الآن تقرأ
علاقات أوروبا بتركيا في مهب عاصفة ما بعد الانقلاب

تتداعى تباعاً الثقة بين تركيا وسائر أعضاء حلف شمال الأطلسي، في حصاد مبكر لمحاولة الانقلاب الغامضة في تركيا. الشك بنوايا الطرف الآخر بات سمة العلاقة، والحديث عن مغادرة تركيا للناتو يضع مصالح الجميع في ميزان الربح والخسارة

تبدو حكومة رجب طيب إردوغان منهمكة تماماً بترتيب أوضاع البيت التركي لدرجة أنها تضع أولويات العلاقات والسياسة الخارجية خارج دائرة اهتمامها.

بل إن المؤشرات تكشف عن تداعٍ سريع لعلاقة الغرب بتركيا. فقد ذكرت القنصلية الأميركية في أدنه صبيحة الثاني والعشرين من تموز/ يوليو 2016 أنّ السلطات التركية فرضت طوقاً أمنياً على قاعدة إنجرليك الجوية. كما علقت الضربات الجوية الأميركية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) بسبب إغلاق المجال الجوي التركي.

لا يسع المرء تناسي حقيقة أنّ قاعدة إنجرليك تمثل أبرز مظاهر عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والجبهة الغربية القريبة في الحرب على تنظيم “داعش”. وسبق أن حذر وزير الخارجية الاميركية جون كيري تركيا من مغبة استغلال حكومة إردوغان لأجواء الانقلاب والاحتقان الذي تلاه لقمع أعداء حزبه ووأد الديمقراطية، ملوّحا أن ذلك قد يكلف تركيا عضويتها في حلف الناتو. شتيفان بوخن، الصحفي الألماني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، أكد في حديث إلى DW عربية أن مستقبل العلاقة بين تركيا وحلف الناتو أمسى غامضاً، ففي أجواء الحرب الباردة كان الناتو حريصاً على تماسكه ولا يهتم لشكل الحكومات في بلدان أعضائه سواء كانت عسكرية انقلابية او ديمقراطية منتخبة. أما اليوم “فسوف يصعب على حكومات الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف أن تقول لشعوبها إن إردوغان ديكتاتور الغى الديمقراطية في بلده ولكن هو حليفنا”.

“مواقف أوروبا وأميركا في الساعات الأولى لمحاولة الانقلاب مترهلة”

كل الإشارات والتحذيرات التي أطلقها جون كيري ودول غربية تحدثت بشكل خجول عن تداعيات وأد الديمقراطية في تركيا وقد لا تفلح في رأب الصدع الكبير في العلاقات بين الجانبين، لاسيما أنّ جميع محاولات تركيا للانضمام الى الاتحاد الاوروبي باءت بالفشل، وبالتالي فإنّ حكومة إردوغان لا تخشى أن تخسر شيئاً لو غادرت الناتو.

بل إنّ المرارة تجاه الموقف الغربي عموماً هي سمة الخطاب التركي اليوم، والتي قد تدفع تركيا عاجلاً ودون وجل إلى مغادرة حلف الناتو أو تجميد عضويتها فيه على الأقل. وفي هذا السياق تحدث من أنقرة الدكتور محمد العادل، رئيس المعهد التركي العربي للدراسات، إلى DW عربية، مشيراً الى أنّ تركيا عاشت زلزالاً كبيراً ووجدت نفسها وحيدة خلال الانقلاب وبعده ومضى ليؤكد أنّ “قاعدة إنجرليك التي تملك تكنولوجيا عالية تستطيع مراقبة أجواء تركيا وأجواء الدول المجاورة، لم تقدم أي عون للقيادة التركية، ومن جانب آخر فإن الاستخبارات الأميركية والأوروبية التي يمكن أن يكون عندها بعض المعلومات عن تحركات الانقلابيين لم تحرك ساكناً”.

ويبدو أنّ الأتراك يحسون بنوع من خيبة الأمل، لأنّ الأوروبيين والأميركيين ترددوا في إعلان مواقف صريحة من المحاولة الانقلابية التي جرت منتصف تموز/ يوليو 2016، وهو ما وصفه الدكتور العادل بـ” المواقف المترهلة لأوروبا وأميركا في الساعات الأولى لمحاولة الانقلاب، والتي ستأثر تأثيراً مباشراً على الموقف التركي من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو” .

إذا نقلنا الحديث عن العلاقات اللوجستية العسكرية التقليدية بين تركيا والناتو إلى الجانب الميداني، حيث يخوض التحالف الدولي حرباً حقيقية على تنظيم” داعش” في سوريا والعراق وتنطلق طائراته من قاعدة إنجرليك تحديداً، فإنّ المراقب سيلحظ بوضوح ميل ميزان مصالح الغرب لكفة الخسارة إذ أبعد تركيا عن الناتو.

وزيرة الدفاع الألماني اورزولا فون دير لاين مع نظيرها التركي في قاعدة انجرليك إلى جوار مقاتلة تورنادو ألمانية في حزيران/ يونيو 2016.

” لم نشهد لتركيا دوراً في الحرب على تنظيم داعش”

قد يعتبر الغرب تركيا شريكاً لا بد منه ولا بديل عنه في الحرب على تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، الا أنّ ساسة إقليميين في المنطقة لا يرون في تركيا شريكاً واقعياً في الحرب على الإرهاب، كما كشف الصحفي والكاتب كفاح محمود كريم، المستشار الإعلامي في مكتب رئيس إقليم كردستان العراق، في حديث مع DW عربية: “لم نشهد لتركيا دوراً في الحرب على تنظيم داعش… وربما إذا أوغلنا النظر في هذا الموضوع، فإنّ هناك اتهامات جدية للأتراك منذ الساعات الأولى لسيطرة تنظيم داعش على الموصل (شمال العراق) وما جرى، في صفقة غامضة، لموظفي القنصلية التركية. تركيا منهمكة في محاربة حزب العمال الكردستاني بعد أن سمته إرهابياً”.

الدكتور محمد العادل رئيس المعهد التركي العربي للدراسات، صورة من التلفزيون

تحف الشكوك بسياسة إردوغان الخارجية ومدى تناغم مواقفه مع الغرب بشكل عام، والمراقب لا ينسى ما فعلته تركيا بالتحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية لإسقاط صدام حسين عام 2003 وكيف رفضت حكومة إردوغان الفتية جداً آنذاك أن تسمح لطيران وقوات التحالف الدولي باستخدام قاعدة إنجرليك للانطلاق إلى العراق.

وتطور المشهد في عام 2016، فقبل وقوع المحاولة الانقلابية ببضعة أسابيع، نشطت الدبلوماسية التركية في إصلاح العلاقة مع إسرائيل بشكل استراتيجي. كما نشطت بشكل سريع لخلق تقارب مع روسيا، وهو أمر أدهش المراقبين، لأن تركيا وروسيا مختلفتان بشأن سوريا وموافقهما متباعدة في تحالفات الضد.

وفي هذا السياق لفت الصحفي الألماني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط شتيفان بوخن الأنظار الى أن تركيا تتجه الى روسيا لتضعها كحليف محتمل بديل عن الغرب، وقد ارتبك مسار العلاقة بين البلدين حين أسقطت تركيا مقاتلة روسية كانت تشارك في عمليات بسوريا. لكن إردوغان سرعان ما رأب الصدع وطيّب خاطر الروس رغم أنه لم يعتذر لهم علناً. وخلص بوخن الى أنّ هناك” شبهاً كبيراً بين شخصيتي إردوغان وبوتين في كيفية رؤيتهما لنفسيهما كقائدين في نسيج المجتمع التركي والروسي”، وهو ما يمكن أن يكون سبباً لتقارب البلدين.

وختم بوخن الموضوع بسؤال: “هل تترك تركيا حلف الأطلسي وتنضم إلى روسيا كحليف؟” في الجانب الآخر، أيدّ الدكتور محمد العادل أنّ توجه تركيا في هذه المرحلة ينحو لإعادة النظر بعلاقاتها مع الغرب، مشيراً الى أنّ التحالف الدولي قد تلقى ضربة قاصمة بخسارته لحليف استراتيجي هو الأقرب ميدانياً لساحة الصراع ضد تنظيم “داعش”.

رغم تباعد وجهات النظر، فقد اتفق الصحفي الألماني شتيفان بوخن مع الدكتور محمد العادل رئيس المعهد التركي العربي للدراسات على أنّ تركيا غير محتاجة لحلف الناتو، بل إنّ الناتو هو الذي يحتاج تركيا.

 

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
دويتش فيلة
دويتش فيلة
التعليقات

أضف ردك