الآن تقرأ
تهجير يهود الفلاشا وأثره على الأمن القومى المصري (2 / 4)

يمثل العامل الديموجرافي أهم العوامل الحاسمة في مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي ، ولذلك فإن إسرائيل تحرص كل الحرص على تهجير يهود العالم إليها ، وفي هذا الاطار كانت إسرائيل تعمل على توطيد علاقتها منذ إنشائها بالجالية اليهودية في إثيوبيا ، حيث حرصت كل الحرص على ضرورة تهجير اليهود الإثيوبيين ” الفلاشا “ إليها ، وأخذت تضغط على النظام الإثيوبي في أديس أبابا ، وذلك باستخدام ورقة المساعدات الاقتصادية والعسكرية لدعم هذا النظام.

وفي واقع الأمر فإن هجرة اليهود الإثيوبيين تعد حافزًا لتوطيد التعاون بين كل من إسرائيل وإثيوبيا ، وهذا يحقق مطامع وأهدافًا استراتيجية إسرائيلية تؤثر على الأمن القومي العربي بصفة عامة ، والأمن القومي المصري بصفة خاصة.

وقد أوضحت سابقًا أن هدفي من هذا المقال توضيح أبعاد التغلغل الإسرائيلي في إثيوبيا ، ومظاهر هذا التغلغل الإسرائيلي التي تتضح من خلال عمليات تهجير الجاليات اليهودية في إثيوبيا ” يهود الفلاشا “ ، وتحليل المصالح المشتركة بين كل من إسرائيل وإثيوبيا ، وعلاقة ذلك بالأمن القومي المصري ، وسيتم تناول هذا الموضوع من خلال أربعة أجزاء ، وقد تناولنا في الجزء الأول أهمية الهجرة إلى إسرائيل ، وزيف صبغ الهجرة إلى إسرائيل بالدينية ، وسنتناول في هذا الجزء الجديد ( هوية يهود الفلاشا ، والاتصالات اليهودية – الفلاشية ، وتهجير الفلاشا إلى إسرائيل ، وأحوال الفلاشا في إسرائيل ).

أولًا – هوية يهود الفلاشا :

من الظاهر أن اسم ” الفلاشا ” ، ويعني بالإثيوبية ” هاجر أو هام على وجهه أو غير مستقر أطلق على هؤلاء من قبل الإثيوبيين الآخرين ، ولم يطلقه الفلاشا على أنفسهم ، ووفقًا لجوزيف هاليغي أستاذ اللغات السامية القديمة في مدرسة الدراسات العليا في باريس في القرن التاسع عشر فإن كلمة ” فلاشا “ هى الصيغة الأمهرية للكلمة الجعزية ” فالشي “ ، وجمعها فالاشيان ، في حين يطلق عليهم في منطقة ” ولقائيت ” ، وكذلك في منطقة ” ثيفادية ” اسم     ” فقراء “.

هناك ثمة إجماع لدى الباحثين الذين درسوا الفلاشا أن هولاء لا يستخدمون هذا الإسم حين يتعرفون على أنفسهم ، وأنهم يفضلون عليه اسم ” سبط – أوبيت إسرائيل ” ، وقد لاحظ  وولف ليسلاو ، أن فلاشا قرى منطقة جوندار يستخدمون بالإضافة إلى نعت ” بيت إسرائيل ” ، الإسم الكوشي كايلا “.

ومهما يكن من أمر الاسم فهو يطلق على الطائفة الإثيوبية الصغيرة التي تقول على نفسها أنها يهودية ، من جهة ، وأن أصلها يعود إلى العصر التلمودي القديم من جهة أخرى ، وعدد هذه الطائفة غير معروف  بدقة .

ولقد اكتشف المعنيون اليهود بأمر الفلاشا جهل الفلاشا باللغة العبرية ، حيث أن لغتهم تكون اللغة الجعزية ، ومن جهة ثانية أن الفلاشا لا يملكون أية تقاليد مشتركة مع اليهود ، فالتنظيم الداخلي للمؤسسة الدينية هو لدى الفلاشا ، على غرار التنظيم الداخلي للمؤسسة الدينية النصرانية الإثيوبية أو لنقل الأمهرية ، غير أن إثيوبية الفلاشا لا تقتصر على الدين فحسب ، حيث يؤكد وولف ليسلاو الذي هو أحد أبرز الباحثين في الدراسات الإثيوبية ومن القلائل الذين يعرفون الفلاشا معرفة وثيقة منذ عام 1947 أن ” الفلاشا “ الذين يعيشون في المناطق الناطقة بالأمهرية يتحدثون اللغة الأمهرية ، وفي المناطق التيجرانية يتحدثون اللغة التيجرانية .

ويهود الفلاشا لم يرتبطوا باليهودية ارتباطًا وثيقًا ، بل هم أقرب إلى المسيحية لكن المبشرين والمستشرقين الأوروبيين هم الذين أدعوا بيهودية هؤلاء ، وقامت الصهيونية باستغلال ذلك الإدعاء خلال علاقاتها مع “هيلاسلاس” الإمبراطور السابق لإثيوبيا ، وذلك للأهمية الاستراتيجية التي تمثلها إثيوبيا في الصراع العربي الإسرائيلي .

وعقب إعلان إسرائيل 1948 أدعت الصهيونية بأن الفلاشا ينحدرون من قبيلة ” دان ” اليهودية التي تقول عنها الأساطير اليهودية بأنها تاهت وضلت طريقها في مكان ما من إفريقيا ، وأضافت بأن الفلاشا من سلالة ( مانيلك ) الذي أنجبته ( ماكيدا ) ملكة سبأ من النبي سليمان عليه السلام  ، وذلك بعد لقائها به بمدينة القدس ، وبعد أن تربع مانيلك على العرش ذهب إلى القدس والتقى بأبيه سليمان الذي أمر بعض رجال حاشيته بمرافقة مانيلك حتى وصوله إلى مملكة أكسوم .

وأرى في وجهة نظري أنه بالرغم من هذه المزاعم فإن الصهيونية لم يسبق لها أن اهتمت بأبناء الفلاشا ، وذلك حتى أثناء مرحلة ازدهار علاقاتها مع النظام الإمبراطوري السابق ، فقد كان بإمكانها أن تقوم بنقلهم في ذلك الوقت إلى فلسطين المحتلة في ظل ظروف سهلة ، ودون تعريضهم للخطر الذي أحاط مؤخرًا بهم أثناء نقلهم إلى فلسطين في سبتمبر 1984 تحت إسم     ” عملية موسى “ وأولتها وسائل الإعلام والدعاية الصهيونية اهتمامًا واسعًا واصفة إياها بالعملية الخارقة ، ومتجاهلة الدور المتواطيء الذي قامت به بعض القوى الدولية والمحلية التي شاركت في عملية اقتلاعهم من أراضيهم ، والزج بهم في وسط اجتماعي سخر من ثقافتهم وأصولهم ، وشكك في مشاعرهم الدينية بل عمل على إلغائها.

وفي الواقع أن نقل هؤلاء الفلاشا إلى إسرائيل جاء في وقت نضبت فيه الهجرة إلى إسرائيل وزادت فيه الهجرة المضادة ، علاوة على احتياج المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الحاكمة للأيدي العاملة.

ثانيًا – الاتصالات اليهودية / الفلاشية :

لم يكن بين يهود العالم من يعرف شيئًا عن يهود إثيوبيا ، وأول يهودي سعى للاتصال بالفلاشا هو المستشرق هاليفي الذي بدأ عملية البحث والتنقيب عنهم عام 1867 للوقوف على حقيقة أوضاعهم وأحوالهم ، ولقد استطاع الاتصال ببعض التجمعات الفلاشية وإقامة اتصال بينهم وبين يهود أوروبا ، كما استطاع أن يجمع معلومات غزيرة عنهم وكتب تقريرًا عن رحلته أشار فيه إلى تمسك إخوانه من الفلاشا بيهوديتهم وانتمائهم إلى شعب إسرائيل وإله إسرائيل القاطن في القدس المقدسة .

ويتضح من الاتصالات اليهودية التي تلت ذلك أن مشروع الهجرة إلى أرض إسرائيل لم يكن في الأذهان على الإطلاق ، وإنما كانت كل الجهود مركزة على إنقاذ الفلاشا من الاندثار  والذوبان بين الأحباش ، وكان أقصى ما يطمع إليه يهود أوروبا أن يبقى يهود الحبشة متمسكين بدينهم و توراتهم .

وهذا في حد ذاته يفسر لنا حقيقة مهمة ، وهى أن دعوة الفلاشا للهجرة إلى إسرائيل بعد قيام دولتهم بعشرات السنين لا ترتبط بهدف ديني خالص على الإطلاق ، وإنما حركتها عوامل سياسية واقتصادية بحتة ، وزاد من عملية دفعها في مرحلتها الأخيرة المسماه بعملية ” سليمان “ أطماع استيطان الأرض المحتلة وتكثيف المستوطنات اليهودية فيها ، وسد النقص في المهن   والحرف حيث يأنف المتعلمون والمثقفون في إسرائيل من القيام بأعمال لا تتفق ، وما اعتادوا عليه وما حلموا به في إسرائيل.

ثالثًا – تهجير الفلاشا إلى إسرائيل :

إن مسألة هجرة الفلاشا إلى إسرائيل في التسعينيات ليست وليدة الأحداث الراهنة ، وإنما سبقتها محاولات إسرائيلية تمهيدًا لتهجيرهم ، وعلى الرغم من أن الوكالة اليهودية كانت على علم بالفلاشا وأحوالهم منذ عام 1948 وما قبلها ، إلا أن الحاجة الإسرائيلية لهم لم تكن ماسة فالأنظار وجل الاهتمام موجه بالدرجة الأولى إلى يهود الدول المتقدمة كي يسهموا في دفع عجلة التنمية في إسرائيل .

ومع تطور سياسة الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة ، وظهور الحاجة إلى المزيد من السكان وبخاصة لسد الاحتياجات الاجتماعية لبعض الأعمال المتدنية ، بدأ الإسرائيليون يوجهون اهتمامًا أكبر عن ذي قبل إلى الفلاشا ، ولم يكن أمام الإسرائيليين إلا إتباع نفس الأساليب التقليدية في الترغيب والترهيب لجذب يهود الشتات ، كما قامت الوكالة اليهودية بحملة واسعة لجمع التبرعات من يهود العالم الأثرياء لتمويل عمليات هجرة الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل.

وبدأت إسرائيل في عمليات تهجير جماعي بمساعدة إثيوبيا والسودان ، وأطلق على هذه العمليات ” موسى ، وسبأ ، وسليمان “ ، ويتبادر إلى الأذهان تساؤل حول المقابل أو الثمن الذي حصلت عليه كل من إثيوبيا ، والسودان مقابل إتمام عمليات تهجير الفلاشا.

أما ما حصلت علية حكومة منجستو فهو وصول خبراء إسرائيليين في مجال الاقتصاد     والصحة ، بالإضافة إلى بعض المساعدات الأمريكية ، والقروض الدولية التي لم يكن لإثيوبيا فيها نصيب من قبل ، كذلك وصول بعض المستثمرين الإسرائيليين إلى أديس أبابا لبحث إمكانية الاستثمار اليهودي في البلاد ، أما ماحصلت عليه حكومة المتمردين فكان وعدًا أمريكيًا بالسماح لهم بإجراء محادثات للسلام في لندن مع إستمرار الدعم الأمريكي لبلادهم شريطة أن تتم عملية تهجير الفلاشا دون ثمة عراقيل .

أما بالنسبة للسودان فكان نصيب الرئيس جعفر نميري ستة وخمسين مليون دولار تم إيداعهما في حساب سري باسمه في فرع لبنك أوروبي في روما ، كما كان لمساعدي الرئيس السوداني في تلك الصفقة بخاصة هؤلاء المشاركين في التنفيذ.

رابعًا – أحوال الفلاشا في إسرائيل :

مما لا شك فيه أن دوافع الهجرة لدى معظم المهاجرين إلى إسرائيل من الشرق والغرب ليس لها علاقه باليهودية أو الوطنية بقدر ما ترجع إلى عوامل الطرد من بلاد التصدير البشرى إلى إسرائيل مثل الاتحاد السوفيتى سابقًا وإثيوبيا.

ففى الولايات المتحدة الأمريكية ملايين من اليهود ، ومع هذا لا تمثل هجرة اليهود الأمريكيين شيئًا يذكر لانتفاء عوامل الطرد من ناحية ، ولمعرفة الأمريكيين ودول أوروبا الغربية عمومًا بالأوضاع على حقيقتها فى إسرائيل من ناحية أخرى.

فتقول الباحثة السوفيتية جالينا نيكيتيا ” إن حياة المهاجرين اليهود فى إسرائيل تمثل فى الحقيقة صورة غير مشرفة ” ، والدليل على ذلك :

  • انتحار ” رحيم بخبطة ” أحد المشرفين المهمين على عمليات التهجير الأخيرة خاصة ، وأنه قد أدلى بحديث لصحيفة هاآرتس الإسرائيلية قبل انتحاره قال فيه : ” لقد كنا فى إثيوبيا بشرًا ، أما هنا فلسنا سوى حمير”.
  • تشير تقارير الدولة الإسرائيلية إلى المشاكل العديدة التي تواجه المهاجرين الفلاشا ، والمعاناة التي يعيشونها فى إسرائيل ومنها :

( أ ) رفض رؤساء سبع مستوطنات استيعاب الفلاشا بداخلها وصعوبة الحصول على سكن ملائم.

( ب ) يعانى معظم الفلاشا من العزلة المتزايدة والوحدة القاتلة فى المجتمع الإسرائيلى ، كما فقد كهنة الطائفة وضعهم وصلاحيتهم منذ هجرتهم إلى إسرائيل ، كما فقد كبار السن مكانتهم ، وبات الجميع يشعرون بالوحدة والاغتراب.

( ج ) ظهور مشكلة الزواج الزائف ، وهي علاقة أملتها الظروف التى عاشها الفلاشا فى معسكرات التهجير، وهذا الأمر أدى إلى مشكلات عائلية وأسرية ، وما زال المهاجرين يعانون من آثارها.

( د ) لا تتيح ظروف الهجرة والإقامة فى إسرائيل للمرأة الفلاشية أن تقيم مراسم وطقوس الطهارة الخاصة بها ، والتى اعتادت عليها فى إثيوبيا.

( هـ ) فقدان ثقة الفلاشا بالمجتمع الإسرائيلى ، فقد اعتادوا فى وطنهم إثيوبيا أن يثقوا فى الكلمة الخارجة من الفم ولديهم مثل يقول ” أن تفي بالوعد خير من أن يولد لك مولود ” ، لكنهم فى إسرائيل واجهوا قومًا يقولون ولا يفعلون مما أصابهم بإحباط شديد.

( و) ما زال الفلاشى يشعر بتنكر السلطات الإسرائيلية له ، وعدم الاعتراف به ، وبخاصة فى تصرفات الحاخامات تجاههم.

  • يتعمد الإسرائليون استخدام لفظ ” الكوش” فى التعامل مع الفلاشا ، وهو لفظ يعني ” العبيد ” لديهم ، مما يؤذى مشاعرهم ويزيد من عمق الهوة الفاصلة بين السادة الإسرائيليين ، والعبيد الإثيوبيين.
  • تشكل قضية استيعاب الفلاشا فى نظام التعليم الإسرائيلى مشكلة كبيرة ، فهناك إتفاق سري غير مكتوب بين الحكومة الإسرائلية ، والوكالة اليهودية يتم بموجبه توجيه الفلاشا بصورة جماعية إلى التعليم الديني ، وهذا الإتفاق مخالف لقانون التعليم الإلزامى فى إسرائيل حيث يعطي الحرية لأولياء الأمور كي يختاروا الإتجاه التعليمي المناسب لأبنائهم إلا أن المهاجرين الإثيوبيين لايعرفون شيئًا عن هذا القانون.

5- المؤسسات التعليمية الرسمية فى إسرائيل لم تقبل الفلاشا إلا بعد أن فرضت عليهم متطلبات التهويد ومن أبرزها الغطاس.

6- من ناحية أخرى ، فإن المدرسين الدينيين فى إسرائيل يعاملون الفلاشا معاملة العلمانيين ، إذ يعتقدون أنهم لا يدينون باليهودية ، لذلك لا يطلب من أطفالهم فى المدارس قراءة التوراة على عكس ما قضت به الحاخامية الكبرى فى إسرائيل.

7- ويتضح فى بحث أنثروبولوجي قامت به سلفاويل من الجامعة العبرية أن تلاميذ الفلاشا يعاملون معاملة مزدوجة فى المدارس الدينية ، فالمدرسون يقولون لهم ” أنتم يهود متدينون ” ، وفى الوقت نفسه ينقلون إليهم الإحساس بأن معتقداتهم المزعومة محل شك كبير، يضاف إلى ذلك مشكلة اللون مما خلق فجوة بين العالم الإثيوبى والعالم الإسرائيلى ، مما تمخض عنه مشكلة عدم التكيف الاجتماعى للمهاجرين الفلاشا.

      وفي الختام أرى في وجهة نظري أنه مما يؤكد التعامل العنصري الإسرائيلي مع يهود الفلاشا ما نقلته الصحف المصرية عن صحيفة واشنطن بوست الأمريكية فى 26/1/1996 بخبر قادم من إسرائيل فحواه أن بنك الدم فى الدولة اليهودية يقوم بتدمير كميات الدماء التي تجمع من الفلاشا الإثيوبيين ، وعن رفض المستشفيات الإسرائيلية أخذ دماء من المتبرعين الإثيوبيين ” يهود  الفلاشا ” ، وهذا مما يؤكد الموقف العنصري تجاه الفلاشا.

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق