الآن تقرأ
محمد إسحاق يكتب: خرافات المسلمين الكبرى .. الأحلام

يستقيظ من نومه شاردا، يفتح كتاب تفسير الأحلام الذي لا يفارق الطاولة الملاصقة لسريره، وينهمك في البحث عن تفسير ما رآه بعينين نصف مغمضتين…

يمتلئ التراث في العادة بالخرافات، كل ما لم تره العين البشرية يساعدها العقل في تخيله وإدراكه وفهمه، وكثيرا ما يعتري العقل شططا فتلقي به الأوهام إلى هاوية سحيقة قد لا يكون لها نهاية.

والتراث الإسلامي لا يخلو من هذه الخرافات والاعتقادات الخاطئة التي وصلت إلينا بتفسيرات مغلوطة ووضع للأمور في غير مواضعها.

وأعتبر هذه بداية لسلسلة أعزم على استكمالها التقط فيها أهم الخرافات والإعتقادات المتداولة بين المسلمين في زماننا هذا، وسأناقش هنا خرافة الأحلام.

دعونا نتفق أولا على قاعدة واحدة ألا وهي: أن هناك نوعان من العلم، علم ينبني عليه عمل، والآخر لا ينبني عليه عمل.

أما الأول فهو كعلوم الفقه والتزكية ومعظم الحديث، وأما الثاني فهو كتأويل الرؤى وأحاديث نهاية الزمان وكل ما يندرج تحت الغيبيات بشكل عام.

وهذا يعني أننا لا ننكر الأحلام ولا الغيب ولا علامات الساعة وقيامها وعذاب القبر، وإن إنكارها في الحقيقة هو الجنون واللاعقلانية في أوضح صورها، وإنما يعني أنه علم نؤمن به غير أنه لا يوجه سلوكنا وتصرفاتنا ولا يدعم اختياراتنا ولا يوجهنا لاختيارات معينة، إنه في الحقيقة إيمان بعجزنا وبأننا لا نستطيع فهم الحقيقة بشكل كامل مهما أجهدنا أنفسنا في هذا الأمر فسيظل هناك جزء من الحقيقة مخفي بأيد العناية الإلهية.

ومن هذه القاعدة ننطلق…

يتناول فطوره وعقله لا يتركه لحاله، يلح عليه بأن عليه أن يصنع شيئا ما كي يمنع هذا الحلم الذي رآه من الوقوع والتحقق بأي طريقة.

لم يستطع أن يكمل فطوره، قام ليتصل بزميل له اشتهر بتأويل الأحلام وعندما سمع صوته بدا وكأنه وجد ضالته التي كان يبحث عنها منذ سنين مضت وقال بصوت مبحوح: أرجوك ساعدني فسرلي الحلم ده ..

تنقسم الأحلام أو مايراه النائم في منامه إلى ثلاثة أقسام بحسب حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح في سنن ابن ماجه: عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : ” إِنَّ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ : مِنْهَا أَهَاوِيلُ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ بِهَا ابْنَ آدَمَ , وَمِنْهَا مَا يَهُمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ , وَمِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ “.

وهم:

1- حلم من الشيطان

2- أضغاث أحلام وحديث نفس

3- الرؤيا الصالحة

وإذا استبان لنا أن أول قسمين قيمتهما واضحة بحيث لا تحتاج إلى كثير نقاش، فسنختصر لنتكلم عن الرؤيا الصالحة مباشرة، وهي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم ” لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ ، قَالُوا : وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ ؟ ، قَالَ : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ “، وهو حديث مروي عن أبي هريرة في صحيح البخاري.

فحتى الرؤيا الصالحة لا ينبني عليها عمل، ولا يجب أن يتعلق بها المسلم حيث أنها فقط تنحصر في كونها مبشرات أو منذرات، ولكنها لا تقطع بأفضلية فعل عن فعل أو ترك عن ترك، فبطريقة أخرى لا يجب علينا أن نترك أمرا بناءا على تفسير أخبرنا به أحدهم، أو نقدم على أمر بناءا على تفسير أخبرنا به آخر، وإنما أن نتلمس مراد الله في أمورنا من خلال إشاراته.

فالمفسر قد يخطئ، وإذا كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه قد أخطأ في تفسير رؤيا، فكيف بمن دونه ؟

ففي الصحيحين عن ابن عباس – رضي الله عنهما –  أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه رؤيا، فطلب أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ أن يعبرها، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بعد ذلك: بأبي أنت أصبت أم أخطأت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضا وأخطأت بعضا، قال: فوالله يا رسول الله؛ لتحدثني بالذي أخطأت، قال: لا تقسم.

فأخطأ سيدنا أبو بكر – رضي الله عنه – في تأويل بعض الرؤيا، ونبهه النبي صلى الله عليه وسلم لذلك.

هل تقع الرؤيا بمجرد تفسيرها ؟

المفاجئ في هذا الأمر أن كل الأحاديث الواردة في وقوع الرؤى كما جاءت أو فسرت ضعيفة !، ولم يرد إلا حديث حسّنه ابن حجر في فتح الباري ورواه الترمذي عَنْ أَبِى رَزِينٍ العُقيلي قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ ) قَالَ : وَأَحْسِبُهُ قَالَ : ( وَلاَ يَقُصُّهَا إِلاَّ عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ ).

