الآن تقرأ
 الحب الذي لا نعرفه ولا نمارسه

 

ربما لن يكون كلامي هنا جديدا تماما، غير أني أزعم أن فيه بعض المعاني الجديدة التي لم يتطرق إليها أحد من قبل.

لن يكون مقالا رومانسيا رغم أنه يدور عن الحب العاطفي بشكل أساسي، ولكنه يتعمق قليلا في ما وراء هذا الشعور النبيل الفردوسي الرائع.

وأهمية توضيح هذه المعاني تنبع من إساءة فهمها وخلطها مع معان أخرى، ربما لا تمت لها بصلة أو تربطهم صلة غير مضبوطة المنهج والأصل.

إن الحب الذي يُصدّر إلينا في الأفلام الأجنبية والذي انتقل بقدرة قادر ونقل جاهل إلى أفلامنا العربية وأصبح واقعا معاشا في مجتمعاتنا الإسلامية العربية المفترضة، هو في الحقيقة حب مشوه غير حقيقي لن يصل في الواقع إلى النهايات السعيدة التي نشاهدها في الأفلام في العادة، وهو أيضا ينبثق من فلسفة مختلفة كلية عن مرجعيتنا التي من المفترض أننا نؤمن بها وتشكل منهج سلوكنا وأفعالنا وهو يعبر عن هذه الفلسفة المختلفة أيضا.

ومن هنا سأبدأ حديثي عن المعاني الجديدة التي في رأيي تختلف عن المعاني التي اعتادنا سماعها وترديدها عندما يتعلق الأمر بعلاقة عاطفية بين شاب وفتاة.

..

الحب في لغة العرب عندما يتحدثون عن حب فتاة هو العشق والرغبة، ونلاحظ في هذا المعنى كيف أنه يتعلق بشكل أساسي بالصورة والرغبة الجسدية، ولذلك عندما يريد العرب سواء قديما أو حديثا أن يفرقوا بين الحب بهذا المعنى والميل المادي وبين الوصال الروحي فيضيفوا وصفا لكلمة الحب فيقولوا “الحب العفيف” أو “الحب العذري”.

وعرف بعض الفلاسفة الحب بأنه ميل إِلى الأشخاص أو الأشياء العزيزة ، أو الجذابة ، أو النافعة، وفي هذا تأكيد أيضا أن الحب بمعناه المجرد يتعلق بالصورة الظاهرة والرغبة الطاغية.

ولم يتحدث القرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحب العاطفي بين الرجل والمرأة – الذي يسبق الزواج – اللهم إلا في حديث صححه الألباني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه “لم ير للمتحابين مثل النكاح” ردا على رجل جاء يسأل النبي في يتيمة جائها خاطبان أحدهما موسر والآخر معدم وهي تهوى المعدم.

إن الحب من هذا المنطلق هو أمر قلبي حتمي لا يتحكم فيه الإنسان، غير أنه في نفس الوقت يتعلق بصورة الإنسان المحبوب ومظهره ومدى استثارته لرغبة حبيبه، فيتعلق القلب بالمحبوب ويرغب فيه ويظن أنه بذلك تعلقت روحه به، وهذا أمر فيه نظر.

وبالمناسبة في الإنجليزية كلمة الحب تعني Love في حين تعني كلمة إقامة علاقة حميمية To Make Love، مما يشير إلى دلالة جسدية جنسية مهمة لمعنى كلمة Love، كما تعرف المعاجم معنى الفعل بـ feel deep affection or sexual love for (someone).

..

أنتقل الآن للحديث عن تصور القرآن للزواج، والصفات الرئيسية التي ذكرها وربط الزواج بها حيث قال تعالى في سورة الروم الآية 21:

“ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”

فجعل الصفات الرئيسية للزواج لعلنا نتفكر هي السكن والمودة والرحمة، وهنا أجد نفسي مجبرا على ملاحظة أمرين:

الأول: أنه لم يرد ذكر للحب.

الثاني: ارتباط صفتان من الثلاثة بصفات واسماء ربانية إلاهية.

لم يرد في وصف الله لنفسه أو في أسمائه أنه “محب”، غير أنه ورد أنه تعالى الرحمن الرحيم الودود، هذا الربط الذي أراه عجيبا بين الصفات والاسماء الربانية والصفات الرئيسية في الزواج هو أمر من الأهمية بمكان ويشير إلى أمران:

الأول: أن الحب – عشق الصور – ليس أمرا فاصلا في الزواج وفي العلاقات العاطفية، وإنما ما يفوقه أهمية بل ما لا يستغنى عنه هو المودة والود والرحمة.

الثاني: أن العلاقات الزوجية تتسم بقدسية عظيمة تضاهي قدسية الصفات التي وصفها بها الله عز وجل، لا يكافئها مال أو ذهب أو عادات بالية.

والمودة والرحمة معنى أكثر عمقا وشمولا من الحب، حيث أن المودة في لسان العرب هي المحبة والوئام ومعنى الوئام هنا مهم ومفصلي للغاية، كما يعني الود وهو أصل المودة في اللغة كثير الحب.

ويتضح من المعنى اللغوي كيف أن استخدامها يأتي على مستوى روحاني يتصف بالنقاء والعمق، والسمو عن الصور والرغبات الجسدية.

وعرف بعض علماء النفس المودة بإنها شعور بالانسجام بين شخصين أو أكثر ينبع من الاحتكاك الاجتماعي والعاطفي الدائم.

والمودة احتياج نفسي، فوجودها يحل إشكالية حاجة نفسك إلى الحب والسكينة والأمان، أما الرحمة فهي بذل نفسي ومجاهدة نفس، ويحل وجودها إشكالية حاجة شريكك إلى التجاوز والتسامح والعطف والشفقة، ووجودهما معا ينتج علاقة عاطفية زوجية متكاملة روحانية عميقة.

إن العلاقة العاطفية الزوجية علاقة إيمانية عميقة في صلبها، إنها لا تعتمد في أصلها على شروط إذا أخل بها أحد الطرفين سقطت أو على اشتراطات مسبقة بعدم التغير وتبدل الأحوال والأفكار، وإنما تعتمد في أصلها على المودة والرحمة والسكن والثقة والثبات والمشاركة والعون، فإذا ذهب هذا الأصل احتكمنا للحقوق التي بينها الله كي لا تضيع حقوق العباد في خضم المشاعر العبثية، ربما لذلك وصفها الله بصفات إلاهية حيث تشترك قدسيتها مع قدسية الإله في كون الإيمان بها وبشريكك فيها إيمان عميق لا يعتمد إلا على صفات روحانية تستطيع تذوقها لا لمسها.

وهذا للأسف عكس ما يعتقده الناس في الواقع وما يحتكمون إليه في سوق الزواج، ولذلك أصبح الزواج مصدرا للتعاسة بدلا من السكن والسكينة.

..

إن الحب إحساس فردوسي ممتع وحالم ومثالي في أغلب الأوقات، غير أنه إذا لم يقترن بالمودة والرحمة والسكن، زال وتغير مع الزمن، كما تتغير الوجوه والصور والرغبة ويزول رونقهم إذا عفى عليهم الزمن.

الحب لا يكفي، والمودة والرحمة تكفي وتفيض.

الحب من الدنيا، والمودة والرحمة من الجنة.

الحب نزعة بشرية، والمودة والرحمة فيض روحاني رباني.

إننا نمارس الحب، ولا نمارس المودة والرحمة والسكن، وهم الحب في أعمق صوره أو بالأحرى وهم الذين لا يستقيم الحب ولا يستمر إلا بهم لأنهم الأساس بعكس ما تصور لنا الأفلام الهابطة.

واجتماعهما – أي الحب والمودة والرحمة والسكن – هو الصورة المثالية للتصور الإسلامي للعلاقات العاطفية الزوجية في رأيي.

عن الكاتب
محمد اسحاق
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق