الآن تقرأ
سجلات من كوكب (ط) – نوفيلا مُسلسلة (2)

(عُثر على هَذا المخطوط الطويل المَطوي من أربَعمائة رقَاقة جَافة في حَاوية غَريبة الشكل، مَصنُوعة من مَعدن مَتين غَير مَعروف في أقَاصِي القُطب الشَمالي بِواسطة أحد رجالات البَحر المَعرُوفين في الخِلجان الآسيوية، والتي تَسرد حَكايات عجيبة عن الرّحَالة العَربي الأسطوري “شُويْخ بِن قَبْلان” البَغدادي الفِسْطَاطي الذي ارْتَحَل تِسَعة أعْشار أراضي الدُنيا واخْتَفى دون أثر قُرابة القَرن الثَامن مِيلادي في رِحْلة إلى جِبال الشُموع النَافِقة قُرب بلاد الغَالْ)

الخَرَس والكَبْت والغِوَاية

لَما بقَيت في بِلاد الشَاحبين – الذين يُصرون أنها ليست على “الأرض”  – من أعوامهم الكُبرى اثنين، بما يأتي في تَقويمنا بِقُرابة الأرْبَعة، كُنت قد قَضَيت من مَجمُوعهم شَهرين في سِجن مَدفون من سُجون الحَاكم (المُربّع)؛ ولما لاقوا مِني الصَمت، والخُنوع، والرضا. أطلقوا سَرَاحي في فَجر يوم بارد. خَرجْت إلى سَاحة كَبيرة تُقابل أسوار السِجن المَعدنية ذات الأبراج، والقباب. فوجدت الجميلة (واهية) في انتظاري ومعها صبي شاحب يحمل صُرة قماشية بها رداء نظيف، وخبز، وتُفاح.

ابتَسَمت لها فَشَعرت بِجلد وَجهي يَتَمزّق..يبدو أن كَثرة عُبوسي، وصَمْتى قد كَسِيا وجهي بطبَقة يابسة..اقتربت مِني الجَميلة تتهادى بِسَاقين طويلتين أحَكَمت حولهما سروال حريري شّف بِللّورِ جَسدها، والصَبي يتبعها يُبادلني النَظرات الخجولة..

قالت وهي تحتضن كفي الجاف:

  • أنا أعلم أن السَجن شاق..ولكن لَم أتَخيل أن يَعبَس وجْهُك، ويجِفّ، ويَخبو اصرارك..هّون عليك..هيا..

حَاولت أن اُسرع الخُطا وارافقها لَكن ساقاي ارتَعشَتا وكِدت أهوي..تعَثّرت وسَقَطت قُرب حِذائها الذَهبَي الدَقيق، فَهمّت تُساعدني وهي تَشْهَق في فَزع…شَعرت بالرِثَاء لِنفسي ووجَدت الدمع يُصر عَلى النُزول من عيَناي..فَدَفعت يَدها الممدودة  بالعون في جفاء و أنا أدْفن رأسي بين رًكبتاي..ثم جاء السيل من عَينياي يُغرق جسدي..ودار رأسي حتى انسحب وعيي ببطء.

لَما استَفَقت وجَدتني مُستلقٍ على فِراش ليّن، والرؤى من حَولي باَهتة..بعد بُرهة فَطنت أن ما حول الفراش مَعزُول عَن الغُرفة بستار وَردي شَفاف…لمَحت الأجساد المُبهمة كأشباح تَروح، وتجئ في الغُرفة ..الأغْرب كان الصَمت..الصَمت كأنني قد أصبت بالصمم وكل ما حَولي صَاخب، ولكنني لا أسمعه..خُيل إلي أن ثِقَل جَسدي يَخف..وشبح له حنايا امرأة يَقترب من الستار، هنا عاد السَمع بَغتة ومَيزت ضوضاء ولغط نساء مُتصاعد مَرح النبرة كالمُزاح..انكشف الستار وتَبّدت لى أنثى رقيقة سمراء لامعة الجلد، فُتح ثَوبها القَصير فَكَشف خَبيِئتها وعُقِص شَعرها الطَويل فوق رأسها بطوق أبيض ضَم الخصُلات في قوة..أطلّ على من تحته وجه مُثلث جميل صَغير تُزينه عينان مُتسعتان وثَغر دَقيق تَعض أسنانه العُليا البَيضاء شِفّته السفلي في خَجل..تَطّلعت تُراقبني بفضول مُتردد كَمَن يرى كَائن برّي نادر..أجْفَلت وحَاولت النهوض ولكن العافية فرّت من جسدي فألقيت بِظهري ثَانية على الفِراش..هنا أشارت الفتاة لأحدهم وهي تَقَول في همس ضاحك:

  • نادو (واهية) لقد عاد لوعيه..عاد ..أنظروا

هُنا توافد إلى ما حول الفراش ما يزيد عن سَبعة فَتيات كُلهن مِن ذات أرض الجَمال التي وُلدت فيها (واهية) ..مَا أرْبَك أحشائي أن كُلهن كُن يَقِفن بِلا حَياء ولا خَجل بأثواب قَصيرة، مَفتوحة يُطلّ مِنها ما تَيسّر في عَشَوائية من اسْتِدارة أثدائهن، وما بين سيقانهن الحليق في وداعة..نَكست عيناي في وجل وقلبي يَخفق؛ فَضَحكن في صَفاء يَخلو من خَلاعة البَغايا..امتدت كَفْ دَقيقة الأصَابع وقَبضت على جِماع لحيتي الكثة ورفعتها نحوها..فرأيت وجه (واهية) المَلائكي النَقي يبتسم..أخذني نَقاء عينيها الفيروزيتان لوهلة ثم فطنت أنها تَرفل في ثَوب مَشْقوق يُشبه أثواب الفَراشات الرقيقات من حولي

  • ما لك في احراج يا (بشير)؟

سَألتني مُداعبة وهي تَبتسم بفرح وعيناها تَقِفَزان تَساؤلاً في عبث كالأطفال..ابتسمت وحدقت في الفتيات الضَاحكات وقلت بوَهَن وتردد:

  • ألا زلتِ في اصرارك على اسم (بشير)؟..(شويخ)..اسمى (شويخ) ..و..

قاطعتني وهي تجذب شعيرات لحيتي برفق:

  • لا تتهرب من الإجابة..لماذا جاءت الحُمرة لوجهك؟ هل تجد في أجسادنا ما يُنفر؟

انفردت ملامحي في ذعر من سوء الفهم فأجبتها بسرعة:

  • لا..لا..فَقط..أشعر بخجل من عُريكن..من حيث أتيت تتوارى النساء ولا ينكشفن إلا على أزواجهن..أو….أو لو كُن..

عبست ملامحها ومالت برأسها للأمام في سؤال صامت..

  • أقـ ..أقصد البغايا و الزواني..

علا هدير الضحكات من حولى كمن ألقى بمُزحة، أو طرفة ..فتوترت أمعائي ولم أنطق..جلست (واهية) على طرف الفراش جواري واضعة عَجِيزتها المَشدودة النافرة قُرب صَدري فَانكشفت خبايا جَسدها المخملي الذي هّب منه نسيم عطر نحوي..وقالت شارحة كمن تُحدث طفلاً:

  • يا (بشير)..دعني أشرح لك حيث أنك أعمى  وأنت بعينيك نور..قديماً عاش أجدادنا الأولين في أرضنا..أرض اللامعين.. في كبت يقوضهم ألا يتمتعوا بأجساد بعضهم البعض إلا بشرطين يميزان العاقل من العجم..أن يعرف الناس جميعاً أن فلانة ينكحها فلان.. وأن يأويها ويحسن إليها..ثم بعد بعد مرور زمن..صار الشرطين ثلاثة..أن يُهدي الرجل قوم المرأة هدايا..ثم أصبحت هدايا ومال..ثم صار الحُكام يُخضعون الأراضي إلى بيوت أموالهم..فصَار المأوى عسيرا..فبدأ الناس يتمتعون ببعضهم البعض في الخلاء..فشاعت الشائعات أن الناس لن يعلموا ..فلا شهود فهذا مُحرم بأمر رباني..ثم انتشر جند مخصصون من قِبل الحاكم يفتشون عن مُمارسي المُتعة فيسجنوهم..أو يُشهدون الناس فيقترنوا..لكنهم لا يتمكنون من ممارسة مُتعتهم لأن المأوى معدوم..وتراكمت الهموم وصار المال عسير..والمأوى عسير ..والمتعة لمّا شحَت..فسدت نفوس الخلق..فطفقوا الرجال الضعفاء التَحّمل يسيرون في الأسواق جوعى للشهوة كالضباع..يتحسسون النساء..والنساء في خلقهن عادة يقدرن أن يُخفين ما يشتهن بحزم..فصرن هن الاضعف..واختبأن في أثواب غلاظ سُود تخفي جمالهن وفطرة اجسادهن..خوفاً من دَهس الرجال ومن عار البغي..لأن بالطبع اتفقن بعضهن على بيع المُتعة بالمال دون التزام أو اشهار..فكان في هذا ما يُسمى البغاء الذي صار مخافاً أكثر من غضبة الإله..ثم مع الوقت صار الخوف في الرجال من النساء يأتي من خوف الرجال من العذاب..مع أن الأمر في أوله تبسيط ولا تعقيد فبدأ جيل من الناس في تبسيط المُعقد..أعادوا الأمر إلى أصله كي ينصلح الحال المعوّج..ومع مرور الزمن  لم تعد المُتعة عذاباً كما عند الآخرين..صارت الأجساد تُستر وقتما تُستر ، وتُعرى وقتما تُعرى..ولا اشتهاء عجم ولا عار بغاء..صار الوِفَاق أهم..وإن لم يَكن..صار سهلاً أن تتمتع مع أي روح ترغب في تبادل الحياة معك..وبرغم ذلك..نحن عاريات اليوم احتفالاً بحريتك…وليس لمُضاجعتك يا مأفون..أنت فقط الذي ترى بعين مَكبوتة..الرجال هنا ثاروا من الظلم..وليس من الكبت كما ثار الشَاحبين الذين يُفكرون مثلما يفكر النَاس في بلادك..و يَبدو أن قومك ايضاً مَكبوتين يُدارون أعينهم عن الفطرة في مُقابل المادة والأعراف الخرقاء..اللامعين تخلصوا من قيود الكبت يا (بشير)..دعني ابّسِط لك الأمر أكثر…هل أعجبك ؟ أنا كأنثى…أنظر..

وقامت تَخلع ثوَبها الشَفاف فَصارت كَيَوم وَلدتها أمها..وقالت لي وهي تميل خصرها لأسفل في دلال:

  • انظر لجَسدي يا بشير…أنظر !

احجمت وانا في صَدمة تَهزّ رأسي قليلاً..فجاءني كفها يُرغم عيناي على النظر..بينما الفتيات صمتن في وجل ووقفن يتأملن الموقف في فضول مُبتسم..رفعت عيناي رُغما عني وأنا أتأمل الجسد المَنْحوت في شَهوة خَجَلت نفسي مِنها..فقالت مُبتسمة :

  • أنا أرغب فيك…فأجبني..هل ترغب في؟

فقلت بيأس دفين :

  • نعم..نعم أرغب فيكي..ولكن…

هُنا تَحرّكن جميعاً في آلية وتَركن مُحيط الفِراش واحدة تِلو الأخرى ووقَفْن غَير بعيدات وأمْسَكت كًل واحدة منهن دُفاً كَبير الاطار، وتأهبن كَمن أوشك على الدَقّ في عُرس اقتربت مني (واهية) وهي تَبتسم في خجل أصِيل وهي تُداري فَمها بَكفها وقالت ببساطة وصوت عالٍ رنان:

  • ها هُن الفتيات يَشهدن..ونَلتزم بِبعضنا البَعض حَتى نَتفق ألا نَتفّق…أليَست تلك البدايات؟

نَهضت وأنا بِداخلي شُعور كَاسح بالتَحرُر..وكأن طناً من السَلاَسِل قَد سَقط من على جَسدي وشَعرت كأن نُور دافئ يُنير خَلايا دِماغي..كَيف كَان الأمر يُقوضني والذنب يأكلني و الجَمَال يهجرني ..؟ كَيف على أرضنا قَوانين ظَننّا أنها إلهيّة وهُي دُنْيوية…كَيف سَاقَتنا المَادة والمَال للكَبت كَالأجداد في في كوكب (ط)..

يُتبع

 

(Visited 830 times, 1 visits today)
عن الكاتب
جمال النشار
كاتب ومؤلف مصري ..حاصل علي بكالوريوس في السياحة ودبلومة الادب الأنجليزي صدرت له اعمال ورقية قصصية ما بين الرواية والقصة القصيرة وشارك بعدة مقالات حرة و إبداعية بعدد من الجرائد الأليكترونية , حاصل على جائزة القصة القصيرة من المجلس الأعلي للجامعات عام 2004\2005
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق