الآن تقرأ
الصديقات الثلاثة ( الحلقة الثانية .. سأعانقكِ في جسد إمرأة أخرى )‎

مع ساعات الفجر الأولى كانت منى قد بدأت تستفيق من آثار النبيذ وهي تسير في شارع خالي من المارة تحاول إيقاف واحدا من الميكروباصات المنطلقة على الطريق .

وقبل أن تدخل بيت عائلتها في الصف ارتدت الحجاب .. وألقت تحية المساء على أبيها الذي قام يتخبط من النعاس لصلاة الفجر، قالت بصوت منهك إنها كانت في صحبة زميلاتها وتأخرت لأن السيارة التي كانت ستوصلها تعطلت في الطريق .. ولم يكترث الأب بسماع الحجة المتكررة فتركها لتلقي بنفسها على الفراش وتستسلم لنوم عميق.

أما دينا .. فقابلتها والدتها في الصالة وهي تخلع حذائيها،وعينيها مرسومتان بخيوط من السهر والكحول.. اكتفت الأم برميها بنظرة ممتعضة وعادت للفراش.

ولاء لا ينتظرها أحد في المنزل .. والدتها متوفية منذ سنوات وأباها يعيش في انجلترا مع زوجة جديدة .. كانت تتمنى أن تجد أحدا ينتظرها لتحكي له عن هذه الليلة السعيدة .. انكمشت في سريرها كالعادة .. حتى جائتها مكالمة من كارم .. وظل يداعبها بمغازلاته حتى سقطت في النوم.

وفي شقة بالإيجار في الزمالك .. كانت فيفيان تنتظر حسين في الفراش .. بينما كان لايزال واقفا في الشرفة يتلمس نسمات باردة تلطف من احتدام الأفكار المتصارعة في رأسه .

بدأت علاقته بفيفيان من الفراش .. كانت فتاة مغامرة جاءت لمصر بعد أن انطعنت في قصة حب ببلادها، ووجد معها حسين نفسه لأول مرة جذابا لامرأة .. مما أشعره بثقة في ذاته خاصة وأنها جميلة .. كما أن علاقتهما الحرة أراحته من كل المواجهات مع تقاليد المجتمع التي كانت تقابله في محاولاته السابقة .. لكنه يشعر الآن أن علاقة بدأت من الفراش لا تعد حبا .. وتملؤه حسرة قوية على فشل قصته مع دينا .

كان أول شاب في التنظيم تنجذب له دينا وترافقه لبضعة أشهر .. ولكن سرعان ما ملت من جديته المفرطة ..

ظل للحظات شاردا يتذكر كم كانت جميلة في سهرة الليلة وترددت كلمات في خاطره أقرب للشعر .

” كان اشتياقك لي أقرب للافتراق .. وكان فراقك عني كل الاشتياق .. لا أملك إلا أن أناجيك بكلمات حزينة.. وأعانقك في جسد امرأة أخرى “.

 …………………………………..

تسير دينا في خطوط متعرجة بسيارتها الحمراء الصغيرة وسط زحام وسط البلد، تبحث في ساعة ظهيرة عن هدية عيد ميلاد لزوجها السابق.

كانت قد انتهت من تمارينها اليومية المعتادة في الثانية ظهرا، ثم مرت على كافيه لشراء كوب قهوة وقطعة كيك صغيرة، وأخذت ترتشف وتقطم منهما وهي تنظر للسيارات المكدسة في إشارة المرور من خلف الزجاج مغلق

 وعندما انفتحت الإشارة انطلقت بسياراتها مجددا، حتى توقفت عند محل صغير لبيع الإكسسوارات واشترت منه زجاجة عطر رجالي، ثم عادت للعربة الصغيرة وهي تشعر بالارتياح لأنها لم تنس تاريخ الخامس من يناير، بالرغم من مرور خمس سنوات على انفصالها. عن زوجها السابق. 
 يتقارب عمري دينا وفارس عند بداية الثلاثينات، ويتقارب تاريخ ميلاديهما أيضا فقد جاء إلى الدنيا في أول شهر يناير وجاءت هي في نهايته. لكن فارس لا يجروء على حضور عيد ميلاد دينا مع عدد كبير من أصدقاءها في التنظيم ،و لايقدر على سماع عبارات الإعجاب التي تنهال عليها، فهو لازال يشعر بالغيرة، أما هي فتحضر عيد ميلاده لأنها تعرف أن لا أحد يتذكره بسهولة
 لم تُدع  لعيد الميلاد، كالمعتاد، ولكنها كانت متأكدة أن صديقة طفولتها سلوى ستدعو فارس على الغذاء وتُجهز له هي وزوجها مجدي مفاجأة الاحتفال، تصل دينا قرب العصر بعد أن تكون المفاجأة قد انكشفت بالفعل، فتقدم الهدية وترحل بعد ساعة أو ساعة ونصف على الأكثر
 أول مرة رآها فارس كانت في نادي الجزيرة، شاهدها وسط مجموعة من المتطوعين في نشاط خيري تنظمه جمعية ذات طابع ديني، كانت  في هذا الوقت فتاة خجولة جدا في مطلع العشرينات، لا تهتم بأنوثتها، بل كانت تبدو أقرب للراهبات في زيها الأبيض الفضفاض وطرحتها القطنية الملمومة للوراء ..

لكن فارس، بعيني رجل عازب يبحث عن شريكة لحياته، استطاع أن يلمح قوامها الممشوق، وانجذب بشدة لعينيها الواسعتين.. اللتان يملؤهما إحساس بالرغبة في التفاني في جمع التبرعات .. انجذب لأعين جميلة لفتاة لم تدرك بعد مدى جاذبيتها، فشعر أنه أمام فرصة زواج لا تتكرر بسهولة

 حاول التعرف عليها بالطرق التقليدية، دعوة لغذاء في مطعم النادي أو عرض سينما ،ورفضت دعواته بطريقة محافظة للغاية، فقد كان أول رجل يطرق بابها ولم تكن تدري كيفية التعامل في مثل هذه المواقف .

 وعندما شاهدها في صحبة سلوى ومجدي تذكر تعارف قديم جرى بينه وبين الزوج في إحدى مقاولات البناء التي كان يشارك فيها بصفته كمهندس، فشعر أنه أمسك بأول طرف من الخيط. 

أفصح للزوجين صراحة عن رغبته في الزواج من دينا، وتحمست له سلوى بشدة، فهو شاب وسيم ويبدو مستقيما وينتمي لنفس الطبقة التي تربت معها سلوى ودينا في مدرستهما الدولية، فبدأت سلوى في إعداد صدف مفتعلة للالتقاء والتعارف بين صديقتها والعريس المرشح.

ومرت اجراءات الزواج كالسكين في الزبد، فقد اندفعت دينا للتجربة بغريزتها القوية لاستكشاف كل ماهو جديد، وبدت لها الحياة الهادئة في بيت فارس الكبير على أطراف القاهرة جنة صغيرة

طرقت دينا الجرس، واستقبلتها سلوى بوجه بشوش .. قبلتها بحرارة، ولامتها الصديقة القديمة على غيابها الطويل ، ثم ناولتها طبقا من بقايا ( التورتة)

دخلت بحرص على جلسة الدردشة والقهوة ودخان السجائر الكثيف المتصاعد من أنفاس مجدي وفارس، سلم عليها فارس بتوتر، كالمعتاد، وشكرها على الهدية .. لازال يتأثر برؤيتها وتترك مقابلاتها في قلبه وجعا كبيرا.
وبعد لحظات لم تتحمل نظراته الوجلة فتحججت بافتقاد سلوى لتهرب إلى وقفتها الوحيدة في شرفة المنزل.

بعد أن رحلت عن مجلسيهما، بدأ مجدي في التأنيب الهامس لفارس،

 – لماذا تعلق نفسك بهذه الفتاة حتى الآن

قلت لك ألف مرة أنا مبعلقش نفسي بحد .. دينا اللي بشوفها دلوقت واحدة تانية عمري ما حقدر أحبها

 أومال ايه نظرة الانكسار اللي بشوفها في عينيك دي
  عشان مفيش ولا واحدة قدرت تملا مكانها .. مش معقول بعد كل السنيين دي مش قادر تفهمني
 تسألها سلوى وهما يتسامران في الشرفة : ايه أخبار خالد معاكي
 وتميل دينا على ترابزين الشرفة وكأنها تريد الهرب من مواجهة عيني صديقتها القديمة : عادي ( ثم بعد لحظات من الصمت) بصراحة مش مبسوطة أوي

–          أنتِ كنتِ مبهورة بيه من شهرين .. أو على الأقل أنا فهمت كدة من كلامك معايا على الشات

–          كنت ومبقتش .. الأول كان عاجبني جنانه .. ولما قربت منه حسيت أنه فاضي أوي

–          دا فاضي أوي واللي قبله عميق زيادة عن اللزوم واللي قبله بيسيطر واللي قبله مش واثق في نفسه .. دينا أنا ابتديت أخاف عليكي

–          أنتِ أكتر واحدة عارفة أني أنهيت علاقة جواز مستقرة لأني بدور على سعادة حقيقية .. مفيش راجل جديد حيخش حياتي إلا لما يكون جدير بالتضحية دي.

يطول وقت التهامس بينهما ومجدي يعلق نظره عليهما من خلف باب الشرفة الموارب .. لا يقدر على مقاومة مخاوفه.. فمنذ انفصالها عن زوجها وهو يراقب التحولات التي طرأت على شخصيتها بقلق بالغ .. من خلع الحجاب إلى التمرد على سلطة الزوج .. بالرغم من انتقاده الدائم لها لكنه يشعر أنها كانت الأقوى بعد الانفصال .. فها هو فارس يجلس أمامه برأسه التي بدأ الشعر يتساقط منها ويزحف عليها الشيب .. ونظرة عينيه التي صارت منكسرة دائما وحياته الروتينية بين العمل نهارا وتناول وجبات الدليفري وحيدا أمام التلفاز .. أما هي فصارت ساحرة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى .

اقتحم عليهما حديثهما الهامس في الشرفة بسؤال يحمل نبرة استهزاء: ” ناويين تعملوا ثورة جديدة الشهر دا “

وردت دينا بثباتها المعتاد في مواقف التحدي: ” ومين قالك أن الثورة القديمة خلصت”

أثارت انفعاله فهو يكره بشدة أن يسمع صوتا أنثويا فيه نبرة تحدي:” أنتو مش حتهمدوا إلا ما تضيعوا البلد”

اقتربت منه وهي تتحفز لشجار عنيف :” أنتوا مين يا مجدي ! هاه “

-” الشيوعيين .. اللي عاوزين يخربوا البلد زي ما خربوا دماغك “

وبدا فارس في هذه اللحظة ظلا لرجل محطم وهو يقف في الخلف يدخن ويتابع الحديث المحتدم

قالت سلوى بصوت منزعج: ” مجدي ميصحش كدة “

وصرخ فيها زوجها بلهجة آمرة :” انتِ تسكتي خالص”

وتقدمت دينا بخطوات متوترة وهي تزيحه عن طريقها باحثة عن حقيبتها .. فهرعت ورائها سلوى محاولة استيقافها: ” دينا أرجوكي متمشيش “

التفتت لها دينا قبل أن تخرج وهي تكافح لإخفاء إحساسها بالانكسار: ” واضح أن دا مبقاش بيت أصحابي “.

…………………………………………..  

 استولى على منى هذا الصباح، وهي تقف أمام المرآة، شعورا بأنها تجاوزت قصة مؤلمة من الماضي .

دائما ما تذكر إجازات الصيف التي كانت تقضيها وهي طفلة في العمل مع أخوانها الذكور وباقي العمال في سوبر ماركت الوالد .. وكيف كان الجميع يعاملونها على أنها صبي ، قصة شعرها الرجالية، وطريقتهم الخشنة في التعامل معها .. حتى أنهم كانوا ينادونها بـ محمد لكي لا يعرف باقي العمال إسمها الحقيقي، أو ربما لينفوا عنها أي صفة للأنوثة.

وفي يوم مرتفع الحرارة والرطوبة نزلت إلى العمل بفانلة داخلية، كما يتصرف باقي الذكران في هذه الأيام لكي يقللوا من إحساسهم بالعرق، وتفاجئت وهي توضب أحد الأرفف بصبي من العمال يمر بأصابعه على ذراعها الناعم ، في البداية دفعته بعيدا عنها ولكن لما كرر نفس الفعل مرة ثانية وقفت تضحك ببلاهة .. لاحظ الأب صوت الضحك من وراء الأرفف واقتحم عليهما هذه اللحظة بصفعة خشنة على وجهها، ثم سحب الصبي من كتفه وألقاه خارج المحل .

اليوم تقف منى أمام المرآة وهي تستعرض فستانها القصير بدون أكمام ، وتميل برأسها على كتفها الأملس مثل فتيات مجلات الموضة .. ثم تتأهب لترويض الرجل الثاني في حياتها .. اليوم موعدها مع وائل في جروبي طلعت حرب.

 

–          يعني أسبوعين مبتردش على الموبيل وكمان حتقعد ساكت ووشنا في وش بعض

تمسك وائل بصمته ونظراته المؤنبة ، فتحولت لهجة منى من الترجي للتهديد

–          على فكرة أنا ممكن أنهي العلاقة دي دلوقت .. واطمن لا حعيط ولا حقطع شراييني .. قبلك كان فيه تجربتين وعدوا ولا على بالي ..

–          لو كنتِ شفتِ نظرات الناس ليك ِ وأنتِ بترقصي كنتِ أتكسفتي من نفسك

–          قولتلك تقلت في الشرب ومكنتش دارية أنا بعمل إيه

–          يبقى متشربيش تاني

–          أبويا يعني ! حتربيني من أول وجديد .. أنا ماشية .. أنا مش فاضيالك أصلا ورايا كلية وتنظيم وبلاوي سودة

وهمت بالقيام فأمسك معصمها وحول هو لهجته إلى من العتاب للرجاء :

–          منى أنتِ عارفة كويس إني مقدرش أعيش من غيرك

ثم تشابك كفيهما ، وتقاربت أنفاسهما، وآخذ يذكرها كيف كان مولعا بها منذ لقاءهما الأول، في مؤتمر سياسي بنقابة الصحفيين،و كيف افتعل بعدها عشرات المحاولات للقاءها مجددا والاعتراف بحبه .

وبعد نصف ساعة من الحديث الحميمي الذي أذاب التوتر بينهما سألها :

-حتصالحيني ازاي

-حنرقص سوا لوحدنا

– حتحزميني يعني !

–  ( داعبته بابتسامتها الطفولية ) حنرقص تانجو يا أهبل

– ماشي .. يبقى السبت الجي

عادت برأسها للوراء وهي تقلب في ذهنها مواعيد الأسبوع القادم :

-أووف .. السبت دا فيه اجتماع مهم في التنظيم .. خلينا يوم تاني

– لا مش حنخليها يوم تاني .. أنا ولا التنظيم !

………………………………………………………..

شهر يناير مليء بالذكريات والمسؤليات في حياة دينا .. ففي الثامن عشر من يناير عيد ميلاد خالد .. يحب خالد أن يتباهى بأن ذكرى مولده تتزامن مع ذكرى انتفاضة الخبز، لذا فكرت دينا أن تحتفل به هذا العام على أنغام الشيخ إمام .

عندما عاد لمنزله في المساء تفاجيء بكل أصدقاءه في التنظيم يفترشون الأرض وينتظرونه بزجاجات البيرة وأغنية ” كل ما تهل البشاير من يناير كل عام” ، ومن وسط هذا الجمع الصاخب والمداعبات التي انهالت عليه لم يكن يرى سوى دينا بأناقتها البالغة وابتسامتها التي تتملكه.

جلس الأصدقاء أزواجا وقد امتدت السهرة لتشمل كل أغنيات الشيخ إمام تقريبا، ومالت دينا برأسها على كتف خالد، بينما لم يقدر حاتم على تجنب مراقبتهما وتمنى لو استمع حديثهما الهامس.

–          دا أول عيد ميلاد في حياتي

–          بطل نصب ما انت احتفلت بيه السنة اللي فاتت مع رانيا

–          انتِ بتغيري !

–          رفعت رأسها عن كتفه في كبرياء : واضح أنك لسة متعرفنيش كويس

قبل يدها وقال بصوت خاشع : بس أنا واثق أنك تعرفيني كويس .. وعارفة أد إيه كنت وحيد وضايع من غيرك، أنتِ خليتيي أحب نفسي من جديد بعد مافشلت مع الدنيا كلها.

استرخت دينا برأسها على الحائط ونظرت له نظرة محببة وهي تدخن، تستريح دينا لفكرة أنها صنعت حياة جديدة لرجل تحبه، خاصة شاب من طراز خالد الذي كان يمكن أن يقوده الفشل العاطفي والفراغ مع دخل ثابت يأتيه من أسرته الثرية إلى ادمان المخدرات بسهولة.

انتفض حاتم من مكانه بشكل مفاجيء وقال وهو يستعرض زجاجة البيرة الفارغة أمام الجميع ” سمع هس .. حنلعب لعبة الأزازة “.

ثم أخذ يشرح فكرة اللعبة : ” الأزازة حتدور وسطنا .. واللي يجي عنده بوز الأزازة  حيقولنا .. زي انهاردة من  تلات سنيين .. كان بيعمل إيه “، وفهم الجميع أنه سؤاله عن الأيام الأخيرة قبل الثورة .

توقفت الزجاجة أمام خالد، فابتسم حاتم ابتسامة خفية وكأنه حقق غرضه من اللعبة، نظر خالد بتملل ولم يتحمس للحديث ، فقال حاتم بصوت خطابي وسط الجمع ” أنا ممكن أقولكم الأستاذ خالد كان بيعمل ايه .. كان بيلعب درامز .. ومشاركش في الثورة غير بعد موقعة الجمل” وبدا حاتم وهو يضحك بعصبية وكأن به شيء من الثمالة.

ثم دارت الزجاجة مرة أخرى ” ودلوقت الدور على المثقف الماركسي العظيم الأستاذ حسين”

قال حسين الذي بدا أكثرهم استفاقة ” أنت عامل اللعبة دي عشان تتريق علينا يا حاتم “

-” العفو .. هو أنا بقول غير الحقيقة .. الأستاذ حسين عدى علينا في الاجتماع وادانا محاضرة عظيمة عن أسباب صعود وانهيار الفاشية في أوروبا .. وفي الآخر قالنا مصر في حالة احتجاج لكنها مش مقبلة على ثورة، وسابنا ومشي”.

قامت دينا وورائها خالد إلى غرفة جانبية وبدا عليهما التملل من اللعبة ، رماهما حاتم بنظرة ساخطة ثم عاد لإدارة الزجاجة وسط الجمع ” المرة دي عند الغلبانة مريم .. تصدقوا أهي مريم دي أجدع واحدة فيكم .. الوحيدة اللي كانت متفقة معايا يوم الاجتماع أننا داخلين على ثورة ويمكن نشيل الرئيس “.

– ( قالت مريم )” بلا نيلة دا انا كنت أخوان ساعتها”

-“بس كنتِ جدعة وجيتي بمخالفة رأي الجماعة”.

وبعد أن انتهت اللعبة أخذ حاتم يتحدث عن دوره في تنظيم يوم 25 يناير 2011 ، وبدت في حديثه لهجة مريرة وهو يقول ” في كل مرة أنا اللي بشيل الخرا فوق دماغي .. أنا اللي بهيأ المسرح عشان اللي زي خالد يدخلوا يهتفوا ويلعبوا دور البطولة”.

لم يكن خالد مهتما في هذه اللحظة بما يقوله حاتم، فقد كان ينتزع قبلات خاطفة من دينا في غرفة النوم، كانت دينا تقاوم غوايته لكن القبلات كانت لذيذة وهي تشعر بالنعاس بعد زجاجة بيرة واحدة، ولم تتدارك نفسها وهي تنسحب إلى السرير، خالد نفسه تفاجيء بذلك، رأى ملامح الكبرياء المعتادة تنسلت من وجهها، وبدت عينيها مستسلمتين للنشوى في مشهد آسر.. فشعر في هذه اللحظة أنه أكثر أهل الأرض رجولة، ها هي الفتاة التي كسرت قلوب أكثر رجال التنظيم جاذبية، في النهاية ليست أكثر من امرأة تشعر بالضعف أمام رجولته.

وقبل أن يتم شهوته توقف لثواني ليخرج الواقي الذكري من جيبه، فتفاجيء بدينا وهي تدفعه للوراء.. ظن أنها تتدلل فعاد مجددا، ولكنها دفعته بعنف هذه المرة.

 

انتزع حسين رفيقه حاتم من لعبة الزجاجة التي بدأ الكل يمتعض منها وأخذه جانبا ليناقشه في خلاف دار بينهما في أخر اجتماع بالتنظيم، وكانت المجموعة قد قررت التحول من موسيقى الشيخ إمام إلى الروك الصاخب، بعد أن بدأوا في تدخين الحشيش

–          حاتم متخليش احساسك بالغضب يدفعك لحماقات، أنت ليه مُصر على تنظيم مظاهرة يوم 25

–          المظاهرات بقت حماقات !

–          الشارع كله ضدنا

–          حتفضل طول عمرك معزول عن الناس ومش حاسس بيهم، فيه ملايين زينا مش مع العسكر ولا الأخوان .. مستنيين حد يرفعلهم الراية عشان يمشوا وراه

وتدخلت مريم في الحديث بعد أن شعرت بالنفور من أجواء الحشيش والموسيقى الصاخبة : أنا مع حاتم .. حتى لو مقدرناش نحشد بكرة حنبقى وصلنا رسالة ، وناس كتير حتضم علينا مع مرور الوقت

ربت حاتم على كتفها في حماس شديد : مش قولتلك مريم أجدع واحدة فيكم .

وانسحبت دينا وسط الموسيقى الصاخبة ولم يلتفت أحد لرحيلها.

…………………………………….

في تمام الساعة العاشرة كانت ولاء تفتح باب شقة كارم بنسختها الخاصة .. وخلال ساعتين أعدت له مائدة فاخرة من ” الستيك ” و” الاسباجتي ” ونبيذه المحبب.

اعتاد كارم أن يتمشى في وسط البلد حتى منتصف الليل وهو يفكر في مشروعاته الكتابية، وكان قضاءه باقي السهرة وحيدا في المنزل يثير في نفسه كئابة شديدة، لذا شعر اليوم بابتهاج شديد عندما وجد مفاجأة ولاء في انتظاره.

بعد العشاء مكثا سويا في الفراش يتصفحان مجموعة جديدة من الكتب جلبها صديق لكارم كان في زيارة لانجلترا .. أثارت الكتب مناقشات بينهما عن هيجل وتروتكسي ثم قفزا لحقبة فوكو وداريدا وكانت ولاء تشعر بالانبهار من تدفق أفكار كارم وتحاول مجاراته في النقاش بقدر الإمكان.

وعندما أصابهما الإنهاك غرقت برأسها في صدره وظلت تقبل شعراته البيضاء حتى غلبها النوم، ومع نور الفجر باغتتهم نوبة يقظة فاندفعا في لحظة حب حميمية بنشوى بالغة .

في الصباح كان كارم لا يزال نائما في فراشه كطفل كبير .. أما هي فوقفت ترتدي البالطو القصير أمام المرآة وتميل قبعة جديدة فوق رأسها إمالة خفيفة تُشعرها أنها في منتهى الأناقة، ثم رحلت عن هذا البيت الدافيء وهي ممتلئة بالثقة في أنها أخيرا عرفت طريقها للحياة السعيدة.

 

…………………………………….

 

اعتادت دينا أخذ رأي منى في كل قصة شعر جديدة قبل الظهور بها أمام باقي الأصدقاء، بالرغم من أن منى تصغرها ببضعة سنوات لكنها سبقتها في مشوار التحرر من أزياء الأسرة المحافظة،  وكانت بينهما ذكريات ونقاشات طويلة أمام المرآة وقت أن قررت دينا خلع الحجاب.

منى كانت معجبة بشدة بالطريقة التي قصرت بها دينا شعرها هذه المرة حتى صارت أقرب للمظهر الرجالي، ساهم تقصير الشعر في إبراز عنقها الطويل وابتسامتها العريضة، وطبعا عينيها الساحرتين.

دخلت عليهما ولاء بشكل مفاجيء، كعادتها، وقالت وهي تظهر في خلفية صورة المرآة بصورة متطفلة ” يابختك ياخالد .. مفيش أجمل من كدة “.

قالت منى بطريقتها الساخرة : دينا فركشت مع خالد

–          أومال القَصة الحلوة دي عشان مين

ردت دينا وهي لا تزال تعلق عينيها على صورتها في المرآة : عشان نفسي

 

انسحبت ولاء من صورة المرآة وذهبت تبحث عن علبة السجائر في حقيبة يدها وهي تسألهما:

مجيتوش اجتماع التنظيم ليه .. احنا خدنا قرار نتظاهر يوم 25

قالت دينا : أنا قرفانة من كل حاجة .. كنت محتاجة أعمل أي تغيير في حياتي

وقالت منى : أبويا كلمني عشان كان محتاجني في المحل طول اليوم

قالت ولاء بلهجة مداعبة وهي تضع لمنى سيجارة في فمها : بلاش كدب .. أنا شفتك وانتي بترقصي مع وائل

نفخت منى النفخات الأولى من سيجارتها في ضجر وهي تقول : أيوة مانا عديت على أبويا الاول وبعدين رحت لوائل

وتمشت ولاء في الشقة وهي تتندر من كذب منى المفضوح : أهي دي العلاقات اللي تجيب ورا .. أنا حبيبي بيزقني لقدام .. اجتماعات .. تثقيف .. وقريب حقدم على منحة الدكتوراة ويمكن نسافر أوروبا سوا .

سألتها منى : أنتِ عايشة معاه ياولاء؟

 -دخلت بيته واتدفينا في بعض

فتدخلت دينا في حديثهما وكأنها تحدث نفسها : أهي دي الحاجة اللي لسة مقدرش عليها .. لسة جوايا حاجة بتقولي حرام.

ثم عادت تنظر لوجهها في المرآة .. تشعر أنها فقدت إيمانها بكل شيء .. إلا بوجهها الجميل، هذا اللون من الإيمان الذي يتركها فريسة للقلق وهي تراقب الزمن وهو يعبر فوق ملامحها في كل يوم ويقتطف قطعة صغيرة من سحرها الجذاب.

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
محمد جاد
محمد جاد
التعليقات

أضف ردك