير .. لا يمكنهم الوقوف على الحياد تجاه ما يرتكب من جرائم ليس فقط في حق التاريخ بل في حق الحاضر والمستقبل الذي ينوي البعض مصادرته.. هؤلاء لا يمكنهم بأي حال الانبطاح أو الرضوخ لما يقرره الآخرين نيابة عنهم وكأن لا وجود لهم على ظهر تلك الأرض

ما يسمونًا حيادًا هو ليس كذلك.. وهو شيء لا يمكن أيضًا تسميته (عقلانية) أو (رزانة)

الصمت يكون أحيانًا خشوع وتدبر .. إن كان محاولة لاستيعاب ما يجري لكن الاستمراء في الحالة تحوله لجريمة في حق صاحبها وتفريطًا في حقوق الآخرين

ذلك الشغف مس مجموعة ممن أحبوا الحياة وكرهوا الجمود

شغفهم الخالص بفكرة فيها من الرحابة والسماحة والنبل الشيء الكثير

شغفهم هذا ليس خطأ بل العدول عن الشغف أو التخلي عنه هو الجرم

خاصة وأن شغف هؤلاء كان ممنهجًا وله معاييره وآلاياته المشروعة.. تركوا الأبواب الصحيحة لطرح فكرتهم والدعوى لقبولها وقرروا تطبيقها على الأرض .. هنا على هذه الأرض .. أرضنا .. التي خصصها وخصنا بها الإله من بين مجموع أراضيه

الشغف بالعلمانية كفرة دفع البعض منا – وليس كلنا للأسف – للوعي بضرورة إيجاد واقع أكرم وأنبل وأشرف للجميع

صيغة رحبة تحتضن الكل بلا تفرقة ولا تصنيف

وهكذا يولود ويتشكل (الحزب العلماني المصري تحت التأسيس) في محاولة لإيجاد موطن قدم للإنسانية وسط كل هذا الظلام والبغض والمجون والقتل

قد يتساءل البعض هل الأفكار النبيلة الخالصة تحتاج لحزب أو أحزاب والإجابة بنعم .. فالأفكار ومضات تحلق ربما وتضيئ النفوس والضمائر

اخراجها من دواخل البشر وانصهارها في وعيهم وإدراكهم وتبنيها في سلوكهم اليومي واستخدامها في نسيجهم اللغوي يحتاج لشيء من التنظيم والفعل المدفوع بإرادة حقيقية للتغير وتقرير المصير .. مصير الملايين لا مصير جماعة أو فرقة أو فئة منغلقة على ذاتها

العلمانية ليست فكرة نخبوية أو مستغربة

هي حلم (لا رومانسيًا) يتوق إليه الجميع ويستحقه الجميع ولأنهم يدركون ذلك طالبوا به في ثورتين  – بغير وعي ربما – كل مطالب الشعب كانت من وحي العلمانية .. العيش الحرية العدالة الاجتاعية الكرامة الإنسانية هي حقوق إنسانية عامة وليست فقط مطالب شعبية تخص شعب دون غيره

إسقاط حكم المرشد أو الفقيه أو الملا أو الشيخ أو الأب والرغبة في خلاص الفرض وتنقية دينه ومعتقده وإنقاذه من الكهنوت والحكم الثيروقراطي كان من صميم العلمانية المتهمة البريئة من فكرة رفض الدين أو إقصاءه عن حياة الناس

العلمانية تحمي البعد الروحي للفرد ولا تعاديه

تحمي الدولة من حكم الجماعة وتحيلها لسلطة القانون والعقد الإجتماعي المبرم بين الحاكم ومحكوميه

العلمانية تثبت أقدام الدولة على أرضية صلبة رحبة إذ تجعلها تقف على مسافة متساوية من جميع المعتقدات بحيادية نزيهة

العلمانية تعطي الحق المطلق والحرية المطلقة للفرد في الانتساب أو عدم الانتساب للدين بوعي واختيار حر يحترم الفرد ويحترم اختياراته ويحترم قناعاته وانحيازاته ويقف أمامها وحيالها على الحياد لا يتدخل ولا يمنع لا هو مع ولا ضد