ومعناه أن الرؤيا يقع تعبيرها إذا عبَرها من أصاب، لا من أخطأ.

ويؤكد على ذلك الحديث الذي ذكرناه سابقا عن خطأ أبوبكر – رضي الله عنه – في التفسير والذي ذكره البخاري رحمه الله في باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب.

ولكن المؤكد أيضا أننا لن نعلم من أصاب ومن أخطأ في التعبير بشكل يقيني نهائي، وبالتالي نصل لنفس النتيجة من أنه لا ينبني عليه عمل.

ومما يؤكد على هذا الأمر أيضا تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث صحيح على عدم الإخبار بالرؤى إلا لمن نحب أو لعالم أو ناصح، وعدم الإخبار الأحلام السيئة وتجاهلها.

فقد قال – صلى الله عليه وسلم – : ( الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب ) رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحاً أو عالماً ) رواه أحمد.

وقال – صلى الله عليه وسلم – : ( وإن رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثاً ، وليتعوّذ بالله من شر الشيطان وشرها ، ولا يحدث بها أحداً ؛ فإنها لن تضره ) رواه البخاري ومسلم

أيضا من المهم ذكر أن الرؤى لم يرد ذكر أحكامها في القرآن، وإنما ذكرت في سياق قصص للأنبياء وتحديدا في 6 مواضع فقط، وبعدد سبع رؤى فقط، ولم ينبني على أي واحدة منها عمل في سياق قصصها، اللهم إلا في قصة سيدنا إبراهيم مع سيدنا إسماعيل عليهما السلام وقدر الله ألا تتم كرؤية إبراهيم عليه السلام وما كانت إلا إختبارا له…

فسر له صديقه الشهير بتفسير الأحلام حلمه، ونصحه بأنه يكلم هذا الشيخ الفصيح الشهير الذي يطل علينا من القناة الفضائية كي يفسر الأحلام على الهواء مباشرة لأشخاص لا يعرف عنهم أي شئ، إلا نبرة أصواتهم التي يسمعها لأول مرة عبر الهاتف.

ولم يكذب صديقنا خبرا، فانطلق سريعا  ليعرف معاد برنامجه وأرقام هاتف البرنامج.

صديقنا لا يعرف أنه الله حباه نعمة الاختيار، يريد أن يتناسى هذه النعمة ويبحث عن شماعة يلقي عليها تبعات اختيارته…

الأكثر قبحا أن يتم استخدام خرافة الأحلام من أجل المتاجرة بأحلام الجهلاء، وإيهامهم بأن شخص لا يعرف عنهم أي شئ في برنامج تليفزيوني قد يفسر لهم أحلامهم ويقرر لهم ماذا يختارون، وهم يتصلون وتزداد الاتصالات والإعلانات بالتبعية والمكاسب بالطبع.

ويبقى جهلاء جهلاء، والفقراء فقراء، ويزداد الأغنياء غنى والطغاة طغيانا.

ربما أيضا لا يتسع المجال للحديث عن كم الجرائم والمصائب التاريخية التي ارتكبت بسبب وهم وخرافات الأحلام، ولكني أدعوكم للبحث في هذا الأمر، وإذا أردنا الإشارة إلى مثال معاصر، فما السيسي عنا ببعيد…

الخلاصة:

الأحلام والرؤى لا ينبني عليها عمل للأسباب الآتية:

1- قد يخطئ المفسر ويكون تفسيرنا غير دقيق.

2- الرؤيا لا يشترط أن تقع بالتفسير.

3- لم ترد الرؤى في القرآن كأمر اعتمد عليه فعل، ناهيك عن أنها لم تذكر إلا في 6 مواضع فقط.

عن الكاتب
محمد اسحاق
1التعليقات
  • أحمد بديع
    12 أبريل، 2016 at 10:20 ص

    الموقع بدأ يتيح لأشباه المثقفين باعتلاء منبر الحديث. أولاً، دعنا لا نتفق على قاعدتك، فالعلوم الشرعية لا تنقسم لعلمٍ “ينبني” – خاطئة لُغة والصحيح “يُبنى”- عليه عمل، وعلمٍ لا “ينبني” عليه عمل. فالعلوم الشرعية أقسامها واسعة وواضحة، وليست هذه طريقة بأي شكل لتقسيمها. وإنما الأقرب لمفهوم ما كتبتَ هو “العلوم العقائدية” وتختص بالغيبيات (ومنها القضاء والقدر وصفات الله ووجوده والملائكة وغيرها) والعلوم التشريعية أو الفقهية، وهي تختص بالحلال والحرام وفقه العلاقات والمعاملات. وكل الشرع يُبنى عليه العمل، فلا صلاة لمن لا يعتقد بصفات الله وبوجوده (وهما من الغيبيات). أذنبنا حين اعتقدنا أن الشرع الإسلامي علمه سهل وبسيط. آخر مقال أرد عليه 🙂

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق