الآن تقرأ
ما فعله الخليفة المأمون في المصريين

من بين الأمور الكثيرة التي يتفرد بها المصريون دونًا عن بقية الأمم، هي إصابتهم المزمنة بمتلازمة إستكهولم، وهي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من الأشكال. فنحن المصريون، ربما نكون الأمة الوحيدة على ظهر الأرض التي تلقب الغزاة بالفاتحين، كما فعلنا مع الإسكندر الأكبر، وسليم الأول العثماني، وكما أسمينا الغزو الفرنسي بالحملة، وكأن نابليون قد جاء بجنوده إلى مصر في نزهة، أو في زيارة بدعوة من أهل البلد! ويبدو أن المصريين أكثر شعوب الأرض عشقًا للغزاة وحبًا لاستعادة أيامهم، فهم يزيفون تاريخهم حتى تبدو أيام الغزاة أفضل وأرقى من أيامنا الحالية، وهذا يحدث بالطبع عندما ينحط الحاضر، فنحنو إلى الماضي، ولكن هل كان ذلك الماضي فعلاً أفضل من هذا الحاضر؟

ومن بعض أعراض متلازمة إستكهولم التي نراها يوميًا، ما نراه عندما نسير اليوم في شوارعنا المصرية فنتفاجأ بأنها تحمل أسماء بعض الغزاة الطغاة الذين أذلوا الشعب المصري وأذاقوه الويلات، كشارع سليم الأول، الذي سُمي على اسم السفاح العثماني الذي استباح القاهرة ودماء أهلها عندما دخلها مع جنوده الهمج، وشارع قمبيز، وهذا الأخير حقًا لغز كبير وأعجوبة الأعاجيب، فقمبيز هذا لم يكن أبدًا رمزًا دينيًا ولا حتى سياسيًا إسلاميًا أو مسيحيًا بل كان مجرد سفاحًا فارسيًا عابدًا للنار ارتكب جرائم يندى لها الجبين في حق المصريين، وشارع الخليفة المأمون، وما أدراك من هو الخليفة المأمون.

كما ذكرنا من قبل، وكما قال أديبنا العظيم نجيب محفوظ، إن آفة حارتنا النسيان، فقد نسي المصريون أحداث عام 830 م، عندما ثار أهل مصر، بدءًا من منطقة البشمور، وهي منطقة على ساحل الدلتا بين فرعى رشيد ودمياط، ثم انضم إليهم أهل باقي المناطق من الوجهين البحري والقبلي، على الحاكم العباسي بسبب ظلمه واستبداده على أهل مصر وتشديد الخناق حولهم، فأرسل الخليفة العباسي “المأمون” الجيش تلو الآخر لقمع الثورة بالقوة المفرطة، واستبسل أهل مصر إلى أن نجحت جيوش المأمون في سحقهم فأهلكوهم وقتلوهم بالسيف ونهبوهم وأخرجوهم من مساكنهم وأحرقوها بالنار.

ويروي لنا الكاتب الكبير “محمود السعدني” تفاصيل هذه الثورة المصرية في كتابه الرائع “مصر من تاني” فيقول:

“يبدو أن الجماهير في مصر سئمت اللعبة، وأدركها اليأس من صلاح الحال، ولذلك ستشهد مصر أول ثورة شعبية في تاريخها كله، ثورة لا يشترك فيها مقاتلون محترفون ولا فرسان أبطال، ولكنها ثورة شعبية سيقودها جماعة من الفلاحين والحرفيين، وستجتذب إلى صفوفها كل من أذله الفقر أو طحنه الجوع أو عضه ظلم الولاة وفساد القضاة وجشع العسكر، وسيضطر الوالي العباسي إلى الفرار من الفسطاط هربًا من الثورة، وسيختبئ مع بعض خاصته في مزارع حلوان، وبدا أن كل شيء في طريقه إلى الانهيار، ومصر توشك على الإفلات من قبضة الحكم العباسي”.

“ولكن قُدر لأول ثورة شعبية مصرية أن تنحسر موجتها وأن تنكسر شوكتها والسبب أن الثورة رغم عنفها وقوتها كانت بلا قيادة، صحيح أن الغضب كان في قمته، وسخط الناس كان بلا حدود، ولكن عدم وجود قيادة جعل الناس تفقد الرؤية الصحيحة وتخطئ الهدف”. ما أشبه اليوم بالبارحة.

“واضطر الخليفة المأمون إلى قيادة حملة والحضور إلى مصر لقمع الثورة فيها، وقد دخلها في شهر محرم واستطاع أن يقضي على الثورة بعد أن أمعن في القتل، وقيل إن الطيور الجارحة كانت تحلق في فضاء ولا تنقض على الجثث المطروحة في الصحراء، لأنها أكلت حتى شبعت”.

وعهد المأمون إلى أمير الحملة “بتعقب الفارين من الذين قادوا الفتنة في بر مصر، فتوجه إلى الصعيد، ودخل في معارك رهيبة وأسر جماعات كثيرة وأحضرهم بين يدي المأمون، فأمر المأمون بقتل الرجال وبيع النساء والصبيان”.

ما رواه “محمد ابن إياس” عن هذه الثورة:

“ثم إن الأمير عيسى أقام بمصر، وفي أيامه اضطربت أحوال الديار المصرية، وخرج أهلها عن الطاعة، وحصل بينهم وبين عساكر الفسطاط من الحروب العظيمة ما لا يمكن شرحه؛ فكاتبوا المأمون بذلك، فجهز العساكر، وخرج بنفسه من بغداد صحبتهم، وتوجه إلى مصر، فدخل في عساكر عظيمة، وكان صحبته أخيه المعتصم وولده العباس وأولاد أخيه، وهما الواثق والمتوكل، وغير ذلك من أعيان بغداد.

فلما حضر عيسى بن منصور (أمير مصر الذي عينه المأمون) بين يديه، وبخه بالكلام، وقال له: “هذا كله بسوء تدبيرك وجورك على أهل القرى وقد حملت الناس ما لا يطيقون، وكتمت الأمر عني حتى عظم”.

“ثم أن المأمون عين الأفشين، وكان شجاعًا بطلاً، فأخذ طائفة من العسكر، وتوجه إلى أعلى الصعيد، وحارب أهلها، وقتل منهم جماعة كثيرة، وأسر النساء والصبيان، وأحضرهم بين يدي المأمون، فأمر بقتل الرجال وبيع النساء والصبيان”.

محمد ابن إياس – بدائع الزهور في وقائع الدهور – الجزء الأول – ص 148

فانظر عدالة المأمون، الذي اعترف بالظلم الشديد الذي وقع على المصريين، فحكم بقتل المظلومين وسبي نسائهم وبيع أطفالهم واكتفى بتوبيخ الظالم وعزله، بل أنه أعاد تعيينه مرة أخرى بعد فترة!

وبعد كل هذا يأتي البعض ليسمي أحد الشوارع باسم الخليفة المأمون تكريمًا له على الدماء المصرية التي أراقها. ويبدو أن المسؤولين عن تسمية الشوارع لا يعرفون ما فعله المأمون في المصريين، أو يعلمون ويشاركون في تزييف الوعي، أو هي متلازمة إستكهولم كما ذكرنا.

وفي جميع الأحوال لا نملك إلا الدعاء للقائمين على تسمية الشوارع بالشفاء مما هم فيه، أيًا كان اسمه.

وأن يعلموا أن تاريخ مصر لم يعدم الرجال الذين قدموا لهذا البلد حياتهم، من أجل رفعته واستقلاله.

فهل من مستجيب؟

عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

أضف ردك