وهذا هو المبدأ الأساسي للعلمانية التي تحفظ المجتمع من التطرف .. فالعنصرية والتصنيف سيؤديان لا محالة – إن عاجلاً أم آجلاً – لطريق العنف والدم والإرهاب الذي تحاربه الدولة ولا تحاربه .. طالما أنها تتحدث لتتحدث ولا تتخذ الإجراءات الوقائية لمحاربة الفكر ومطاردته

الأمن مسئول عن مطاردة الإرهابيين

في حين أن الدولة بمؤسساتها هي المعنية والمنوطة بمحاربة الأفكار الهدامة وضحدها بل ووأدها في المهد لا انتظار تحولها لسلوك عدائي متطرف وصدامي ثم تعود لتشكو وتبكي ضحاياها هي لا ضحايا التطرف كما تعتقد

إنصراف الدولة وعزوفها عن اتباع النهج العلماني في التفكير والآداء وسن القوانين هو الذي أسقطها في بئر الإرهاب وأسقط معها الضحايا والشهداء وزج بالمفكرين للسجون .. فكأنها تحارب في جبهة وتترك في نفس الوقت بابًا مفتوحًا على مصرعيه تدخل منه كل محفذات العنف والإرهاب ولا تسده .. ولا حتى ترغب في أن يسده لها وعنها من لديه الوعي بخطورة ذلك الباب المفتوح

هي لم تؤمن – بعد – بما آمنا نحن به ووعينا له

لم يمسها الشغف بعد

تعتقد أن ما نؤمن به يخصنا وحدنا وأنه شغف يليق بنا فتتركنا نتسلى به

ونحن في حقيقة الأمر لا نتسلى بما نؤمن به ولا نتسلى بأوطاننا ومصائر مواطنينا بل نأخذها ليس فقط بعين الاعتبار بل بعين الجد وعلى استعداد أن نضحي في سبيل ذلك بكل ما نستطيع ونقدر وقد سبقنا إلى ذلك كل من حاول إعمال العقل بدءًا بالدكتور (نصر حامد أبو زيد) مرورًا بـ (فرج فودة) و (هيباتيا) التي سالت دماءها على هذه الأرض وسالت دماء الحلاج على أرضًا هي كذلك أرضنا لأنها أرض الله لا أرض الحكام ولا أرض المرشدين والملالي ممن شوهوا عن عمد وبشكل ممنهج مفهوم العلمانية ونسبوه للغرب الكافر ووصموه بمعاداة الدين

ثم انقشع عن الاصطلاح كل ذلك العطن المتراكم للحد الذي دفع مواطنون للثورة على تسلط هؤلاء وإزاحتهم من المشهد وها هم يزاحمون على استحياء تارة وبشكل فج وواضح تارة أخرى للعودة للمشهد من جديد

وهنا يبلغ التحفظ مداه ويأتي دور الحزب الوليد في التصدي لتلك المحاولات لا فقط لمنعها بل ضحدها فكرًا بل ضحد فكرها قبل أن يصير نهجًا وسلوكًا لن نسمح بذلك وليكلفنا الشغف ما يكلفنا نحن على استعداد لدفع فواتير الشغف لآخر مدى وعن طيب خاطر .. فللشغف كلفته .. وللعلمانية حزب يحميها .. كما حما (أتاتورك) و (الحبيب) من قبل شعبه وجنبه ما يحدث له الآن ويحدث لنا من ويلات

العلمانية لكم والحزب الوليد بكم يؤسس فمن غيركم لن يقوم ولن يقدر على الدفاع لكم وعنكم ضد من يسلبون حرياتكم ويزجون بكم للزنازين والسجون ويقيدون فكركم ويضعون حاجزًا وسياجًا بينكم وبين إلهكم كوسطاء غير شرعيين وغير ذي صفة

العلمانية لا تقتل الدين كما أوهموكم .. هي فقط تعيده لمكانه الصحيح والمناسب ألا وهو قلب الإنسان لا كرسي الحكم

 

 

(Visited 264 times, 1 visits today)
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق