الآن تقرأ
ميس إيجيبت .. سرد روائي لسيرة الانتهاك

لم تكن “نفرت جاد” هي القتيلة٬ لم تكن نفرت جاد هي التي إنتهكت وشوهت معالم جسدها٬ بل نحن الذين أدمنا القبح وتماهينا معه٬ صار ملمحا عاما في تفاصيل حياتنا وأيامنا٬ من أول تشوه علب الكبريت الأسمنتية الكالحة٬التي سميناها إعتباطا أبراج فارهة وما تعج به من زوايا تنشر التخلف والإرهاب٬ مرورا بتلال القمامة التي لم تسلم منها حتي الميادين الشهيرة والشوارع الكبري في قلب الأحياء الراقية٬ وليس إنتهاءا بمظاهر التحرش بالنساء والفتيات٬ خاصة غير المحجبات منهن٬ سواء بالقول أوالفعل. نعم تلطمنا الكاتبة الروائية” سهير المصادفة” بتلك الحقيقة المؤلمة التي نتجاهلها٬ وفي طبعة جديدة من روايتها “ميس إيجيبت” الصادرة مؤخرا عن دار سما .سرد روائي يرصد سيرة إنتهاك مصر وشعبها من قبل من انقلبوا علي مبادئ ثورتهم٬ علي الأقل فيما يخص محاربة الإقطاع والإقطاعيين٬ وصاروا هم الإقطاعيين الجدد.

“محمد العريان”الذي مازال يحتفظ بخطاب طرد الملك فاروق من مصر٬وواحد ممن أشرفوا علي لجان مصادرات قصور الباشوات٬ ليحتلها هو وغيره من أعضاء تلك اللجان٬ ليصير باشا آخر وكأن شيئا لم يتغير سوى أسماء الباشوات. وعبر مائتين صفحة من القطع الصغير ينكأ الراوي (العليم) القيح المزمن اجتماعيا وسياسيا من أول قيام ثورة يوليو مرورا بحقبة السبعينيات الفترة التي أطلق فيها السادات شياطين المتأسلمين من عقالهم ليوغلوا في عصب مصر ودماء شعبها٬ وصولا إلي الألفية الثانية من خلال جريمة قتل نفرت جاد ميس إيجبت أو Miss Egypt .

نفرت التي لم تتخط عامها الثامن عشر بعد٬ لتنتهي أحلامها في أن تكون ملكة جمال مصر ومن ثم ملكة جمال الكون٬ تقتل ببشاعة ويتم التمثيل بجسدها الغضّ. لم تكن جريمة قتل نفرت جاد جريمة قتل أنثى٬ إنما هي قتل الجمال٬ قتل الحضارة المصرية وروحها التي تآكلت أمام غزو التصحر البدوي وبدائيته. قاتل نفرت والذي إرتكب جريمته متسترا متخفيا بنقاب٬ في إشارة إلي دمامة ذاك الزي وإتخاذه عنوانا لأي جريمة وفرار مرتكبها٬ لم يكتف بجريمته بل يمررها لغيره ٬ فبعدما نفذ المجرم الإرهابي جريمته٬ يتبرع بنقابه “لو إنني مكان القاتل لغسلتهما جيدا بيدي علي الرغم من أنني كنت حريصا ألا ألوثهما بالدماء٬ ولكويتهما أيضا بيدي ولوضعتهما في حقيبة بلاستيكية شيك مكتوب عليها مثلا”سيتي ستارز”ولتبرعت بهما لأحد الجوامع أو الزواية حتى تستر أخت مؤمنة ما جسدها٬ وعليكم بالتالي البحث عنهما في منازل مليون إمرأة علي الأقل٬ وليس سؤالي أنا عن ملابس النساء”.

خلال رحلة البحث عن قاتل نفرت٬ نتعرف علي الملامح الأساسية المكونة لشخصيات الرواية المتعددة بتعرجاتها النفسية المتباينة وتراكماتها المختلفة. نوع من التعسف تصنيف” ميس إيجيبت” بأنها ذات موضوع سياسي٬ وإن كانت تبحث عن أسباب غياب الجمال وحلول القبح والقيح محله٬ إلا أن بها حس نسوي عال تجلى في شخصيات الرواية من النساء . فلا يمكنك بأي حال من الأحوال إلا أن تتعاطف مع”لوسي” العاهرة التي تعايرها إبنتها دائما بمهنتها لكنها في الوقت ذاته لا تتردد في الإنتفاع منه والعيش في رغد حال من أموال تلك المهنة٬ بل أن لوسي تخدم جيرانها وأهالي شارعها٬ فلن تجد بيتا إنقطعت عنه المياه أو الكهرباء أو خدمة الهاتف٬ إلا وكانت لوسي تتصل بالمسئولين لإصلاح تلك الأعطال.” يقولون أن شارع تحتمس بالهرم لولا لوسي ما رصف أبدا٬ وما تم تشجيره وتجميله بهذا الشكل٬ يقولون ما انقطعت حرارة تليفون قط في شارعها ولا عند معارفها وأقاربها٬ ما تأخرت ولا سحبت رخصة سيارة في المرور تخص لوسي أو أحباءها”.

في إشارة أخرى عن الفساد الإداري والحكومي وهو ما يستدعي التساؤل: هل علينا أن نصادق العاهرات لتحل شكوانا مع الأجهزة التنفيذية الحكومية ؟!!. علي النقيض من لوسي سنجد الشخصية الأكثر روعة في الرواية”كمالة” النموذج المثال كما يريده الرجل أو كما أوهم النساء بأشعاره وكلماته وأغنياته٬ كمالة الأنثى الخانعة المنتظرة المتبتلة في حب أفلاطوني لسيدها”تاج العريان” حتي أنها تمضي عمرها مع ذكرياته المتعفنة.

إنه النموذج الذي أقنع به الرجل المرأة أن تكونه٬ خدعها ..ضللها ٬وهنا نجد شخصية “نسل شاه” زوجة تاج الدين صدى آخر من تلك الخدعة لمقاييس المرأة المثال التي لا تتأوه تحت رجلها حتي ولو كان زوجها تحت دعاوي التقاليد والعادات٬ ومن ثم يبحث عما يفتقده في فراشها البارد لدى أسرة الغانيات بعد أن يخلفها ورائه بعشرات الكيلوهات من الدهون والشحوم٬ يتحسر على جمال نفرت الذي قضى بتشويه جثتها٬ وكأن لسان حاله لماذا تعيش نسل شاه البدينة وتقتل نفرت الجميلة بمقاييسه التي إعتمدها؟!! وهو ما ألحت عليه الكاتبة في شخصية لوسي أيضا٬ والرعب الذي يبثه الرجال لدى النساء من العمر والتقدم فيه وما يتركه الزمن من أثاره علي ملامحهن.”إمرأة تقترب من الخمسين خفت كثافة شعرها٬ وبدأت الخيوط الدقيقة الكثيرة تظهر تحت عينيها٬ تقضي وقتها كله في محاربة شبح لا يكف عن العبث في جسدها٬ يغير شكل استدارة ردفيها٬ ويملأ بالدهون فخذيها وبطنها٬ ويفسد التفاف ساقيها وذراعيها٬ فتغطي كل يوم جسدها بمسحوق الترمس والليمون٬ وتضع علي وجهها أقنعة الخيار وعسل النحل”. لم تسأل لوسي نفسها لأجل من تخفي سنوات عمرها٬ هل من أجل أيمن بركات الذي لفظها بعدما رأي إبنتها٬ ولحساب من ضاعت تلك السنوات التي تريد إخفائها؟! إنها المقاييس التي وضعها الرجل وخدع بها المرأة وهي كالبلهاء إنساقت إليها ولم تتمرد عليها لصالح ذاتها في المقام الأول .
“ميس إيجيبت” لبنة أخرى تضاف إلي مشروع سهير المصادفة الروائي٬ مشروع البحث عن الجمال والحضارة٬ عن المحبة ومثل الحق والخير والجمال٬ وإن كان ذلك عبر سردية سيرة الإنتهاك.

(Visited 277 times, 1 visits today)
عن الكاتب
نضال ممدوح
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق