الآن تقرأ
السعودية وإيران: حرب الإسلام الباردة (4-4) .. الاعتماد على النفط

سلسلة تقارير نشرتها مجلة “دير شبيغل” على أربعة أجزاء، تناولت البحث في الصراع الإيراني السعودي.
بقلم: سوزان كولبل، سميحة الشافي، وبرنارد زاند

الاعتماد على النفط

خارج بوابات مدينة “جدة” الساحلية السعودية، لا تسمع سوى همهمات خلط الأسمنت وصرير الرافعات تنقل معدات بناء، وحين تتأمل تجد أساس مبنى ضخم يَكْبُر أمامك ، ناطحة سحاب ربما تكون هي الأشهر خلال السنين القليلة القادمة، “برج جدة” سيكون أول ناطحة سحاب يتجاوز طولها الألف متر، وقد بدأ الاحتفال به منذ ثلاث سنوات وقريبا سيتم الانتهاء منه.
يقول المهندس السعودي “طلال الميمان” أن ارتفاع المبنى هو مدعاة للفخر، فناطحة السحاب التي سوف تستقر في جدة تمثل رمز مكانة المملكة في العالم، وهي بادرة يقودها الأمير “الوليد بن طلال” – أكثر الرجال ثراء في الشرق الأوسط –  والمهندس “الميمان” هو المسئول عن العقارات المملوكة ل “الوليد”، وهو الذي يتحدث بنبرة اعتزاز عن حق المملكة في الشعور بالثقة بالنفس قائلا: “العالم يحسدنا؛ فلدينا مكة والمدينة والبترول”

ماتزال السعودية تستطيع العيش على المليارات التي جنتها من عائدات النفط طوال العقود الطويلة التي شهدت ازدهار البترول، لكن شعلة هذا الازدهار قد انطفأت مؤخراً حين انهارت أسعار البترول، ولم تتلألأ مرة أخرى خاصة مع خوض البلاد غمار تدخل عسكري مُكلّف باليمن، تَدَخُل سَحَبَ وسَلَبَ أموال كان يمكن استخدامها في أغراض أخرى، بالإضافة إلى تَعَمُّد المملكة الإفراط في إنتاج النفط للحفاظ على انخفاض الأسعار وتدمير الاقتصاد الإيراني وهو أمر ليس بالهيّن بالنسبة للسعودية نفسها: فقد شهدت عجز كامل بميزانية العام 2015 بنحو 100 مليار دولار، ومن المتوقع أن تستنفذ الدولة احتياطي العملة في غضون خمس سنوات إذا لم يتغيّر هذا الوضع. كما أن بعض مشروعات البناء الطامحة التي تتم داخل المملكة مثل “المدينة الإقتصادية” على البحر الأحمر، أو الحي المالي بمدينة الرياض، تحقق تقدماً بطيئاً جداً.

 

الخطوة القادمة: الاقتصاد المتنوع:
لكن حتى لو لم ترتفع أسعار النفط مرة أخرى، فإن احتياطي السعودية محدود كما الحال في إيران؛ فكلا البلدين على علم بأن الاعتماد على الموارد المعدنية يمثل مشكلة.
تعاني السعودية وإيران من نفس المشكلات: اقتصاد مُتَصلِّب غير متوازن، شريحة شباب تطالب بمزيد من الانفتاح والمرونة، وإصلاحات اجتماعية واقتصادية مُنتظَرة من جانب حكامهما الطاعنين في السن، فقد أثبتت ثورات الربيع العربي أن الحشود الغاضبة يمكنها أن تتمكن من إزاحة أعتى وأصلب الديكتاتوريات في الشرق الأوسط.
ربما – ونتيجة لهذه الأسباب-  حرص “محمد بن سلمان”- ولي ولي العهد السعودي ووزير الدفاع- على إجراء خطوات وتغييرات جذرية خلال الآونة الأخيرة؛ فعلى الرُغم من أن البترول هو شريان حياة السعودية لكن الهدف الآن هو محاولة إحداث حالة من التنوع في اقتصاد الدولة. لذلك كُرسّت الجهود من أجل إطلاق برامج عصرية تشمل مبادرات للهيكل الإداري للدولة وبيع جزئي لأسهم شركة “أرامكو” للنفظ وهي نقاط تم الإعلان عنها تحت عنوان “الرؤية السعودية 2030″، وكنوع من قلب الأوضاع شملت القرارات استبعاد وزير البترول والثروة المعدنية “علي النعيمي” بعد 21 عاما من شغله هذا المنصب.

والتنافس بين السعودية وإيران شمل أيضاً مشروعات البناء، ففي شمال طهران يقوم حاليا رجل الأعمال الإيراني “إبراهيم بورفرج” – رئيس وكالة باسار غاد للسياحة – يقوم ببناء أكبر فندق على منحدرات جبال “ألبرز”، كما تقوم الدولة أيضا بتشييد نحو 125 فندق – أربع وخمس نجوم-  تنشيطاً للسياحة؛ فعلى الرُغم من أن إيران قد تُعَد دولة منبوذة بالنسبة للبعض لكنها بمساجدها وحدائقها ومعابدها أصبحت وجهة رومانسية للكثيرين وهو ما دفع الحكومة إلى رفع سقف توقعاتها بالنسبة للقطاع السياحي والذي سوف يشهد زيادة قدرها 400% من الآن حتى العام 2025، بوصول ما يقرب من 20 مليون سائح كل عام، بعائد يصل إلى 40 مليار دولار سنويا.
كما تسعى الدولة إلى إحلال وتجديد كل شيء، من صناعة المركبات إلى أحواض السفن والمطارات وربما تنتهي سنوات العزلة التي طالما عانت منها إيران-  لكن يبقى “الحرس الثوري” هو صاحب الفضل الأكبر في بناء امبراطورية التجارة هناك، فقد تدخل من أجل ملء الفجوة التي خلّفتها الشركات الدولية بعد رحيلها عن إيران خلال الفترة السابقة وهو أمر لا يجب إغفاله في المستقبل.

سوف يسهم الوضع المترّنح للإقتصاد في الدولتين، وطموح كل منهما لاجتذاب المستثمرين الأجانب في خلق فرصة لمشاركة الدول الغربية، فعلى سبيل المثال دولة مثل ألمانيا-  والتي حافظت خلال الفترة الماضية على علاقات تجارية جيدة مع السعودية والتي تشرع في التعاون الآن مع إيران- تستطيع ممارسة بعض التأثيرات؛ إذ ترتبط الظروف السياسية بالاتفاقات التجارية الجاذبة، فيُمنَح الغرب فرصة لاتخاذ خطوات ربما تُوقف الدمار الذي مازال يلحق بالشرق الأوسط والذي يتمثل في انتشار الإرهاب الإسلامي في العالم كله.

الشريكان الأصعب:
عندما تستمع إلى أصوات الراديكاليين داخل السعودية وإيران، تتصور أنك أمام مباراة مصارعة بين قوتين لديهما أوتاد سياسية وطائفية، وقد تتصور أن المباراة لابد وأن تنتهي بوجود فائز واحد، لكنه تصور مخادع؛ فالسعودية دولة شابة قوية حليفة للغرب وعلى صلة بالعالم كله، ومع عقد الاتفاق النووي فإن إيران – الشابة المفعمة بالحيوية أيضاً- يمكنها أن تصبح جزء من الأسواق العالمية وبنفس الدرجة التي تمتعت بها السعودية لفترات طويلة.

لكن الغرب اعتاد على النظر للشرق الأوسط باعتباره منطقة الكوارث الأزلية، منطقة صراعات ينتصر فيها التعصب وجنون العظمة على التعقل والحلول الوسط، لكن الصراع بين السعودية وإيران لا يتعلق بمجرد الحلول الوسط أو التعصب؛ فهناك أصوات متزنة يمكن للغرب أن يقويها بدلا من الانسحاب من المنطقة هكذا بمنتهى البساطة.

لا يجب على الغرب أن يختار بين هذه الدول من أجل العثور على شريك منفرد؛ ففي النهاية ليست السعودية ولا إيران بالشريك المثالي، فكلا البلدين يمثلان بيتاً يضم سجناً تعذيبياً للمعارضين وتُنَفَّذ فيهما عقوبات وحشية على خلفية جرائم تافهة.
وقد استفادت الولايات المتحدة كثيرا من نفط الشرق الأوسط وهو أمر كان له تأثيراته السياسية على المنطقة؛ لكنها ترتكب خطأ فادحاً بتفضيلها ترك المنطقة للاعبيها الأساسيين بسبب فشلها في العراق وأفغانستان؛ إذ أنها بذلك سوف تخّلف فراغاً استطاعت روسيا مؤخرا أن تملأه كما حدث في سوريا.

يجب على واشنطن التحرك من أجل إصلاح علاقتها المُتَرَنّحة مع الرياض، والتخلي عن فكرة استبدال السعودية بإيران لإلقاء اللوم عليها في حالة وقوع أي حدث سيء بالمنطقة.

ومن أجل حل مشكلة كالتي تقع في سوريا الآن، يجب على الغرب أن يعقد مفاوضات مباشرة بين الجانبين السعودي والإيراني، أما بالنسبة لأوروبا فهي تملك أداتين يمكنها استخدامهما من أجل ممارسة ضغوط على نخبة الدولتين: أولهما ال 500 مليون مستهلك الذين يعيشون بدول الاتحاد الأوروبي مع فرض ضوابط أكثر صرامة على الصادرات الدفاعية.

إذن.. هل بقي هناك أمل؟

مايزال علم الجمهورية الإسلامية يرفرف على نافذة سفارة طهران الخالية بالرياض، وفي طهران تشاهد السفارة السعودية مغلقة بالمتاريس الحديدية وتشتم رائحة المولوتوف الذي ألقته المجموعات الغاضبة على المبنى، وهو المبنى الذي يتواجد في شارع قررت الحكومة الإيرانية أن تغير اسمه إلى “شارع الشهيد النمر”.

ولا يبدو أن السعودية أو إيران تسعيان في اللحظة الحالة إلى إبداء أي رغبة في صنع تغيير في علاقتهما، لكن من المتوقع أن تقوم سويسرا بتلك الخطوة؛ فبعد ثلاثين عاما من مساعدتها في توصيل رسائل بين الولايات المتحدة وإيران، تستعد لتكرار نفس الخطوات الديبلوماسية لكن هذه المرة مع المملكة السعودية وإيران.

وبعد عقد الاتفاق النووي، بدا – ولكن لوقت قصير-  أن سويسرا قد حققت أهم جزء من مهمتها في إيران، لكن الآن قد تكون الحاجة لمثل تلك الخطوات أهم من أي وقت مضى.

الرابط الأصلي: هنا 

عن الكاتب
مريم كمال
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق