الآن تقرأ
التغلغل الإسرائيلي في إثيوبيا ، والضغوط على دول حوض النيل 2 / 2

 كنا قد تناولنا في الجزء الأول من المقال قضية من القضايا الهامة ، وهي التغلغل الإسرائيلي في إثيوبيا ومدى الضغوط التي تمارس على دول حوض النيل ، وقد أوضحنا الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إثيوبيا ، أما في هذا الجزء الجديد سنتحدث عن انعكاسات الوجود الإسرائيلى بالمنطقة على قضية المياه .

        كنا قد أوضحنا في السابق أنه في عام 1979 كسر أنور السادات كل جدران السياسة الوقائية عندما أكد  لمناحم بيجن بأن مياه النيل سوف تصل إلى شمال سيناء وفورًا إلى صحراء النقب في مشروع  يبدأ من فارسكور والبته مرورًا بطريق بورسعيد حتى قناه السويس ومنها تنقل المياه لسيناء ، والنقب وتستقر في القدس ، ومن خلاله تحل معضلة توطين اليهود السوفيت في الضفة الغربية ، وعلى الفورعام 1980 أرسل الصهاينة وفدًا برئاسة المهندس اليشع كلي المختص في المياه الذي تفاوض مع وزارتي الرى والزراعة المصرية بخصوص مشروع الإصلاح الزراعي إلا أن تلك الخطوات ظلت حكايات وأماني وفشلت ، وسنوضح الأسباب التي أدت إلى الفشل والتي نذكر منها على سبيل المثال :

معارضة الشعب المصري لسياسة السادات المائية ، لاعتبارات أن مياه النيل مصرية وهو الاعتقاد الذي توارثه المصريون ، وأن مصر هبة النيل وهو مبدأ لا يمكن التنازل عنه.

عدم رضا دول حوض النيل عن السياسة المائية المصرية ، واعتبروا أن أى اختراق للمعاهدات والاتفاقيات واللقاءات المستمرة بين دول حوض النيل يعتبر متاجرة بمياه النيل ، ويعد بمثابة التخلي عن حلفاء الماء وعن حقوق الملكية ، وخروج مصرعن القانون الدولي طبقًا لقواعد معاهدة هلنسكي الصادرة عام 1966، التي تحرم تزويد الصهاينة بالماء من النيل إلا إذا أجمعت الدول النيلية ووافقت بالإجماع على تزويدها لأنها تقع خارج نطاق حوض النيل .

اعتبرت الدول العربية أن سياسة السادات تجاه الصهاينة هي تخلي مصر عن دورها القومي تجاه القضية الفلسطينية ، وفتح السادات على  نفسه أبواب المعارضة العربية   والإفريقية اللذين ينظران لذلك العمل على أنه اختلال في الأمن القومي العربي و الإقليمي.

       

      ولا شك أن خطوات أنور السادات دفعت دول حوض النيل لإعادة علاقاتها المائية و الإصرار على تأمين حاجاتهم من هذه المادة الحيوية ، وظهر هذا بوضوح أثر الخلاف المصري السوداني على مشروع السادات الذي سماه مشروع زمزم الجديد ، ومنهفي نظرهيرتوي المؤمنون المترددون على المسجد الأقصى ؛ تلك العين التي أبصر من خلالها السادات لمياه النيل أثناء سياسة الضغط التي مارستها الحكومة الأمريكية عليه شخصيًا .

      وقد أرهبته إثر قيامها بعمل عسكري ميداني في عدد من دول حوض النيل ، ومنها أوغندا وزمبابوي وزائير ، حيث أعدت قوات أطلقت عليها قوات فض المنازعات دربت خصيصًا على اقتحام المدن والمعسكرات وتدمير المنشآت السياسية والعسكرية والاقتصادية ومحاصرتها للتجمعات البشرية ؛ وقد ظهرت تلك العمليات على أرض الواقع إثر المناورة وعمليات الإنزال الجوي التي قامت بها تلك القوات المنطلقة من الأراضي الأوغندية .

     شارك الصهاينة في تلك الإجراءات وراقبوها بعناية لتيسير فتح الباب أمامهم حيث طالبوا بإعادة النظر في اتفاقية مياه النيل المعقودة بين أوغندا وإثيوبيا ، وبادر الصهاينة لإرسال وفد إلى الدولتين ضم عددًا من خبراء المياه حيث أوكلت لهم مهمة اقامة السدود لحجز المياه التي تخترق الهضبة الحبشية وخاصة نهر أبان الكبير استعدادًا لنقلها عبر أنابيب إلى فلسطين للاستفادة منها في رى الأراضي المتروكة ، والتي لم تكن مهيأة للاستيطان الصهيوني ، وقد تبنت تلك المشاريع المنظمات الصهيونية من حيث الإنفاق والتمويل ، وعلى رأسها منظمة ناحال الصهيونية.

       أما المهمة الثانية فتكمن في اقامة مشاريع زراعية استثمارية على أرض دول حوض النيل برأس مال يقدر بحوالي ثمانمائة (800) مليون دولار أمريكي ، وتصدير آلات زراعية ، و منتجات صناعية يرافقها عدد من الخبراء والفنيين على أثرها قامت الحكومة الإثيوبية بإنشاء عدد من المشاريع المائية ومنها : مشروع سد فنشا الذي يقوم على أحد روافد النيل الأزرق ، ومشروع الليبرد على نهر السوباط ، ومشروع سنت على أحد روافد نهر عطبره الذي يؤثر على إيراد النهر بمقدار نصف مليار متر مكعب ، كما أقيم مشروع خور الفاس الذي يؤثر على إيراد مصر المائي بمقدار أربعة ونصف مليار متر مكعب ، كما شاركت عدد من الدول العربية في المشاريع المائية الخاصة بإنشاء بعض السدود على روافد الأنهار التي تغذي نهر النيل، ظنًا منها أنها تدعم إثيوبيا والشعب الإثيوبي في إطار الدعم الاقتصادي ومحاربة الفقر والاستثمار في مجالي الزراعة والتجارة.

     وهذه المساهمة التي لم تتحسس الإضرار بالمصلحة المائية لبلدين عربيين هما السودان ومصر؛ تلك لخطوات تعتبر دون شك تحديًا خطيرًا لشعوب المنطقة الإفريقية والعربية ، ونجاحها يعني نجاح سياسة الحقبة الاستعمارية الفائتة ، كما أنها مؤشر خطير تتحقق من خلاله أسطورة بني صهيون حول شعب الله المختار الذي له الحق في أن يرث الأرض وما فيها ، وإن الأملاك من مال وثروات أخرى متروكة فلليهودي حق امتلاكها .

     أما الخطوة الأخرى المقرونة بالهجرة الصهيونية ، فعلي ظهر البواخر تتم التعبئة الفكرية ، حيث يردد المهاجر الأناشيد وأخص بالذكر منها:  نعود للوطن  وطننا إسرائيل .. إنه الآن صغير ولكنه سيكبر ويتسع سنبنيه بأيدينا هذه من الفرات إلى النيل.

      أما على المستوى الدولي فقد حشد الصهاينة كل الإمكانيات ، ووحدت الجهود السياسية الصهيونية ، إذ مارست سياسة الضغط على الدول التي لها مصالح في المنطقة ، مطالبة بأن تتبنى السياسة الصهيونية وتمريرها لكثير من الإجراءات الدعائية والترويج لها والإنفاق عليها بل وتطبيقها.

      لقد جنى الصهاينة كثيرًا من الامتيازات خاصة في إثيوبيا ، حيث تواجدوا في جزر مياه دهلك بالبحر الأحمر، كما حصلوا على اتفاق تعاون عسكري يتمتع الصهاينة فيه بخصوصية التدخل العسكري المباشر في حالة تهديد الملاحة في البحر الأحمر، أو وجود مخاطر أُخرى تُهدد مصالحها التجارية خاصة في قناة السويس ، كما تمكن الصهاينة من بناء قاعدة عسكرية في شمال إثيوبيا تحمل طابع السرية ، وذلك لردع أي تحرك مصري سوداني معاد لإثيوبيا بصوره مفاجئة .

      كما تصبح المنطقة في حوض النيل على هيئة قوس حماية من شرم الشيخ إلى جنوب مصر ووضع السد العالي كهدف عسكري ، إضافة إلى القواعد العسكرية المصرية المنتشرة على جانبي السد العالي ، ذلك الإجراء يدخل المنطقة ضمن دائرة المراقبة في وقت السلم ، بما فيها شمال السودان ، وبفضل تلك الإجراءات الصهيونية صنفوا الصهاينة بالقوة والأمن النموذجي في المنطقة تحت مظلة الرعاية الغربية التي لا تنضب تجاه الكيان الصهيوني.

انعكاسات الوجود الإسرائيلى بالمنطقة على قضية المياه :


      فى حقيقة الأمر، فإن سعي إسرائيل إلى الحصول على حصة من مياه النيل يرتبط بالأساس بقضية ندرة الموارد المائية المتاحة أمامها، حيث يبلغ إجمالى الموارد المائية لديها 1,8 مليار م3 ، وتشعر إسرائيل بأن هذه الكمية من المياه لا تكفيها رغم استغلالها لكل قطرة من تلك الكمية ، من خلال قيامها بتطوير أنظمة تقلص تبديد المياه ، وقد بذلت إسرائيل محاولات مكثفة لمواجهة مشكلاتها المائية من خلال اعادة استخدام مياه الصرف ، وتزويد الينابيع الجوفية بالمياه وترشيد المياه ، واستخدام الرى بالتنقيط ، وغير ذلك من الوسائل.

       ورغم ذلك ، تشير الدراسات الإسرائيلية إلى أن إسرائيل سوف تواجه عجزًا مستقبليًا فى المياه ، وأنه لا مناص لحل هذه المشكلة إلا من خلال استيراد المياه من مصادر خارجية ، خاصة نهر النيل ، ويأتى هذا فى إطار مزاعم خبراء المياه الإسرائيليين بأن مصر لديها فائض مائي ، وأن كمية كبيرة من مياه النيل تهدر فى البحر المتوسط سنويًا ، وقد دفعت حاجة إسرائيل الملحة للمياه إلى استغلال وجودها المكثف بمنطقة الحوض ، لاسيما دول المنابع السبع ( إثيوبيا ، وكينيا ، وأوغندا ، وتنزانيا ، والكونغو الديمقراطية ، ورواندا ، وبوروندى ) لتحريض تلك الدول على المطالبة بإعادة النظر فى اتفاقيات توزيع حصص المياه.


      ويدعم ذلك أن دول المنبع ليست فى حاجة للمياه التي تأتي لدولتى المصب ( السودان ومصر) ، وأن دولة مثل أوغندا تسقط عليها كميات هائلة من الأمطار ، وأن مشكلتها الأساسية فى انتشار المستنقعات وصرف المياه ، كما أن مشكلة العديد من دول المنبع هى في الحقيقة في وفرة المياه ، عكس دولتى المصب خاصة مصر، وهو ما يشير إلى وجود قوى إقليمية ودولية تحرض دول المنبع على تحريك ملف المياه مع دولتى المصب من آن لآخر، ومن بين تلك القوى إسرئيل .

      وساهمت إسرائيل في الترويج لمقولة إن أى عملية تنمية حقيقية فى دول منابع النيل ، لاسيما إثيوبيا وتنزانيا وأوغندا ، لابد أن تبدأ بتنفيذ سدود ومشروعات مائية للتحكم فى مياه النيل فى تلك الدول ، وقد أشارت العديد من التقارير إلى أن إسرائيل كثفت جهودها منذ بداية التسعينيات لدى العديد من دول البحيرات العظمى وشرق إفريقيا لمساعدتها فى بناء سدود على روافد نهر النيل ، لما يحققه ذلك لها من مكاسب اقتصادية .

      والأهم من ذلك لما يحققه ذلك لإسرائيل من الضغط على مصر ، وركزت إسرائيل فى هذا الإطار على مساعدة بعض تلك الدول على وضع نظم جديدة للرى ، وهو ما قد يؤدى إلى الإقلال من تدفق مياه النيل إلى مصر، والسعى فى الوقت ذاته لدى دول حوض النيل والمجتمع الدولى لتغيير الوضع القانون الحالى لمسألة المياه فى دول الحوض .

       وفى هذا الإطار، كانت الولايات المتحدة قد تقدمت للحكومة الإثيوبية عام 1963 بدراسة مفصلة ، أعدها المكتب الأمريكي للاستصلاح لإقامة 33 مشروعًا مائيًا على النيل الأزرق ، شملت (14 مشروعًا للرى – 11 مشروعًا للطاقة الكهربائية – 8 مشروعات مشتركة ( ، وقد قدرت إجمالى الخصومات فى حالة تنفيذ تلك المشروعات بنحو 5 : 6 مليارات م3 سنويًا من إجمالى كميات المياه التي تصل إلى الحدود المصرية ، وكانت هذه الدراسة قد قدمت فى فترة كانت تمر بها العلاقات الأمريكيةالمصرية بحالة من التوتر، واكبتها حالة توتر مماثلة على صعيد العلاقات المصرية الإثيوبية.

      وفي رؤيتي وتحليلي للقضية إن إسرائيل تتبع سياسة مزدوجة للوجود في دول المنابع ، حيث تعمل على إثارة الخلاف وتوتير العلاقات بين مصر وتلك الدول ، خاصة إثيوبيا ، عن طريق الزعم بأنها مهضومة الحق فى كميات المياه التي تحصل عليها ، والترويج لمفهوم قدرة تل أبيب على الضغط على مصر للقبول بإعادة توزيع الحصص المائية ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، تقوم إسرائيل بتقديم الدعم المالى الفنى من أجل إقامة السدود على النهر، وذلك بهدف التوصل إلى صفقة بين إسرائيل ومصر، تقبل مصر بمقتضاها بتسليم حصة من مياه النيل لإسرائيل ، مقابل ألا تتلاعب إسرائيل بجريان المياه فى المنابع بما يضر بمصالح مصر.

        وتسعى إسرائيل بصفة دائمة من خلال وجودها بمنطقة الحوض إلى الاقتراب من جميع المجالات ذات الصلة بملف المياه ، لاسيما مجال الري والزراعة ، والمشروعات التنموية ، حتى تتاح لها الفرصة للمشاركة وإبداء الرأى لتنفيذ استراتيجيتها تجاه هذا الملف ، ومن ذلك ، على سبيل المثال ، قيامها بتوقيع اتفاق مع كينيا فى سبتمبر 2009 فى مجال المياه ، نص على قيام إسرائيل بمساعدة كينيا فى مجال إدارة مصادر المياه ، وإدخال طرق رى حديثة إلى القطاع الزراعى بها ، وبالإضافة لذلك ، طلبت إسرائيل من كينيا مساعدتها فى الاستفادة من مناطق توافر المياه بها للقضاء على أزمة الغذاء والماء فيها.


     كما طلبت تنزانيامن إسرائيلوزير المياه والرى ، البروفيسور مارك مواندوسيا ، خلال المعرض الدولى الخامس لتكنولوجيا المياه والضبط البيئى الذى عقد فى نهاية 2009 – مساعدتها فى تقديم تطبيقات عملية فى مجالات كفاءة المياه، وتحسين نوعيتها وتنقيتها.

      وفي وجهة نظري أرى أن الوجود الإسرائيلى بمنطقة الحوض حقق جزءًا كبيرًا من مآربه ، وقد بدت مؤشرات ذلك واضحة بعد الموقف المتشدد الذى اتخذته دول المنبع ضد دولتى المصب خلال اجتماعات وزراء الموارد المائية بدول حوض النيل فى الإتفاقية الإطارية والتي تعرف      ( إتفاقية عنتيبي ) ، والتي تم التوقيع عليها في مايو 2009 من قبل 5 دول وهي ( إثيوبيا ، أوغندا ، رواندا ، تنزانيا ، كينيا ) نجد أنها قامت من أجل أن تنهي الحصص التاريخية للدولتين 55.5 مليار متر مكعب لمصر و 18.5 مليار متر مكعب للسودان ، ورفضت مصر والسودان التوقيع على هذه الإتفاقية لأنه من الواضح من هذا الإتفاق أنه يريد الدخول في مفاوضات جديدة لتحديد حصة كل من مصر والسودان.

     وتبع ذلك إعلان الحكومة الإثيوبية في الثاني من أبريل 2011 تدشين إنشاء مشروع سد النهضة ، وإسرائيل هي المحرك الرئيسي لهذا المشروع ومشاريع السدود الأخرى من أجل الضغط على مصر، وتريد إثيوبيا أن تقول من خلال هذا الإعلان والإفصاح عن مشروعاتها من السدود أنها الأعلى والمتحكمة في مياه النيل ، لأن مياه النهر تنبع من عندها وهو ما يستدعي من مصر ضرورة توصيل رسالة ماء لتل أبيب والأطراف الأخرى الموجودة بالمنطقة بضرورة مراعاة مصالحها المائية وعدم العبث بها.

      وفي الختام فمن وجهة نظري بعد أن انتهيت من سرد وتوضيح كل شيء فإنه يتضح أن المنظومة التنموية المصرية التي تقوم على الماء كعنصر رئيسي وحاكم فيها تتعرض في هذه الأيام إلى تحديات لابد من مواجهاتها والبحث عن حل جذري لها قبل فوات الأوان ، لأنه من المتوقع أن تتحمل الزراعة فاتورة زيادة الاستهلاك في الأنشطة الأخرى .

       هذا وقد صلت مصر إلى مرحلة تفرض فيها كمية المياه محددات على نموها الاقتصادي ، فحصة الفرد من المياه تنخفض باستمرار إلى درجة غير مقبولة فوصلت إلى حوالي 625 متر مكعب سنويًا أي أقل من ثلثي حد الفقر المائي ، مما سيؤثر تأثيرًا سلبيًا ومباشرًا على جميع الأنشطة المعتمدة على المياه ، ويؤدي إلى مجموعة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لمصر ، الأمر الذي يحتم على مصر قيادة وشعبًا التحرك الدولي لحل هذه الأزمة والخروج منها في ظل التعنت الإثيوبي الواضح والإصرار على الضرر العمدي لشعب مصر من خلال حجب حصة مصر من مياه النيل.

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق