الآن تقرأ
  تهجير يهود الفلاشا وأثره على الأمن القومى المصري (1 / 4)

تصطدم دوائر الأمن المصرية بالمناطق ذات الأهمية القصوى للتغلغل الإسرائيلي في مناطق البحيرات العظمى ، ومنطقة القرن الإفريقي وبالذات في إثيوبيا ، ولاشك أن الحديث عن التغلغل الإسرائيلي ، وأهدافه الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية في إفريقيا بصفة عامة وإثيوبيا بصفة خاصة ، لابد أن يتناول العديد من الموضوعات ، التي تؤكد على أهمية هذه الأهداف.

وقد أوضحت ذلك في مقالات سابقة عن التغلغل الإسرائيلي في إثيوبيا ومدى الضغوط التي تمارس على دول حوض النيل ، والاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إثيوبيا ، وانعكاسات الوجود الإسرائيلى بالمنطقة على قضية المياه ، أما في هذا المقال فسأتناول قضية هامة جدًا لا تقل أهمية عن القضايا السابقة التي قمت بطرحها ألا وهي ” سياسة التهجير اليهودي “.

لذا ينبغي على مصر، وهى تخطط لأمنها القومي أن تضع هذا التغلغل في اعتبارها ، خاصة اتصالها بالجاليات اليهودية في تلك القارة ، وخاصة وأن الزيادة السكانية في إسرائيل تشكل مصدرًا خطرًا على الأمن القومي المصري والعربي ، حيث تحاول إسرائيل أن تتغلب على مشكلة العجز الديموجرافي فيها ، وذلك باللجوء إلى الهجرة اليهودية من الخارج .

وتحتضن القارة الإفريقية عددًا لا بأس به من الجماعات اليهودية ، حيث تنتشر في كثير من الأقطار الإفريقية ، لاسيما في إثيوبيا ” الفلاشا “ ، وجنوب إفريقيا ، وزيمبابوي ، وكينيا ، وبالتالي تستغل إسرائيل وجود تلك الجماعات اليهودية في إفريقيا من أجل معالجة الضعف الديموجرافي فيها ، زيادة النسبة السكانية وتوظيفها لتحقيق مصالح إسرائيلية في إفريقيا ، واستخدامهم في التأثير على الأنظمة الإفريقية في المجالات المختلفة.

ويمثل العامل الديموجرافي أهم العوامل الحاسمة في مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي ، ولذلك فإن إسرائيل تحرص كل الحرص على تهجير يهود العالم إليها ، وإلى جانب ذلك فهناك هدف آخر لتشجيع هجرة يهود العالم من إسرائيل إلى غيرها من كل دول العالم ، وفي هذا الإطار كانت إسرائيل تعمل على توطيد علاقاتها منذ إنشائها بالجالية اليهودية في إثيوبيا ، وشرق إفريقيا، بل في إفريقيا كلها ، حيث حرصت كل الحرص على ضرورة تهجير اليهود الإثيوبيين ” الفلاشا “ إليها ، وأخذت تضغط على النظام الإثيوبي في أديس أبابا ، وذلك باستخدام ورقة المساعدات الاقتصادية والعسكرية لدعم هذا النظام.

وكذلك ضغطت إسرائيل على إثيوبيا بورقة تحسين العلاقات بين أديس أبابا وواشنطن مقابل ترحيل الفلاشا إليها ، وبالفعل تم التخطيط لذلك ، فكانت الحركة الأولى من عام 1948 – 1985 ، والتي أسفرت عن هجرة 14 ألف يهودي إثيوبي إلى إسرائيل ، والتي عرفت باسم      ” عملية موسى ” .

وجاءت الحركة الثانية في مايو 1991 ، والتي عرفت باسم ” سليمان “ والتي أسفرت عن هجرة 18 ألف يهودي إثيوبي ، وفي واقع الأمر فإن هجرة اليهود الإثيوبيين تعد حافزًا لتوطيد التعاون بين كل من إسرائيل وإثيوبيا ، وهذا يحقق مطامع وأهداف استراتيجية إسرائيلية تؤثر على الأمن القومي العربي بصفة عامة ، والأمن القومي المصري بصفة خاصة.

وهدفي من هذا المقال توضيح أبعاد التغلغل الإسرائيلي في إثيوبيا ، ومظاهر هذا التغلغل الإسرائيلي التي تتضح من خلال عمليات تهجير الجاليات اليهودية في إثيوبيا ” يهود الفلاشا “ ، وتحليل المصالح المشتركة بين كل من إسرائيل وإثيوبيا ، وعلاقة ذلك بالأمن القومي المصري ، ومع محاولة وضع استراتيجية مصرية لمواجهة هذا التغلغل الإسرائيلي وسيتم تناول هذا الموضوع من خلال عدة مقالات ، وسنتناول في هذ الجزء أهمية الهجرة بالنسبة إلى إسرائيل ، وزيف صبغ الهجرة إلى إسرائيل بالدينية .

أولًا – أهمية الهجرة :

للهجرة بعد تاريخي أسهم إلى حد كبير في تشكيل الشخصية اليهودية على مر العصور ، إذ يذكر سيسل روث ” أن السبي البابلي كان أول هجرة يهودية جماعية من فلسطين ” ، كما أن خروج العبريين الجماعي من مصر وقدومهم إليها من قبل ذلك ، هما في نظر البعض هجرتان جماعيتان على نطاق واسع ، وبين هذه الهجرات الواسعة النطاق في التاريخ اليهودي نجد هجرات أخرى أقل في حجمها ، واستطاعت الصهيونية في العصر الحديث أن تضرب على وتر الهجرة ، وربطت بينه وبين أرض الميعاد للوصول إلى الهدف المنشود من وراء ذلك ، والمتمثل في جمع الشتات اليهودي وحشرهم في فلسطين والأراضي العربية المحتلة .

ولذلك تضمن برنامج ” تيودور هرتزل ” الذي تقدم به في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بازل عام 1897 م النقاط التالية :

  • تشجيع الهجرة المنظمة بصورة مركزة ومكثفة إلى فلسطين.
  • السعي من أجل الوصول إلى اعتراف دولي بشرعية الاستيطان اليهودي في فلسطين .
  • تكوين جمعيات يدعمها أغنياء اليهود من أجل تسهيل مهمة هجرة البروليتاريا اليهودية الأمر الذي يخدم في النهاية مصالح أغنياء اليهود .

ومع قيام دولة إسرائيل توالت موجات الهجرة إذ تضمن التصريح الخاص بإنشاء دولة إسرائيل نداء موجهًا من أجل حثهم على الهجرة إلى أرض الأباء والأجداد جاء فيه : نحن نوجه الدعوة إلى كل اليهود في سائر العالم لكى يجتمعوا حول يهود إسرائيل لمسانداتهم في مهمة تنظيم الهجرة والتنمية .

وتأكيدًا على مبدأ الهجرة ، وما يمثله من تدعيم لقيام إسرائيل في الخامس من يوليو 1950 ما يسمى بقانون العودة ونصت مادته الأولى على أن لكل يهودي الحق في أن يعود إلى البلاد بوصفه مهاجرًا ، ورفعت كل قيد أو حظر عن الهجرة إلى فلسطين .

ثم أقر القانون التشريعي الذي أصدره الكنيست الإسرائيلي في 22 نوفمبر 1952 السياسة التوسعية الاستيطانية ، وقد تضمنت مواده ما يلي :

  • تعتبر دولة إسرائيل نفسها صنيعة الشعب اليهودي بأسره ، وتماشيًا مع قوانينها تفتح أبوابها أمام كل يهودي يرغب في الهجرة إليها .
  • إن المنظمة الصهيونية العالمية منذ تأسيسها ، وقد سارت في طليعة حركة الشعب اليهودي ومساعيه لتحقيق رؤيا الأجيال بالعودة إلى وطنهم ، وأخذت على عاتقها بمساعدة أوساط وهيئات يهودية أخرى عبء المسئولية الرئيسية في إقامة دولة إسرائيل .
  • تنذر المنظمه الصهيونية العالمية – الوكالة اليهودية لفلسطين نفسها كما فعلت في الماضي لدفع عجلة الهجرة إلى إسرائيل ، وتدير مشاريع الاستيعاب والاستيطان في الدولة.
  • تعترف دولة إسرائيل بالمنظمة الصهيونية العالمية على أنها الوكالة المخولة السلطات في متابعة عملها في دولة إسرائيل لتوطين البلاد وتطويرها واستيعاب المهاجرين وتنسيق أوجه نشاط المؤسسات والجمعيات العاملة في هذه الحقول في إسرائيل .

إن مهمة جمع شمل المنفيين ، وهي الواجب الرئيسي لكل من دولة إسرائيل والحركة الصهيونية في أيامنا هذه تتطلب من الشعب اليهودي الاستمرار في بذل الجهود ، ولذلك تتطلع دولة إسرائيل صوب مشاركة جميع اليهود والهيئات اليهودية في بناء صرح الدولة ومساعدة الهجرة الجماعية إليها ، وتعترف بالحاجة إلى توحيد جميع الفئات والجماعات اليهودية لهذه الغاية ، وشهدت السنوات التالية لقيام إسرائيل العديد من الهجرات الجماعية في شتى أرجاء العالم .

ثانيًا – زيف الادعاء بصبغ الهجرة اليهودية بصبغة دينية :

إذا كانت الهجرة إلى فلسطين تحاول أن تتخذ طابعًا دينيًا ، بمعنى تحقيق الحلم التوراتي والوعد الرباني بالعودة إلى أرض الميعاد فإن الواقع يكشف زيف هذه الادعاءات ، فلم يكن لنغمة  ” أرض الميعاد “ طرب في آذان المهاجرين اليهود منذ زمن بعيد ، بل كانت أقل العوامل المساعدة على هجرة اليهود إلى فلسطين وذلك للأسباب التالية :

  • إذا كانت الهجرة اليهودية إلى إسرائيل تحاول اليوم أن تصطبغ بصبغة دينية كتحقيق الوعد التوراتي أو العودة  لكنها في حقيقة الأمر ترجع لأسباب سياسية واقتصادية ، والدليل على ذلك أنه في الفترة ما بين 1881 – 1930 هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية 3,2 مليون يهودي وهاجر إلى فلسطين في نفس الفترة 120 ألف يهودي فقط .
  • نهجت الحكومات الإسرائيلية منذ 1952 منهج ” اختيار المهاجرين” ، على أن تكون نسبة 80% من المهاجرين من الشباب المرشحين للعمل في المناطق الزراعية ومن العمال المهرة ممن لا يزيد عمرهم عن 35 عامًا ، ويسمح ل 20% من المهاجرين الذين تزيد أعمارهم عن 35 عامًا بالدخول إلى إسرائيل على أن يكون لديهم عائلات أو أقارب في البلاد يتعهدون بالإنفاق عليهم ، أما الأغنياء فلم يطبق عليهم شرط السن .
  • كما يذكر بن جوريون في الكتاب السنوي الحكومي الإسرائيلي  لعام 1952 في هذه العبارة

” إن العامل الأول و القاطع لأمننا هو تلك الهجرة الجماعية الكبيرة “.

  • تمثل القرى والبلدان المقامة على الحدود بواسطة أول حائط بشري للدفاع عن الدولة الإسرائيلية  حائط بشري من لحم و دم ، وليس حائطًا من الحجارة ، وذلك حسب تفسير بن جوريون للهجرة ولأمن إسرائيل .
  • على الرغم من أن الوكالة اليهودية كانت على علم ” بالفلاشا “ وأحوالهم من عام 1948 وما قبلها إلا أن الحاجة الإسرائيلية لهم لم تكن ماسة ، فقد توجهت الأنظار وجل الأهتمام إلى يهود الدول المتقدمة كي يسهموا في دفع عجلة التنمية في إسرائيل ، ومع تطور سياسة الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة ظهرت الحاجة إلى مزيد من السكان ، وبخاصة لسد الاحتياجات لبعض الأعمال المتدنية التي يأبى أن يؤديها مثقفو إسرائيل.

هذا التفسير الإسرائيلي لأسباب الهجرة ينطبق على هجرة ” يهود الفلاشا ” من إثيوبيا حيث قامت السلطات الإسرائيلية بتوطينهم في المناطق الحدودية ليكونوا حائطًا بشريًا بالفعل أمام هجمات الفدائيين ، ولصد أي هجوم قد تفكر فيه سوريا.

إنها استراتيجية الهجرة الإسرائيلية الثابتة التي لا تتغير مهما ألبسوها من ثياب بالية كالاضطهاد ، وحقوق الإنسان والعودة إلى أرض الآباء والأجداد ، وإلا كيف يمكن لنا أن نبرر تهجير عشرات الالاف من اليهود الروس ، وهم لا يعرفون اليهودية ولا أية ملة أخرى .

إن نظرة سريعة على هجرة اليهود السوفييت تجعلنا نخرج بنتائج لا تقبل الشك أبرزها المساهمة في حل المشكلات الاقتصادية ، والسكانية ، والاستيطانية للكيان الإسرائيلي عن طريق إمداده بمجموعات ذات مستوى علمي راقٍ وكفاءات يحتاج إليها هذا الكيان ، بالإضافة إلى توطينهم في الأرض العربية المحتلة بهدف تكريس عملية الاحتلال ، وتحطيم الآمال العربية في استعادة هذه الأرض بالإضافة إلى دعم سيطرة العنصر الإشكنازي على مجريات الأمور في إسرائيل وضرب العنصر الشرقي الذي يمثل أغلبية عددية ، والذي يطمح إلى تحقيق مكاسب سياسية على حساب اليمين الحاكم.

وفي الختام فإنني أرى في وجهة نظري أن هجرة يهود الفلاشا جاءت متلائمة مع الأهداف الصهيونية بوجه عام فإسرائيل بحاجة في هذا الوقت لعناصر بشرية تقوم بلأعمال اليدوية والمهنية المتدنية ، والتي يرفضها المهاجرون الآخرون ، كما أنها بحاجة بشرية على الحدود الإسرائيلية ، وبحاجة كذلك لتكريس المستوطنات التي تقام كل لحظة ، لكي تكرس عمليات الاحتلال المستمرة للأراضي العربية ، وتحطيم الآمال العربية في استعادة هذه الأرض.

وهذا كله يمثل جانبًا من جوانب التكتيك الإسرائيلي حتى إذا ما أجبرت إسرائيل على التفاوض فإنها تتفاوض على ما ليس لها أصلًا ، فإذا تنازلت عن مستوطنة ما في أرض عربية محتلة فإن لهذا التنازل مقابلًا بالطبع فهي – إذ فعلت – ستعيد الأرض إلى أصحابها وتحقق ما تريد لنفسها من وراء ذلك .

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق