الآن تقرأ
مأساة السيد بلال

“أن تكون مسنودًا في مصر أو لا تكون.. تلك هي المشكلة”، عبارة كتبتها عقب محرقة مسرح بني سويف عام 2005 والتي راح فيها نخبة من خيرة شباب مصر، وجدت نفسي أرددها وأنا أشاهد على موقع اليوتيوب فيديو شديد الإيلام لآثار التعذيب الموجودة على جسد الشاب السكندري السيد بلال، الذي يقول أهله في بلاغ قدموه للنيابة العامة أنه لقى مصرعه خلال انتزاع ضابط بأمن الدولة لاعترافات منه حول دوره في تفجير كنيسة القديسين.

هل تسأل الآن أجهزة الدولة نفسها: ما الذي دفع أهل ذلك الشاب الذي وصفته الصحف بـ “السلفي” لتصوير ذلك الفيديو المؤلم، قبل أن يقوموا بدفنه بسرعة بناء على أوامر أمنية؟، هذه ليست عادة المصريين، ليست طباعهم، فهم أناس يقدسون الموت ويمنحون الميت حصانة فائقة، بالتأكيد أيضًا لم يكن أهل الشاب السكندري خالد سعيد سعداء أبدًا بانتشار صورة جسده مشوهًا على الإنترنت، سواء كانت صورة لآثار الاعتداء الذي تلقاه، أو صورة لآثار التشريح كما قالت الداخلية. الإجابة أن أهل الشاب السلفي خشوا على لبنهم المصير الذي لقيه خالد سعيد، أعني مصير أن يتم تشويه سيرة ابنهم لإنقاذ رجل شرطة من العقاب، كل الناس الآن يسألون: طيب خالد سعيد وقالوا أنه ابتلع لفافة بانجو، هيقولوا إيه عن الراجل الملتحي ده؟ ، هل سيقولون أنه ابتلع لحيته ومات بسبب ذلك؟. يبدو السؤال جارحًا، لكنه للأسف صادق ومرير.

كلا القضيتين الآن أمام القضاء العادل، ونحن نثق في أن الله عز وجل سيظهر الحقيقة وسينعم على أهل الفقيدين براحة توقيع العقاب على الظلمة، لكن ذلك لا ينبغي أن يمنعنا من مناقشة تفاصيل خطيرة لا تتعلق بصلب مايحقق فيه القضاء في قضية السيد بلال، أتحدث عن تفصيلة نشرها موقع الدستور الأصلي، تقول أن المرحوم السيد بلال ذهب إلى مقر مباحث أمن الدولة بالإسكندرية وهو يحمل بطانية وقال لصديق له قابله قبل دخول المقر أن ضابط أمن الدولة استدعاه وقال له أنه لابد أن يأتي لكي يبيت في الحجز يومين حتى ينتهي القلق الذي تشهده الإسكندرية في ليلة عيد الميلاد، هذه التفصيلة بالتحديد هي أكثر ما آلمني في الموضوع كله، هناك يا ناس يا هوه مواطن مصري تنازل عن حقوقه القانونية والآدمية طوعًا لا كرهًا، هذا المواطن حتى لو قالوا أنه تم سجنه لمدة عامين في قضية ما لم يتم إعلان تفاصيلها، لم يفكر للحظة في أنه حتى عتاة المجرمين لديهم حقوق قانونية، لابد أن يطالبوا بها، ولذلك بمجرد أن استدعاه الضابط بالتليفون حمل بطانية وذهب إليه، دون أن يعترض أو يسأله عن إذن النيابة، أو يطلب منه الحضور بصحبة محامي، لم يفعل شيئا من ذلك كله، لأنه يعلم أن كل كلمة سينطقها سيكون لها ثمنا باهظا، ولذلك ودع زوجته و إبنه وأهله وحمل البطانية وذهب ليلاقي حتفه.

ببساطة لو كان هذا الشاب ابن أحد من المسؤولين المتنفذين، أو رجال الأعمال الواصلين أو علية القوم أو حاشية علية القوم، وكان معتنقا لأفكار سلفية أو حتى جهادية، هل كان سيجرؤ الضابط على إحضاره إلى مقر المباحث بهذه الصورة، أم أنه كان سيبذل مجهودًا لكي يقوم باحتجازه بشكل قانوني بعد توفر إثباتات تدينه وتقف في وجه الضغوط العاتية التي ستسعى للإفراج عنه فيما بعد، ولماذا لا يتم بذل نفس المجهود عندما يتعلق الأمر بواحد من أبناء غير المسنودين. بالطبع لا أتصور أن الضابط الذي قام باستدعاء السيد بلال كان يتصور أن صحته ستتدهور أثناء محاولة انتزاع الاعترافات منه، ربما لأنه قام بعمليات مماثلة قبل ذلك وكانت تمر دائمًا على خير، لكنه بالتأكيد كان يعرف أنه يتعامل مع مواطن لن يصرخ طلبًا لحقوقه، وكان يعرف أنه يتمتع بسلطات مطلقة بحكم حالة الطوارئ، التي مكنته من اعتقال السيد بلال، ولكنها لم تمنع تفجير كنيسة الإسكندرية، باختصار وعلى عكس مايظن البعض ليست المسألة أن السيد بلال سلفي ولذلك ليست له حقوق، بل المسألة أن السيد بلال مواطن غير مسنود ولذلك ليست له حقوق.

في نهاية المقال الذي كتبته عن محرقة بني سويف قبل سنوات كتبت فقرة هي للأسف الشديد صالحة لختام هذا المقال كأنها مكتوبة له خصيصًا “السؤال الحقيقي ليس لماذا حدث ماحدث فكلنا سنتحدث كثيرًا عن الإهمال والشموع والمواد القابلة للاشتعال وستتوه الحقيقة في التفاصيل كالعادة، السؤال الحقيقي الذي لايجب أن يتوه هل يمكن أن يحدث ماحدث لأي من علية القوم أو الأثرياء أو المبسوطين أو المسنودين؟، بالطبع لا لن يحدث ذلك لأن لهؤلاء جميعًا دية وحياتهم تستحق ألف اهتمام ومليون احتياط ومليار إجراء سلامة. أن تكون مسنودًا في مصر أو لا تكون. تلك هي المشكلة”.

اللهم ارحم السيد بلال، وأظهر الحق من عندك قادر ياكريم.

نشر هذا المقال في المصري اليوم عدد 10 يناير 2011

عن الكاتب
بلال فضل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق