الآن تقرأ
لينا وبيروت والدخان (قصة قصيرة)

كنت في تلك الأيام الأخيرة أشّتم رائحة الموت كثيراً، برغم شَمس بَيروت الحَانية التي تَغمر الوجود، والتي صارت تُحيل السير المُحبب إلىّ قرب سوق “البازركان” إلى نَشاط مُبهج ساعة العصر. لَمَحت وجه “لينا” في تَجاعيد امرأة تَجُر طفلاً أشقر تَدلى مخاط أنفه ببراءة، لِسَبب ما لم ألْمَح الكَثير من الذُباب في بيروت. بعكس القَاهرة البائسة. اقْتَربت من مقهى “غسان” العتيق بتردد، وأنا أقاوم رغبتي في احتساء قهوة بيروتية تُحيل العَصر إلى مَساء لطيف..

– اتفضل مِعَلمي..قهوتك

قالها الساقي “حافظ” القَصير المَرِح بِترحاب شَامي وابتِسَامة واسعة تَناست  دمار الأزقة، والبيوت في “ست الدنيا”. ابتَسَمت له في ودّ وقلت له في تَخاذل:

– يبقى قهوة يا سي حافظ.

– عيونى لمَصر وناسها.

جلست باحبَاط ..تذكرت فجأة بَيانات الراديو وتَصريحات “الكسندر هيج” حَول مَشروع السلام السعودي بكل مَقت مُحاولاً الهُروب من ذِكرى اشتياقى لها..”لينا” الرَقيقة ممتلئة الشِفتين..ذات الابتسامة القاتلة والخصر النحيل.. ذات القَلب القاسي.

انعتني بالجُنون إن شئت، المَرء مِنّا لا يَترك وطن آمن لِلّحَاق بحبيبة لَم يُقابلها سوى خَمسة أيام فقط..ولكن تِلك الأشياَء لا تُوصف..مَن مِنكم يستطيع أن يُخْبرني بِمَذاق شَفَتيها بَعد القُبلة العاشرة؟؟ مَن مِنكم يَستطيع أن يصف رجْفَة أوْردة رَقَبتها النَحيلة حين ضَمَمتها إلىّ في بَرد الشتَاء ليلاً قُرب التياترو الكَبير..حيث تَكَفل الأدْرِيَنالين بِضَخ عِطرها الدَافئ في الجَو؟ تباً لكل أنواع الفُراق..تُرى لماذا عَشِقت “لينا” بِذات الجُنون الذي كَرِهت به خطيبتي “نادية”..”نادية العادية الخجولة الساذجة..الضاحكة دون داعِ أغلب الأوقات.. البسيطة التي لَم تَتُرك “المَحلّة الكُبرى” قَط سوى لبضع سنوات الدراسة؟..لماذا تركت هّمّي وأبِي المَريض ووظِيفَتي البَائسة وارتْحَلت لأرى عَينا “لينا” السَاحرتين ثانيةً. بَعد مُرور أعوام مُنذ أن ضَمَمْتها إلىّ أول مَرة في بَيروت في مُغامرة طَيش؟..وسَط عَاصفة مِن قَذائف ورُصاص تَقترب. لَم آبه..مَر أسبوع لَم ألمَح فيه جِلدها اللامع وسَاقيها النحيلتين..لَم آبه للكَازينو وفَتيات الليل..لم آبه للعُيون الناَقِمة التي تَكره

(المَصري أخو الشرموطة ياللي جَاي عم يسأل ع بناتنا)

لم آبه سِوى لِذكرى عِطرها.. ودِفئ ظَهرها حين احتضنت جَسِدها العَاري المُبلل بِمَاء المَطر..ارتَحَلت خَلف ذكرى نِتوءات القُشعريرة على ثديها الجميل وعُنقها مع أول لَمسة..حَنين لِسَماع نَبرتها المَبحوحة الخَفيضة الحَزينة التي قَالت لي:

(يا الله..يا زلمة شو عم تعمل فيّ..حبيتك كيف بيوم وليلة؟)..

– القهوة عمّي..بالهنا

لم أنتبه لوِد “حافظ” الزَائد..ولا لِرائحة القَهوة البيروتية الحرّيفة المُمتعة..ولم أنتبه حَتى لِزِلزَال يَرُج الأرض تحتي رجاً..ولا لِصُراخ عَنيف أخذت وتِيرته في الارتفاع كَمَوجة بحر تَصَعد جدارها قُرب الشاطئ..فَقط شَعرت بالألم يفتك برأسي وكَتفي..وتَعَالى الدُخان كَسِتار أسْدَلته في غُرفة الفندق الرخيص قبل أن اتأمَل في هُيام خَصر “لينا” الفاتن.

انفجار مدوِ..

(لينا..أنا بحبك أوي)

صَبي يَركُض بِسَاق تَنزف يَحمل حَقيبة تَتساقَط مِنها ثَمرات فَاكهة وأرغِفة خُبز..هَدير الطَائرات رََج الوجُود وأنا غير عَالم بِمَا يدور..كالمَسحُور، أو المَريض دون حَرارة..بل ألم..واشتيَاق لَمَحت “حافظ” الوَدود يُمسك بِبَطنه المَشْقوقة ويَبصق دماً..ولا زَالت ابتِسَامته الواسعة لم تَبرح شَفتيه بَعد..خُيل إلى أنه يتُمتم بِكلمات تَخيلتها مُرّحبة وَدود كَما اعتدت أن أسمع منه..

انفجار مُدوِ..

(لينا هَيدي حِلِم يا معلمي..وَهِم)

بَكَيت رغماً عني وأنا أتذَكر كَلمات “حافظ”..اسْتَجمَعت طاقة تَخور..وحَاولت أن أسير فِي وضع الاحتِبَاء نَحو جَسَده المُلقى بِقَسوة وسط رُكام المَقهى..وفي انقِشَاع الدُخان والغبار ..رأيته يُجاهِد كَي يُشير إلى شئ ما خلفى، وهُو يَختطف نِصف ابتسامة من طرف منِجَل الموت….التفتّ إلى مَا خَلفي .. ليتَباطئ الوُجود كَصورة سينمائية..رأيت شَبحها المَقلوب من خِلال كُوب زجاجي نَجا بأعجوبة من القَصف..حَاولت أن أنْهَض فَلَم أستطع.. لَمَحت عَينيها في انعِكاس طلقة عشوائية كَسَرت الكُوب الفارغ ..لم آبه للشظايا المتطايرة..بيروت لمَ لا تتلاشي بقصفك قليلاً حتى أراها ولو لدقيقة ..!

ثم تَلاشت بيروت بِقصفها كأنها تُشفق عليّ للحظات أخيرة ..حتى تَجَلّت “لينا”..اسْتَعرت ابتسامة “حافط” الوَدود..وأنا أُشير لَها نحو قلبي بوهن .. فأبتَسَمتْ لِى وأشارت نحو قلبها ..وانْقَشع الدَمار وتَرَكني في سَعادة غَامرة بالمَوت حالاً.. حَيث “لينا” و “بيروت” ..وحتى “الدخان”.

 

عن الكاتب
جمال النشار
كاتب ومؤلف مصري ..حاصل علي بكالوريوس في السياحة ودبلومة الادب الأنجليزي صدرت له اعمال ورقية قصصية ما بين الرواية والقصة القصيرة وشارك بعدة مقالات حرة و إبداعية بعدد من الجرائد الأليكترونية , حاصل على جائزة القصة القصيرة من المجلس الأعلي للجامعات عام 2004\2005