الآن تقرأ
تيريزا ماي .. صورة عن قرب

” عندما يوجد الخلاف، يمكننا أن نحقق الانسجام.. وعندما يوجد الخطأ، فربما تأتي الحقيقة، وعندما يوجد الشك، نصل إلى الإيمان، وعندما يكون هناك يأس، نأتي بالأمل”
هكذا كانت كلمات “مارجريت تاتشر” الأولى في العام 1979 فور وصولها إلى”دوانينغ ستريت”-  مقر الإقامة الرسمية ومكتب رئيس الوزراء البريطاني والذي تقف أمامه اليوم “تيريزا ماي” – 59 عاما- رئيسة وزراء بريطانيا وثاني امرأة تتولى المنصب خلال تاريخ أعرق ديمقراطيات العالم.

المنصب الحلم:
وقف رئيس الوزراء البريطاني السابق “ديفيد كاميرون” معلنا استقالته وترك مهام منصبه وتسليم الحكومة إلى وزيرة الداخلية “تيريزا ماي”- والتي تشغل هذا المنصب منذ العام 2010.

مع رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون

مع رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون

وخلال الجولة الثانية من الانتخابات الداخلية لنواب الحزب في مجلس العموم، حصلت “ماي” على نحو 199 صوتاً مقابل 84 ل ” أندريا ليدسوم”.
وكما نصت الأعراف توجه “كاميرون” صباح الأربعاء 13 يوليو من العام 2016 إلى قصر “باكينجهام” لتقديم استقالته بعد أن خصص ثلاثين دقيقة من أجل الإجابة عن أسئلة نواب مجلس العموم.

نالت “ماي” المنصب بعد أن أصبحت المرشحة الوحيدة المتبقية داخل سباق زعامة “حزب المحافظين” – وهو المنصب الذي يضمن لصاحبه رئاسة الوزراء – بعد انسحاب منافستها من الحزب الحاكم “أندريا ليدسوم” إثر انتقادات لاحقتها خلال الفترة الماضية خاصة بعد تصريحها بأنها الأنسب أكثر لهذا المنصب لأنها “أم” بعكس “ماي” التي ليس لديها أطفال، لكنها تداركت القول بتقديم اعتذار ل “ماي” عن هذا التصريح.

انسحب “كاميرون” من استكمال مهمته بعد نتائج الاستفتاء الأخير لوضع “بريطانيا” داخل الاتحاد الأوروبي والذي تم في الثالث والعشرين من يونيو والذي أقر بخروج “بريطانيا”وبالتالي فوز معسكر الخروج ما أدى إلى انسحاب “كاميرون” من المشهد ؛ إذ كان يؤيد البقاء، والأمر لا يختلف كثيرا بالنسبة إلى “ماي” والتي كانت تنتمي إلى معسكر البقاء لكن وبعد نتيجة الاستفتاء أطلقت “ماي” شعار “بلاد تخدم الجميع وليس فقط النخبة”؛ حيث وعدت بتنفيذ رغبة الشعب في المضي قدماً في إجراءات الانسحاب وعقد صفقة جيدة مع الاتحاد.

خلال حوارها في ديسمبر الماضي مع المحامية “ميريام جونزاليز دورانتيز” حول طموحها السياسي بأن تصبح رئيسة لوزراء بريطانيا، أجابت “ماي” قائلة:
“كل ما أحلم به هو القيام بعمل جيد في وزارة الداخلية”

البراجماتية الهادئة:
وصفت “كاثرين مير” – والتي تتولى شئون خزانة حزب المحافظين بالإضافة إلى تأسيسها مركز لدعم الأعمال الخيرية ورعاية الأطفال- خلال حوارها مع “بي بي سي نيوز نايت” – وصفت “ماي” باعتبارها شخصية سمحة، لطيفة؛ فهي تعرفها منذ نحو 12 عام، تعرفها بشكل مهني وبشكل شخصي، فهي إنسانة “مذهلة” تهتم بالآخرين، مستمعة جيدة، تولي جانب من حياتها لرعاية الإنسان، لا تحب الظهور في وسائل الإعلام كثيرا ولا تفضل جذب الاهتمام.

أما عن قدرتها على النجاح في المنصب فقد دعمتها “مير” قائلة:
“إنها امرأة تعمل بكد، مخلصة، صريحة، برجماتية، مفاوضة جيدة، وبعكس الكثيرين لا تفضل أن يكون حولها من تثق بهم لكنها تفضل اختيار الشخص الأنسب القادر على القيام بعمله بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى”

أزمة اللاجئين والهجرة:
بحسب صحيفة “الإندبندنت” البريطانية وصفت “ماي” حال سوريا بأنها تشهد “حرب أهلية بشعة”، وأن لاجئيها ممن وصل عددهم إلى مليون و700 ألف شخص يستحقون حياة أفضل، لكنها أكدت أن المساعدة الحقيقية يجب أن تكون من أجل من يعيشون داخل مخيمات اللاجئين الموجودة في الأردن ولبنان وتركيا وليس من أجل من فروا إلى أوروبا، كما دافعت عن موقف الحكومة البريطانية بعدم قبول أكثر من 5000 لاجيء في السنة، بينما وجهت انتقادها إلى المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” التي قررت أن تقبل بلادها نحو 800 ألف لاجيء ، الأمر الذي شبهته “ماي” ب “الحافز” الذي دفع بعدد كبير من الأفراد من جميع أنحاء العالم إلى التوجه إلى ألمانيا.

ربما يعكس موقفها من أوضاع اللاجئين السوريين ما تحمله “ماي” من أفكار تجاه فكرة الهجرة بوجه عام، وهو ما سبق وصرحت حوله قائلة:
“هناك ملايين الفقراء في جميع أنحاء العالم ممن يحبون الانتقال إلى بريطانيا لكن هناك حد يجب أن تضعه كل دولة فيما يتعلق بهذا الشأن؛ إذ يجب أن يكون لدينا نظاما للهجرة يسمح لنا بالسيطرة على من يريد الدخول إلى بلادنا”

حقوق المثليين:
بعد أن بقيت لعقود طويلة تثير تساؤلات قلقة حول موقفها من هؤلاء الداعين إلى المساواة، أيدّت “ماي” في العام 2013 زواج المثليين وهو ما يمثل تحولا جذريا في مواقفها تجاه هذه القضية وهو ما جعل صحيفة “الاندبندنت” تتساءل عن مدى تراجعها عن آرائها المتشددة بعد أن تصبح رئيسة للوزراء.

الجميلة الأنيقة:

e27872ae2cbcd894
“كامرأة، أدرك أنني أستطيع أن أكون جادة جدا في الكثير من المواقف ولدي في نفس الوقت شغف بالموضةودائماً أقول للمرأة كوني نفسك، لا تجعلي أحداً يفرض عليكي صورة نمطية، وإذا كانت الملابس والأحذية ستظهر شخصيتك، فلا بأس”
هكذا كان رد “تيريزا ماي” حين سُئلت عن حبها لأحذيتها وللموضة بوجه عام؛ ففور إعلان توليها منصب رئيس وزراء بريطانيا، جاء عنوان صحيفة “تليغراف”: “تيريزا ماي.. دليل أن المرأة السياسية لا تخشى الموضة”.
تشتهر “ماي” داخل الأوساط السياسية بحبها للمظهر وبصفة خاصة لأحذيتها، فهي تحرص في معظم لقاءاتها على ارتداء المعاطف المطبوعة، ذات الخياطة البسيطة الأنيقة والأحذية المريحة اللافتة للانتباه.
وفور إعلان وصولها إلى المرحلة الأخيرة من الانتخابات تأنقت “ماي” وارتدت فستانا أنيقا من اللون البنفسجي مع حذاء باليرينا مطبوع بالشفايف.
وتعليقاً على هذا الأمر تؤكد “كارين سميث” – مصصمة الأزياء- تقديرها لذوق “ماي”؛ فهي تثبت أن المرأة التي تعمل في المجال السياسي تختلف عن الرجل، وأن الأنوثة هي سلوك قوي فيما يتعلق باختيار الملابس؛ فهي سيدة تستمتع بالموضة وهذا أمر جلي في اختياراتها.

وعلى الرغم من كل ذلك التأنق، أكدت “ماي” أنها لا تمتلك مصمم أزياء خاص لكنها تفضل متجرا معينا يعرف ذوقها ويخبرها بكل ما هو جديد، فهي ببساطة وكما وصفت “تستمتع بالثياب”.

لكن يرى الكثيرون أن حب “ماي” للأحذية يفوق الوصف، فقد أثارت الجدل في العام 2010 حين كانت تحضر جلسة في البرلمان حيث تناولت تأثيرها بمظهرها على أخريات قائلة: “أحب أحذيتي، وقد أكدت سيدة أخرى أن حذائي كان السبب في دخولها عالم السياسية”.
وبحسب أصدقائها المقربين فإن “ماي” لا تخشى أن ترتدي شيئاً قد لا يتوقعه أحد لكنها دائما تؤكد: “لدي عقل وأفكر وأستطيع أن أختار أحذية جميلة، فأحد أهم التحديات التي تواجهها المرأة في مكان عملها هو أن تثبت نفسها، ولهذا فأنا أؤكد لكل امرأة أنكي تستطيعين أن تكوني ماهرة في عملك وفي نفس الوقت تحبين مظهرك وملابسك، فلا بأس أن يكون لديكي مهنة وتحبين الملابس “.

الفن في حياة ماي:
تحب “ماي” الاستماع إلى الموسيقى والأغاني، وتفضل “فرانك فالي آند ذا فور سيزون” وبصفة خاصة أغنية “Walk like a man”، بالإضافة إلى ألحان الموسيقي البريطاني “إدوارد إلجار” خاصة “تشيللو كونشيرتو”.
كما تحرص على الاستماع إلى أعمال فرقة الروك الموسيقية السويدية “آبا” التي اشتهرت في السبعينات، وبصفة خاصة “دانسينج كوين”.
كما تستمع “ماي” إلى موسيقى  البريطاني”هنري برسل”، وأوبرا “الناي الساحر”ل “موتسارت”.

السياسية التي لا يريد أحد مواجهتها:
بحسب ما وصفت “سي إن إن” فإن “ماي” ليست بالسياسية الأشهر على الساحة البريطانية لكنها الأشجع؛ فقد تولت منصب وزير الداخلية وهو المنصب الذي يحمل لصاحبه الكثير من المهام الشاقة والتي أثبتت خلالها أنها قادرة على المواجهة؛ إذ استطاعت مواجهة حالات فساد داخل الشرطة البريطانية، وخاضت معركة مع وزير المالية “جورج أوسبورن”، ويصفها زملائها بأنها الشخص الذي “لا يريد أحد مواجهته”.

عُرفت “ماي” بقدرتها على المواجهة، واشتهرت بقوتها في الرد على خصومها أو على الأسئلة التي قد تثير امتعاض البعض، فحين وصفها المستشار “كين كلارك” ب “المرأة الصعبة الدموية” أجابت قائلة: “السياسة يمكن أن تفعل الكثير”.
وحول قدرتها على إخفاء أسرارها حتى عن زوجها أكدت “ماي” أن هناك أمور لا يستطيع الإنسان أن يخبر بها أحد حتى لو كان محل ثقة.

وربما جاءت تصريحات “ليدسوم” حول الأمومة في حياة “ماي” لتوضح حقيقة رؤيتها لهذا الأمر، فقد فضلت عدم الانجاب وبسؤالها عن السبب أجابت:
“هذه حياتي الخاصة والتي أفضل أن أحتفظ بتفاصيلها لنفسي، ليس لدينا أطفال ونستطيع التعامل مع الأمر بشكل جيد، وأرجو ألا يكون أمر يهم الكثيرين، فمايزال باستطاعتي أن أفهم وأتعاطف مع الآخرين، وأهتم بتحقيق العدالة”.

ردود أفعال متباينة:
حين نالت “ماي” المنصب الجديد، جاء تعليق السياسي البريطاني “كين كلارك” بأنها سوف تمتلك مجلس الوزراء الخاص بها، وسوف تصنع قراراتها بنفسها.
فيما أكدت “تيريزا فيلرز” – وزيرة شئون أيرلندا الشمالية- والداعمة لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي لراديو “بي بي سي” أن توقع المستقبل شيء صعب للغاية فقد نرى أن يقوم رئيس الوزراء بمواجهة تحديات كبيرة، وقد نتوقع أن تستغل “ماي” مواهب حزبها.

وبعد خروجه من المشهد وإعلانه تولي “ماي” المنصب قال “ديفيد كاميرون”:
“أنا ممتن لأن ماي سوف تكون رئيسة الوزراء؛ فهي امرأة قوية، أكثر من قادرة على منح بلادنا القيادة التي تحتاجها خلال السنوات المقبلة، وسوف أقدم لها دعمي الكامل”

مستقبل بريطانيا:
بعد إعلان نتيجة الاستفتاء وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقفت “تيريزا ماي” أمام أبراج “ويستمينستر” وعلى وجهها ابتسامة نادرة ما تقابلها، قائلة: “خرجنا من الاتحاد الأوروبي، والخروج يعني الخروج، وعلينا أن نحاول تحقيق النجاح”.

يتوقع الكثيرون أن تواجه “ماي” مهاما صعبة، مهاما تتعلق بمشكلات بريطانية داخلية، مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، وإدارة لأزمة اللاجئين، وهي امرأة قوية – كما وصفها زملائها- يقارنها البعض بالحديدية “مارجريت تاتشر”، لكنها ترد على هذه المقارنة قائلة:
“أعتقد أنه لا يوجد سوى مارجريت تاتشر واحدة وأنا لست الشخص الذي لديه قدوة خاصة به، فهمها كانت المهمة التي تسند إليّ، فإنني أقوم بها على أكمل وجه، أضع بها كل جهدي، وأصل إلى أفضل ما أستطيع”.

وفي خطابها الأول بعد أن كلفتها الملكة بتشكيل الحكومة الجديدة، وفي نفس مكان “تاتشر”- “داونينغ ستريت”، في الثالث عشر من يوليو للعام 2016، تأنقت “تيريزا ماي” كعادتها وارتدت فستانا بسيطاً من اللون الأزرق والأصفر مع سترة زرقاء داكنة وحذاء مطبوع، وظهرت بصحبة زوجها “فيليب ماي” لتلقي أول خطاب لها كرئيسة للوزراء، تعهدت خلاله بمحاربة الظلم وتحقيق العدالة الإجتماعية والوحدة وتشكيل حكومة تعمل من أجل الفقراء والمهمشين ومشددة على “بناء بريطانيا أفضل”

عن الكاتب
مريم كمال
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق