الآن تقرأ
محمد خان: أفلام بدأت صدفة

عند بدء الحديث عن سينما محمد خان يقفز إلى أذهاننا دائماً عشقه التفاصيل، هذه هي التيمة الواضحة لسينما محمد خان، فكل أفلامه محملة بقدر هائل من التفاصيلا لصغيرة الجميلة التي عادة تعبر عن شخصيات أبطاله، فلا تبدأ أفلام محمد خان بصوت يروي مقدمة تتعرف منها على الشخصيات كما يحدث بالفعل في بعض الأفلام بل تكتشف انت الشخصيات من خلال إستخدام خان للصورة، ففي فيلم طائر على الطريق يظهر حب فارس بل عشقه لسيارته في الكادرات الطويلة له مع السيارة، وتظهر روعة فارس كصديق في فيلم الحريف في ذلك المشهد له مع عبدلله، وفي فيلم أحلام هند وكاميليا أيضاً في مشاهد مثل مشهد كاميليا وهي تنظر لنفسها في المرآة كما لو انها تواجه نفسها في أسى مدركة واقعها ربما لأول مرة ليعبّر بهذا المشهد الصامت عن صراعها الداخلي، وتتوالى الأمثلة كثيرة فسينما محمد خان محملة بقدر هائل من التفاصيل والرمزيات التي تتجلى فيها روعة السينما كتعبير بصري عن شعور الإنسان، فتقل مساحة السيناريو والحوار وتتمتع عينك قبل اذنك بالفيلم. اما في مقالي هذا سأتناول سينما محمد خان من حيث الصدف، فمعظم أبطال قصصه بدأوا مشوار حياتهم أي قصة الفيلم بحدث لم يكن من المقدر له أن يحدث وكأن في صدف الحياة ملاذ به يمكنك أن تقلب حياتك رأساً على عقب.

تتجلى هذه التيمة في فيلم “خرج ولم يعد” فلم يكن من المقدر لعطيّة ان يغادر المدينة من الأساس بل غادر مغصوباً تحت ضغط من عائلة خطيبته –التي لم يحبها على الإطلاق بالمناسبة- وهناك لم يكن من المفترض أن يمكث لأكثر من يومين او ثلاثة على حد اقصى يدبر فيهما أمور بيع الأرض ثم يعود إلى بيته منتظراً أن يجلب له السمسار المسئول عن تشغيل ارضه المال كما يجلب له عائد الأرض كل شهر. ولكن تشاء الصدف ان يمكث عطية في قرية العزيزية متأثراً بحادث ليجد كل شئ لطالما بحث عنه او لم يبحث، فهناك يكتشف انه إنسان بحق، قادر على الحب، قادر على الإبداع، قادر على التفوق وقادر على الإستمتاع والتلذذ بالحياة بعد ان كان شخص ميّت حيّ لا يجد مشكلة في إنتظار وظيفة لمدة عشرون عاماً مبرراً أنهم “هيمروا هوا”! كل هذا كانت بدايته صدفة بل صدفة تعيسة اصلاً تماماً كحياة عطيّة، ولكن خلقت تلك الصدفة لعطيّة مناخ كان قادراً فيه على ان يتغير تماماً ليعود في النهاية لمسقط رأس تلك الصدفة بعد ان كان على وشك التخلي عن الحلم وكأنما يعود لنفسه الجديدة هاجراً عطية القديم تماماً وإلى الأبد.

أيضاً في فيلم “طائر على الطريق” لم يكن من المقدرّ لفارس أن يقل فوزية وزوجها في المقام الأول، فربما كان ليستمر فارس في طريقه مع عصمت فيضطر الاسطى ان يذهب بنفسه وتنتهي القصة عند هذه اللقطة، ربما كان فارس ليرفض المشوار فيضطر الاسطى إلى طلب شخص آخر، في العالم الحقيقي لم يكن ليتقابل فارس وفوزية إطلاقاً، لكن سحر السينما جعلمهما يتقابلا، ومن خلال هذه الصدفة اختبر فارس إحساس لم يستطع تفسيره، عن طريق تلك الصدفة تنازل فارس للمرة الأولى عن الطريق كبيت وكان مستعد تماماً ان يستقر، لن يستقر فارس في النهاية ولكن تلك الصدفة، الحدث المخترق لطبيعة الكون الرتيبة كان بمثابة حدث إخترق اسلوب حياة فارس نفسه، مات فارس في نهاية الفيلم غير نادم على شئ بفضل هذه الصدفة، فبسببها اختبر فارس شعور يبحث عنه الجميع بل يموت بعضهم دون ان يدركه.

في فيلممشوار عمرتظهر أيضاً تلك التيمة بوضوح في عمر الذي ترك بلدته متجهاً في طريقه لبورسعيد لتوصيل بضاعة والده، هذه كانت الخطة، حتى وإن توقف برهة لإمداد سيارته بالبنزين ففي نفس الوقت لم يكن من المفترض ان يقابل عمر الحرفي ولا ان يتعرضا لمحاولة قتل سوياً، ولم يكن من المفترض ان يجدا سماح، حدث كل ذلك بمحض الصدفة البحتة، تقابل ثلاثة عوالم مختلفة تماماً، عالم الحرفي الساذج المقتصر على تلك الغرفة التي يمكث فيها وغيط والده، لعالم العاهرة نجاح التي ذاقت متاع الدنيا ولكن لسبب ما إنتهى بها المطاف في الجزء البائس من العالم،  إلى رجل الأعمال الثري عمر الذي تتمحور حياته حول إنه يملك الكثير جداً من المال ولكنه فارغ نفسياً، يتقابلا في مشوار واحد لم يكن مقدر له ان يحدث، حتى وإن قُدر لهم ان يتقابلا فلم يكن من المفترض ان يطول هذا المشوار لتصبح قصة عمر ومشوار حياة، لعل تلك القصة هي ما سيخبرها كلاً منهم لأولاده من بعده فلسبب ما كوّن هذا المشوار معالم شخصياتهم المستقبلية، فآمن عمر الحرفي الساذج بالأحلام مرة أخرى، ونزل عمر الثري من سيارته أخيراً ليقابل البشر لأول مرة في حياته بدلاً من أن ينظر لهم من خلف زجاج سيارته عاري تماماً من اي توقعات سابقة.

في فيلم “في شقة مصر الجديدة” -الذي سأختم به مقالي- لم تكن نجوى جميلة بالمعنى السائد لكلمة جميلة، لم ترتدِ أحدث الموضات، لم تضع مساحيق تجميل إطلاقاً، كانت لديها تلك الإطلالة العادية ولكن بشكل ما كانت تبدو جميلة جدا بذلك الفرق في منتصف شعرها وتلك الخصلة التي تنساب على وجهها من وقت لآخر لتُسرع لتخفيها خلف أذنها، وكطفلة ريفية ساذجة تغريها أضواء المدينة جاءت نجوى من ألمنيا للقاهرة لتبحث عن أبلة تهاني التي لا تمثل في هذا الفيلم سوى الحب ذاته.

لم يكن من المقدر لنجوى ان تلتقِ بيحيى، فمقابلة شاب من المدينة منفتح ذهنياً من الوارد جداً ان يسخر منها ومن لهجتها هو اخر شئ تريده هي، فقط تريد ان تجد أبلة تهاني لتطمئن على سلامتها فقط، نعم كانت نجوى بتلك الطيبة الساذجة، فتقودها الأدلة أخيراً لشقة أبلة تهاني التي يعيش بها يحيى حالياً فتبدأ القصة في تلك اللحظة، لم يكن من المفترض ان يتلاقيا، يحيى ونجوى إثنان من عوالم مختلفة اساساً، مثلهم مثلعطية وخوخةوفارس وفوزية، وعمروكلاً مننجاح  وعمر الآخر، كلهم لم يكن من المقدر ان يتقابلا، لم يكن من المفترض ان يحدث ذلك اللقاء، ولكنه يحدث ويحدث معه السحر على اي حال.  فالحب والصداقة شأنهما شأن الصدف، إحساس ساحر تماماً يأتيك ليخترق رتابة عالمك بشئ في منتهى الجمال.

في الأربعة أفلام المذكورةوأفلام خانيّة أخرى لن أذكرها حتى لا أطيل عليكمكانت الصدفة هي الجامعة للأبطال، والصدفة هي مفتاح بداية القصة، والصدفة هي أيضاً بداية كل السحر، من البحث عن الراحة في خرج ولم يعد للبحث عن الأمان في طائر على الطريق إلى البحث عن الحب في شقة مصر الجديدة وأخيراً البحث عن الذات في مشوار عمر نجد أن الصدفة لعبت دوراً كبيراً في كون الأبطال اختبروا ما اختبروا، ومروا بما مروا ولولا ان الصدفة جمعت الأبطال سوياً وكسرت رتابة الزمن لما حدث الفيلم من البداية، قد أظهر بشكل ساذج الآن، وربما يكون ردك أن الأفلام العالمية قبل المصرية تحدث فيها الصدف بشكل او بآخر فهي مفتاح بداية اي قصة، قد أتفق ولكن في صدف شخصيات خان شئ ساحر يجعلك تريد ان تختبر ما اختبروا، من منا لا يريد ان يهجر المدينة ويسكن الريف مثل عطية في رحلة للبحث عن النقاء؟ من منا لم يحلم بصدفة مثل تلك التي جمعت يحيى ونجوى في شوارع مصر الجديدة؟ العالم في حاجة لمزيد من هذه الصدف، لم تكن ابداً صدف شخصيات محمد خان مفتعلة بل جاءت بشكل ملهم تماماً كسينما محمد خان بشكل عام.

عادة يهدي محمد خان افلامه إلى فنانين هذا الزمان او الزمان الماضي، فأهدى فيلم زوجة رجل مهم لصوت عبد الحليم، وأهدى فيلم فتاة المصنع للجميلة سعاد حسني وأهدى فيلم الثأر للقاهرة وسكانها وأهدى فيلم موعد على العشاء لنوال نفسها بطلة الفيلم وأهدى فيلم في شقة مصر الجديدة لصوت ليلى مراد العذب، وإسوة به أهدي هذا المقال لكل قصص الحب التي كانت الصدفة نقطة إنطلاقها، وكل قصص الحب المحتملة التي في حاجة لصدفة تفجرها، إلى الصدف الجميلة أينما كانت، إلى محمد خان نفسه الذي أعطى جمالاً ولم يبخل الذي أهدى وأفنى حياته بالكامل في سبيل الفن، شكراً محمد خان على كل مرة ولو بمشهد بسيط  جعلتنيشخصيّاًأعود لأؤمن بأشياء مثل الحب والصداقة والصدف الجميلة، إهداء إلى محمد خان..سفير الجمال في السينما المصريّة.  

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق