الآن تقرأ
السعودية وإيران: حرب الإسلام الباردة (3-4) ” حكم ثيوقراطي “

سلسلة تقارير نشرتها مجلة “دير شبيغل” على أربعة أجزاء، تناولت البحث في الصراع الإيراني السعودي.
بقلم: سوزان كولبل، سميحة الشافي، وبرنارد زاند

حكم ثيوقراطي

في السادس والعشرين من فبراير الماضي ظهرت الشخصيات ذات الثقل داخل المجتمع الإيراني وتجمّعت في مكاتب الاقتراع بشمال طهران حيث بدأت انتخابات مجلس الخبراء – وهو أعلى هيئة دينية في إيران والذي يقوم باختيار المرشد الأعلى – إلى جانب انتخابات الدورة البرلمانية الأولى، وداخل مكتب الاقتراع اعتاد المرشد الأعلى “آية الله الخوميني” أن يلتقي زائريه، والآن يقابل الزائر هناك صوراً ضخمة لقائد الثورة الإسلامية مُعلّقة على الجدران.

كان “جواد ظريف” وزير الخارجية هو أول الزائرين لمكتب الاقتراع وهو الوزير الذي يُحكى عنه أنه لم يشاهد التليفزيون قط حين كان صغيراً خشية أن يتعرض للمؤثرات الغربية السامة. بعده ظهر – بزيه الديني الأسود-  “أكبر هاشم رفسنجاني” – رئيس الجمهورية الأسبق، وأغنى رجل في إيران وصاحب التأثير الأقوى بحكومة الرئيس الحالي “حسن روحاني” حتى أن البعض يُشير إلى أن الحكومة تقوم بتنفيذ رؤية “رفسنجاني” المثالية للحرية الإقتصادية إلى جوار السيطرة الدينية.

بعده حضر “حسن الخوميني” – حفيد قائد الثورة – وكذلك الرئيس الأسبق “محمد خاتمي” – الذي مايزال الكثير من الإيرانيين يكّنون له شعور احترام بصفته إصلاحي وهو السياسي الذي منعه النظام من الظهور أو الإدلاء بأحاديث صحفية لكنه ظهر في مكتب الاقتراع. وعلى الرُغم من الاختلافات التي تبدو بين كل تلك الشخصيات إلا أنهم يتفقون على رؤية واحدة وهي أن الثورة هي التي صنعتهم.  

داخل الجمهورية الإسلامية يتحكم المرشد الأعلى في كل شيء، يصنع القرارات- لكنه في الوقت ذاته يضع في الاعتبار مراكز القوى المختلفة داخل الدولة وبصفة خاصة “الحرس الثوري”، ويُعَد البرلمان بمثابة دولة داخل الدولة وهو أقوى من أي مؤسسة أخرى وبما يحويه من واشين يستطيع أن يكون له اليد العليا ليس فقط على أجهزة الأمن بل أيضاً على أجزاء كبيرة من اقتصاد الدولة.

إنها إذن الديكتاتورية التي تجعل من السلطة الثيوقراطية أداة لها، لكن وعلى العكس من المملكة المستبدة – يُسمح للبعض داخل إيران بقدر من المشاركة السياسية، وهو ما يطلق عليه قادة الثورة الإسلامية اسم “الديمقراطية الإسلامية”؛ فهناك انتخابات حتى لو كان الواقع يقول بأن المرشحين يتم انتقائهم، فهو نظام يقوم خلاله مجموعة من الأفراد بفحص المرشحين لبيان من “إسلامي” بقدر كاف ليحظى بشرف المشاركة بينما يتم استبعاد أي شخص آخر، وهو الحال الذي ينطبق على كثير من المرشحين الإصلاحيين خلال انتخابات هذا العام؛ فالإصلاحي الحقيقي الذي يدعم حرية التعبير واستقلال السلطة القضائية يقبع في السجن.

من جانبه لا يدّعي ملك السعودية أبدا أنه ديمقراطي، حتى أن “جمال خاشقجي”- وهو أحد أبرز المعلقين السياسيين تأثيرا داخل المملكة – يؤكد أنه “إذا كانت الديمقراطية دواء فنحن لسنا بمرضى”

حتى وفاة الملك “عبد الله” في أوائل العام 2015، كانت هياكل السلطة في المملكة تميل إلى الجمود والسكون، لكنها شهدت تحولات جذرية؛ فقد أطاح الملك “سلمان” بمعظم طاقم الملك الراحل ثم أجرى تغييراً في تتابع الإرث الملكي بأن جعل “محمد بن نايف” – 56 عاما – والذي كان يشغل منصب وزير الداخلية – جعله وليا للعهد، بينما عيّن ابنه “محمد بن سلمان” – 30 عاما-  في منصب ولي ولي العهد ووزير للدفاع.

ويبدو من تلك التغييرات أين تتجه نية الملك “سلمان” – الطاعن في السن- تجاه الشخص الذي يرغب في أن يكون خليفة له، فإلى جانب كونه مسئولاً عن القوات المسلحة، أصبح “محمد بن سلمان” مُشرفاً على احتياطي النفظ بالمملكة عبر ترأسه مجلس الشئون الإقتصادية والتنمية.

يعلّق “خاشقجي” على هذه الخطوات قائلا: “نظريا، يستطيع هذا الفريق أن يملأ السلطة الحكومية”. لكن، وحتى الآن ماتزال الحكومة الجديدة حذرة بعض الشيء فهي تحاول التأكد وبشكل دائم من أنها تتلقى دعماً من القبائل ذات السلطة ومن رجال الدين أصحاب النفوذ، وهو أمر يعتبره “خاشقجي” جيد جدا بالنسبة لتحقيق التماسك لكنه في نفس الوقت قد يقيّد البلاد.

الدور الجديد للمرأة:


تتسلل الحداثة وببطء داخل كلتا الدولتين، على الرُغم من سلطة رجال الدين وتسيّد شرطة الأخلاق، وهو أمر يتجلّى وبصفة خاصة عند تناول تغيّر الدور الذي تلعبه المرأة داخل المجتمع.

فقد برز دور المرأة الإيرانية مُتمثلاً في نائبة الرئيس “حسن روحاني” المحامية “شهيندخت مولاوردي” – 50 عاما- السيدة الجذابة التي تحاول أن تخفي هذه الجاذبية عبر ارتداء الشادور الإيراني الذي يغطي جزء من وجهها حين تجلس في غرفة المؤتمرات الخاصة بمكتبها بطهران والمحاطة بشارات الثيوقراطية والتي تشمل أعلام وصور للمرشد الأعلى.

احتاج الأمر منها نوع من الاستفزاز المُتَعَمد لتأمين الحصول على هذا المنصب؛ فعندما أعلن الرئيس الإيراني عن حكومته في صيف العام 2013 انتقدته أمام الجميع وبشكل علني لأن الحكومة التي تحوي 33 شخص لا يوجد بها امرأة واحدة، قائلة: “لماذا لا يثق الرئيس في المرأة؟”
بعدها بشهرين فقط تم اختيارها كواحدة من نواب “روحاني”.

وحتى لو كان البرلمان المحافظ الحالي لا يحب أن يعترف بمنصبها، فإن “مولاوردي” وكنائب للرئيس لشئون المرأة والأسرة تُعتَبر في منصب يساوي في درجته منصب وزير الأسرة في الحكومة.
و”مولاوردي” نسوية تقدمية، لا تنتقد النظام بشكل صريح لكنها أبدت رغبتها في إصلاح نظام الإرث وقانون العقوبات في البلاد والذي يتحيّز ضد المرأة، فعلى سبيل المثال تساوي شهادة المرأة في إيران نصف شهادة الرجل ويُسمح للإبنة بالحصول على فتات من الإرث بالنسبة لما يرثه الإبن على الرغم من أن نسبة الفتيات في الجامعة بلغت 60%.

المرأة الرائدة:


عندما تريد المرأة السعودية أن تبرز على سطح العمل السياسي والمجتمعي يحتاج الأمر في بعض الظروف إلى إبعاد الرجل؛ فعند زيارتك لشركة سيدة الأعمال السعودية “هدى الجريسي” بالرياض – والمتخصصة في تنظيم تدريبات ودورات لغات للنساء-  تقابلك لافتة مُعلّقة على الباب مكتوب عليها “غير مسموح للرجال بالدخول”، ومن الداخل يبدو مكاناً عادياً ويشبه أي مكتب آخر باستثناء عدم وجود أي أثر لرجل، تجلس الفتيات على مكاتبهن وهن يرتدين الجينز والبلوزة، بشعر مرتب وتبرّج واضح.
أما إذا سُمح لرجل بالدخول، يجب وقتها على الفتيات أن ينتقلن إلى غرفة منفصلة لارتداء عباياتهن السوداء وتغطية رؤوسهن وربما وجوههن، وفي العادة يدخل الرجل من مدخل آخر، وهذا يعتبر مثالاً لما يحدث في المملكة، الدولة الأشد صرامة في الفصل بين الجنسين.

تقول “الجريسي” أنه يجب على المرأة أن تشعر بالراحة داخل المكتب، ولذلك تخلع عباءتها وغطاء رأسها لكن عند مغادرته لا نرى من بين الثياب السوداء سوى العينين فقط.
ولكنها لا تعتبر أنها بذلك تكون غير مرئية، فالجريسي امرأة رائدة في مجال عملها وهي واحدة من 20 سيدة في المملكة خضن انتخابات شهر ديسمبر للمجالس البلدية والمحلية، وهي أول مرة في المملكة يُسمح للمرأة بخوض تجربة الترشح لمنصب سياسي، وهي أول مرة أيضاً يُسمح لها بالتصويت.

ربما يعد هذا قدراً قليلاً من الديمقراطية، على الرغم من أن مستشاري المدينة ليس لديهم ما يعلّقون به؛ إذ أن النظام يُدار وبشكل كامل بواسطة الملك، وبدلا من البرلمان، يوجد ما يعرف ب “مجلس الشورى” وهو مجلس استشاري يُسدي النصيحة للحكّام.

يضم مجلس مدينة الرياض 30 شخصا، منهم 10 رجال يتم تعيينهم، و20 يتم انتخابهم، وقد فازت امرأتان – إلى جانب الجريسي- بمقعدين.
ترى “الجريسي” أن الأمر مثير للإعجاب؛ إذ أن السيدتين اللتين تم انتخابهما تغطيان وجهيهما، وتعلّق على ذلك قائلة: “أرى أننا – كنساء- يمكننا أن نحقق أهدافنا بشكل أكثر سلاسة إذا قمنا بتغطية أنفسنا، فعلى الأرجح يمكن للرجل أن يستمع إلينا ويثق بنا”

خلال لقاء المجلس، تدخل السيدات من مداخل منفصلة عن تلك المخصصة للرجال وتجلس في غرفة منفصلة ويمكنهن التواصل مع زملائهن من الرجال عبر مكبّرات الصوت وهو أمر لا يُغضب أو يضايق “الجريسي” في شيء، فهي ترى أن المملكة تحتاج لوقت من أجل أن تتغير، مُضيفة أن الامتيازات التي حصلت عليها المرأة في الآونة الأخيرة – والتي شملت فوزها بمقاعد في مجالس البلدية ومجلس الشورى وخوضها مجال التجارة والأعمال وحصولها على شهادات في الجراحة والحقوق- كانت يمكن أن تؤدي إلى حرب أهلية لو تم تطبيقها منذ عشرين سنة مثلا.

وعلى الرُغم من ذلك ماتزال المرأة السعودية ممنوعة من قيادة السيارة، مع وجوب عدم سفرها دون إذن محرمها، لكن الوضع في إيران مختلف بعض الشيء، فالمرأة هناك تنال قسطاً من التعليم ربما أفضل من الرجل وتشارك اليوم في مهن ذات طابع احترافي، وعلى الرغم من أن نحو 15% فقط من النساء الإيرانيات يحصلن على وظيفة إلا أنها نسبة ترتفع بشكل سريع باعتبار الأمر جزء من الضرورات الاقتصادية داخل البلاد.

نهاية الجزء الثالث

الرابط الأصلي: هنا 

عن الكاتب
مريم كمال
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق