الآن تقرأ
لماذا أدوار الشيخ سيد درويش العشر ؟!

علي غرار قوالب الموسيقي الغربية تعددت قوالب التأليف الألي في الموسيقية الشرقية، وقد أنقسمت تلك القوالب الشرقية إلي ما هو تركي الأصل كالبشارف والسماعيات واللونجات، وإلى ما تفنن فيه الموسيقيون العرب كالتحميلات والتقاسيم الحرة الغير مقيدة بهيكل محدد، وكما ظهر أنواع للتأليف الآلي المنفرد ظهر أشكال للغناء الشرقي فتنوعت ما بين القصيدة والموشح والموال والطقطوقة والمونولوج والدور، وللدور أهمية خاصة بين تلك القوالب العربية فهو يظل دائماً الأكثر تعقيداً والأجدر في إظهار إمكانيات الملحن والمطرب الذي يؤديه، بل أنه يمثل نقطة التلاقي بين جميع فنون الغناء الشرقي فمن يتعامل مع ذلك الفن عليه الإلمام بأساليب التلحين ودروب الموسيقى العربية لكونه فن شامل يجمع المقامات والإيقاعات المختلفة داخل صورة واحدة، وإن كانت مهمة ملحن الدور كبيرة فمهمة المطرب أكبر فالمطرب الذي تؤدي حنجرته فن الدور يلتزم إلتزام كلي بالنص الموسيقى المكتوب وإن طرق باب الإرتجال وجب عليه معرفة طريق العودة للإرتكاز علي المقام الرئيسي الذي صيغ منه جسد الدور، ويتألف الدور من خمسة أقسام تبدأ بالمذهب الذي يكون المدخل الرئيسي لقالب الدور وفيه يتجلي مقام الدور حتي نهاية المذهب ويصاغ غالباً علي إيقاع المصمودي، ثم ينتقل إلي الغصن الذي يطابق في الواقع لحن المذهب لكنه في لحظة ما يتشعب بمجموعة من الردود التي يرددها البطانة المشاركة مع المطرب حيث يتناوب المطرب و البطانة ترديد جملاً مختلفة من حيث الصياغة اللحنية و تنتهي تلك المبادلة الغنائية بقفلة ما تضع المطرب داخل مرحلة الآهات حيث يظهر المطرب قدراته في التعبير عن أجواء اللحن بمجموعة من الأهات قد تستبدل بغناء يا ليل يا عين، ويعتبر لقسم الهنك مكانة كبرى داخل الدور فهو المساحة الكبرى التي يظهر فيها إمكانيات المطرب وقدرته علي الوصول إلي أعلي الدرجات الموسيقية و قدرته علي الرجوع بسلاسة مرة أخري إلي درجة ركوز مقام الدور للتمهيد لنهاية طربية أو قفلة ” حراقة ” علي حد تعبير الموسيقار محمد عبد الوهاب، و قد أعتبر الملحن محمد عثمان (1855- 1900) هو رائد ذلك الفن الغنائي حيث أستطاع محمد عثمان إعادة تطوير شكل فن الدور وترسيخ به عدد من الثوابت الموسيقية التي صارت فيما بعد علامات إرشاد لكل من يقترب من عالم الدور.

وبرغم الحكم التي أعتاد مؤرخو الموسيقى إطلاقه بأن أدوار الشيخ ” سيد درويش” هي العلامة الفارقة في تاريخ الدور الغنائي، و أنه أقام مجده الموسيقي بعدما رفض التراث القديم ولفظه، إلا أن منْ يتتبع مرحلة تلحين الأدوار في حياة الشيخ سيد درويش وهي مرحلة ذات ثقل في رحلته القصيرة يجد أن الرجل لم ينفصل عن عالم محمد عثمان و الشيخ عبد الرحيم المسلوب (1786-1926) ، بل شكل أمتداد طبيعي للمدرسة القديمة في طريقة الغناء ولكنه أستطاع أن يفجر ثورته في طريقة التلحين لفن الدور وإخضاعه لمعايير الدراما المسرحية التي برع في تلحينها أيضاً، فأضاف التعبير الدرامي للغناء دون أن يعدل في تركيبة جسد الدور أو يتنازل عن جزء من أجزائه، وفي سبيل أستخلاص موقف حقيقي من أدوار الشيخ سيد درويش العشرة، ومعرفة مدي تطوره يمكن لنا حصر نقط أختلاف أدواره عن غيرهم في نقطتين هما :-

1- التعبيرية
2- إستعمال المقامات الغير شائعة

أولا التعبيرية : فدوره الأول “يا فؤادي ليه تعشق” الذي صاغه الشيخ سيد سنة 1914 وهو لا يتجاوز بعد الثانية والعشرين من عمره، وأسسه من مقام عجم عشيران، جاء منذ بدايته في حركة ميلودرامية متصلة، لا تخلو من قفزات هينة تضفي علي اللحن طابع مميز وتأكد تماسك قوام النص الموسيقي، وقد بلغ الشيخ سيد درويش ذرة لحنه في مقطع ” قولي أمتي انا أفرح أمتي” حيث قدم طريقة التطريب القديمة مصورة علي مقام الراست و لكن بروح مختلفة معتمد علي تعبيرية بسيطة غير مكتملة.

وقد زادت روح التعبيرية مع الوقت في موسيقى سيد درويش وظهرت بشكل ناضج في أدوار “أنا عشقت ” و “ضيعت مستقبل حياتي” ودور “أنا هويت و إنتهيت” الذي أعتبره محمد عبد الوهاب الصورة الكاملة والواضحة لعبقرية سيد درويش، ففي دور “ضيعت مستقبل حياتي ” اختار الشيخ سيد مقام “الشوري” وتقوم شخصية تلك المقام علي المزج بين مقامي البياتي و الحجاز فيجمع سلم المقام آفاق البياتي الطربية و قدرات الحجاز المليئة بالشجن، ولا شك أن أختيار سيد درويش لهذا المقام جاء لتصوير الإيحاءات التعبيرية وإبراز حالة الشكوى الموجودة بالنص.

بينما نجد فى آهات دور ” أنا هويت ” تكنيكا جديدا وطريقة غير مألوفة في تلحين الدور، فالرجل عمد إلي أن يبدأ أولا بجواب سلم مقام الكرد و ليس بقراره، ثم تنقل بين درجات متباعدة داخله مشكلا جملة موسيقية غير مكتملة لكنها تساعد في تهيئة جمل ” الردود ” الخاصة بالبطانة، و كما أنها مهدت لخلق قفزات موسيقية بعيداً عن الأنتقال النغمي المتدرج والذي عادة ما كان يصيب السميعة بالملل، فظهرت آهات تلك الدور وكأنها ضفيرة واحدة متماسكة تشد كل جملة بها الجملة الأخري !

ثانيا إستعمال مقامات غير شائعة : صاغ الشيخ سيد معظم أدواره من مقامات مهجورة وغير مستعملة في تاريخ الموسيقى الشرقية، فلحن دور ” ياللي قوامك يعجبني” من مقام النكريز وهو أحد المقامات التي لا تطرق في الموسيقى العربية إلا نادراً وهو من فصيلة مقام النوا أثر، وأستعمل كذلك النوا أثر في تلحين دور “عواطفك دي أشهر من نار” الذي لقى رواجاً كبيراً لأسباب سياسية، و أستخدم فصيلة من فصائل الراست تسمي سازكار في تلحين دور “الحبيب للهجر مايل” ولحن دور “عشقت حسنك” من مقام بستة نكار وهو مقام شبه منعدم في تاريخ الموسيقى العربية رغم وجوده في بعض السماعيات و البشارف، إلا أنه لا يستخدم داخل قوالب الغناء إلا في حركات عابرة وغير كافية لتصوير المقام وتوضيح درجاته.

أما مقام الزنجران فقد ابتكره سيد درويش وأدخله إلى الموسيقى العربية لأول مرة في دور “في شرع مين” بعدما سمعه من مطرب أرمني يغني في مصر، وقد أستطاع الشيخ سيد في ذلك الدور أستنطاق مقام الزنجران وتطوين الشعور بجو نغماته و أفساح المجال الموسيقي داخل الدور لإرتياد مساحات واسعة من الجوابات والقرارات. وبذلك تمكن سيد درويش من أن يفجر ثورته وأن يقدم فن الدور الغنائي حراً معبراً بعيداً عن تجمد نمطه القديم أو بمعنى أدق بعدما كان معتمد بالكلية على الإرتجال و التصرف اللحظي الغير متناسق مع طبيعة النص وروح الكلمات، بل أنه أستطاع جلب فن الدور خارج حلبة المقامات المعتادة وحاول تجديد دم الموسيقي الشرقية بأحياء المقامات المهجورة وأعادة تدوير نغماتها حتي صارت بعض أدواره علامات في تاريخ تلك المقامات نفسها !

 

عن الكاتب
كريم جمال
طالب في كلية تجارة - نظم معلومات - بالأضافة إلي دراسة الموسيقي العربية (دراسات حرة) ، مهتم بالتاريخ الديني و تطور المذهبية الإسلامية و كذلك التاريخ الموسيقي و كتابة السيناريو
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق