الآن تقرأ
تهجير يهود الفلاشا وأثره على الأمن القومي المصري (3 / 4 )

حرصت إسرائيل كل الحرص على ضرورة تهجير اليهود الإثيوبيين ” الفلاشا “ إليها ، وأخذت تضغط على النظام الإثيوبي في أديس أبابا ، وذلك باستخدام ورقة المساعدات الاقتصادية والعسكرية لدعم هذا النظام ، وفي واقع الأمر فإن هجرة اليهود الإثيوبيين تعد حافزًا لتوطيد التعاون بين كل من إسرائيل وإثيوبيا ، وهذا يحقق مطامع وأهدافًا استراتيجية إسرائيلية تؤثر على الأمن القومي العربي بصفة عامة ، والأمن القومي المصري بصفة خاصة.

وقد أوضحت سابقًا أن هدف المقال توضيح أبعاد التغلغل الإسرائيلي في إثيوبيا ، ومظاهر هذا التغلغل الإسرائيلي التي تتضح من خلال عمليات تهجير الجاليات اليهودية في إثيوبيا ” يهود الفلاشا “ ، وتحليل المصالح المشتركة بين كل من إسرائيل وإثيوبيا ، وعلاقة ذلك بالأمن القومي المصري ، وسيتم تناول هذا الموضوع من خلال أربعة أجزاء .

وقد تناولنا في الجزء الأول أهمية الهجرة إلى إسرائيل ، وزيف صبغ الهجرة إلى إسرائيل بالدينية ، وتناولنا في الجزء الثاني هوية يهود الفلاشا ، والاتصالات اليهودية – الفلاشية ، وتهجير الفلاشا إلى إسرائيل ، وأحوال الفلاشا في إسرائيل ، أما في الجزء الثالث الجديد سيتم تناول تهجير الفلاشا والأمن القومي المصري ، وسيتم توضيحه من خلال بعدين ، وسنكتفي في هذه المرة بتوضيح البعد الأول فقط وهو ” السياسة الإسرائيلية في إثيوبيا “.

البعد الأول : السياسة الإسرائيلية فى إثيوبيا

1- أهداف استراتيجية :

ذهبت إسرائيل تفتش منذ اللحظة الأولى لوصولها إلى مياه البحر الأحمر عن مرتكز في حوض هذا البحر، والتقت مصالحها مباشرة مع أطماع إثيوبية الساعية بدورها منذ عهد      ” منليك ” إلى الوصول إلى سواحل البحرالأحمر والتحكم بمضيقه الجنوبى ، واستطاعت إثيوبيا في ظل الدعم الأمريكى عام 1952 أن تقيم إتحادًا فيدراليًا مع إريتريا تمهيدًا لاحتلالها عسكريًا ثم ضمها إلى الإمبراطورية الإثيوبية عام 1962.

وفى مواجهة الدعم العربي لثورة الشعب الإريتري اندفعت إثيوبيا بتوثيق علاقاتها مع إسرائيل لتحقيق الأهداف المشتركة التالية :

  • كسر الطوق العربي فى البحر الأحمر.
  • نزع الصفة القومية عن هذا البحر.
  • جعل شواطيء إريتريا وجزرها تحت السيطرة الأمريكية ، والإسرائيلية .

وقد استغلت إسرائيل خرافة الأصل العرقي المشترك التي يؤمن بها هيلاسلاي حيث يعتبر نفسه من أحفاد النبي سليمان من زوجته بلقيس ملكة سبأ ، ووطدت دعائمها في إثيوبيا      وإريتريا ” المحتلة ” في ذلك الوقت ثم التفتت إلى تحريك أطماع إثيوبيا وسائر دول المنبع  في حوض النيل بشكل سافر عن طريق تشجيع مؤسسات الدراسات الاستراتيجية الأمريكية ،         والبعثات إلى الدول الإفريقية المتحكمة في منابع النيل ، وعن طريق تشجيع الشركات الأمريكية الواقعة تحت التأثير الصهيوني لتنفيذ مشاريع للري في إثيوبيا ودول الحوض.

وكان هدف هذا التطور في العلاقات الإثيوبية – الإسرائيلية  من جانب إسرائيل يسعى   إلى :

( أ ) استخدام إثيوبيا كورقة ضغط مائية علي مصر لإجبارهسV دول ا على تنفيذ المشروع القاضي بمد قناة ” ترعة السلام ” من صحراء النقب لتغذيتها بنسبة 1% من حصة مصر في مياه النيل .

( ب ) إعداد إثيوبيا لدور مركزي إقليمي أكثر أهمية تدور في فلكه دول مجمع البحار أي الدول المشرفة على مضيق باب المندب ودول مجمع الأنهار أي الدول المشرفة على حوض النيل      وذلك في إطار ترتيبات جيو – سياسية أبرز ملامحها :

  • إنشاء كيانات صغيرة وضعيفة من حول إثيوبيا ، وهي إريتريا التي أصبحت دولة مستقلة في أبريل 1993 ، والصومال وأوغندا وجنوب السودان التي سعت حركة جون جارانج إلى إعلانها كدولة منفصلة حتى تم انفصالها.
  • إستخدام إثيوبيا قاعدة أمريكية – إسرائيلية يسهل من خلالها السيطرة على هذه المنظومة الإقليمية ، وبالتالي إحكام الطوق على المنطقة العربية وشقها في وسطها عبر محور إثيوبيا – إسرائيل – تركيا .
  • توثيق علاقة هذه المنظومة الإفريقية بإسرائيل ، وهذا ما أكده الرئيس الإريتري ، ورئيس حكومته ، وذلك بإقامة علاقة ودية مع إسرائيل.

ومن هنا تمحورت الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية والأمنية والسياسية والعسكرية

لإسرائيل حول :

  • ضرورة أحكام الطوق على ستة دول عربية وهي ، مصر والسودان والصومال

وجيبوتى والسعودية واليمن

  • السيطرة على السوق الإثيوبية ومن خلالها على السوق الأفريقية.
  • زيادة أواصل الروابط بين إثيوبيا ، واسرائيل عن طريق تهجير يهود الفلاشا إلى إسرائيل.

ولهذه الغايات والأهداف أنشئت فى أديس أبابا شركة إسرائيلية أطلق عليها : ” أميران ” للإشراف على العلاقات الإقتصادية والتجارية والفنية مع إثيوبيا ، وهذه الشركة هي فرع  لشركة   ” كور” ومقرها امستردام تشرف على تجارة الكيان الصهيونى مع أفريقيا ، وهي بدورها فرع لشركة ” بلوتون ” مقرها تل أبيب ، يضاف إلى ذلك ، وجود طائفة اليهود الفلاشا فى إثيوبيا حيث عمل الإسرائيليين على تهجيرهم إلى فلسطين ، ليصبحوا بمثابة المتراس الأول فى وجه العرب على الحدود الإسرائيلية.

وهكذا يبدو أن التغلغل الإسرائيلي إلى إثيوبيا يعني بمواصفات إسرائيل الكبرى مشروع حرب دائمة ضد العرب ، يتولى العنكبوت الصهيونى نسج خيوطه للإستفادة من منابع النيل والبحر الأحمر والقواعد العسكرية ، ويتضح من ذلك أن الهدف الذي لابد أن يحظى بالأولوية المطلقة لدى مخططي السياسة الإسرائيلية اليوم هو محاصرة مصر في مياه النيل ، وسحب هذه المياه عبر القناة إلى النقب مرورًا بسيناء ، وسياسة التهجير اليهودي لتكون بمثابة خط الدفع الأول ضد أي هجوم عربي أو مصري محتمل.

وقد شهدت العلاقات الإثيوبية – الأسرائيلية تطورات مهمة  تمثلت فى :

  • تطوير التعاون فى المجالات كافى، حيث منحت إسرائيل إثيوبيا فى نوفمبر 1989

معونات اقتصادية.

  • محاولات تهجير اليهود الفلاشا إلى إسرائيل .
  • إقامة مشاريع مائية على النيل الأزرق بمساعدة إسرائيلية.

وهكذا يتضح أنه بالرغم من دوافع كل من إثيوبيا وإسرائيل للتقارب والتعاون بين كل منهما ، إلا أن هذا التقارب يحقق مصالح مشتركة للطرفين .

فمن وجهة النظر الإسرائيلية ، تعتبر إثيوبيا الدولة الوحيدة غير العربية التي كان لها شواطيء على البحر الأحمر قبل انفصالها عن ” إريتريا ” ، الذى يعتبر الوسيلة التي لاغنى عنها لإسرائيل للتغلغل فى القارة الإفريقية ، من ناحية أخرى تضمن إسرائيل تطوير علاقاتها مع إثيوبيا تهجير” الفلاشا ” للقضاء على الهاجس الإسرائيلي بالتفوق الديموجرافى العربي في إسرائيل مستقبلًا ، هذا إضافة إلى التعامل مع مصر والسودان من منطلق الضغط بشأن توصيل مياه النيل إلى صحراء النقب عبر سيناء.

ومن الوجهة الإثيوبية ، تحقق العلاقات مع إسرائيل إمكانية قيام هذه الأخيرة بدور فى تحسين علاقات إثيوبيا بالولايات المتحدة ، والحصول على مساعدات عسكرية إسرائيلية تمكن النظام الحاكم من مواجهة حركات التمرد الداخلية.

2- أهداف خاصة بالجالية اليهودية ” الفلاشا ” :

إن العامل الديموجرافي هو من العوامل الحاسمة في مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي ، ولذلك فإن إسرائيل تحرص كل الحرص على تهجير يهود العالم إليها ، وإلى جانب ذلك فهناك هدف آخر لتشجيع هجرة يهود العالم إلى إسرائيل ، وهو موازنة أو تعويض حركة الهجرة اليهودية من إسرائيل إلى غيرها من دول العالم ، فى هذا الإطار كانت إسرائيل تعمل على توطيد علاقاتها منذ إنشائها بالجالية اليهودية فى إثيوبيا ، وجعلها أداة لتنفيذ سياستها ليس فقط فى إثيوبيا وشرق إفريقيا بل فى إفريقيا كلها ، حيث حرصت كل الحرص على ضرورة تهجير اليهود الإثيوبيين ” الفلاشا ” .

وأخذت تضغط على النظام الإثيوبى فى أديس أبابا ، وذلك باستخدام ورقة المساعدات الاقتصادية والعسكرية لدعم النظام الإثيوبى فى مواجهة المتمردين والحركات الانفصالية ، وكذلك ضغطت إسرائيل على إثيوبيا بورقة تحسين العلاقات بين أديس أبابا وواشنطن مقابل ترحيل الفلاشا إليها ، وبالفعل تم التخطيط لذلك ، وكانت الحركة الأولى من عام 1984 – 1985 والتى أسفرت عن هجرة  14 ألف يهودي إثيوبى إلى إسرائيل والتى عرفت باسم ” عملية موسى ” ، وجاءت الحركة الثانية فى مايو 1991 ، والتى عرفت ” بعملية سليمان ” ، والتى أسفرت عن هجرة 18 ألف يهودى إثيوبى ، وفى واقع الأمر أن هجرة اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل يعد حافزًا لتوطيد التعاون بين كل من إسرائيل وإثيوبيا.

وإذا انتقلنا إلى الأوضاع المعاصرة للفلاشا ، وجدنا أن النظرة الإسرائيلية لهذه الطائفة     لا تعتمد فى أساسها على وحدة الدين بقدر ما تعتمد على السعي إلى تحقيق أهداف سياسية تخدم النهج الإسرائيلي بوجه عام فبعد أن ضمنت إسرائيل تدفق اليهود السوفيت إلى أراضيها ، راحت تبحث عن الجاليات الأخرى فى الحبشة وزائير والهند ليتحقق بذلك ” التكافؤ الاجتماعي ” ، والمتمثل فى وجود ” سادة ” و” عبيد ” أو طبقة متعلمة مثقفة وأخرى تقوم على خدمتها وتحقيق متطلباتها.

ولا يخفى على أحد ، أن تطورات الأوضاع السياسية فى المنطقة العربية ، وكذلك فى بعض البلدان الإفريقية ، قد أسهم في تحقيق إسرائيل لأطماعها بتهجير يهود الفلاشا ، وسيسهم أيضًا في أن توظفهم إسرائيل كما تريد تدعيمًا وتكريسًا للاحتلال .

وكما انخضع يهود أوروبا والشرق بالدعايات الصهيونية التي زينت ” أرض الميعاد ” ، وزيفت الحقائق أمام أعينهم ، فقد انخضع الفلاشا وسقطوا فى شراك الصهيونية ، وبدأت الأوضاع تنكشف لهم ، بدأوا يدركون أنهم قد خسروا أوطانهم وحرياتهم وكرامتهم ، وخرجوا عن صمتهم ، فمنهم من بدأ يتذمر رافضًا للوضع المتردي ، ومنهم من عجز عن مواجهة هذا الأعصار المدمر فأنهى حياته بيديه ، والأمر الذى لاشك فيه هو أن المستقبل المنتظر للفلاشا هو مستقبل قاتم ومظلم للغاية.

فإذا كان اليهود العرب ، الذين هاجروا منذ أكثر من 40 عامًا ما زالوا يعانون – هم الأغلبية – من التميز والاضطهاد ، فإنه أمام هؤلاء الفلاشا سنوات ينبغي عليهم أن يعيشوها في ظل سياسة عنصرية استطاعت أن تلقي بهم فى أتون الصهيونية ، ويبدوا أن عمليات تهجير الفلاشا لم تنتهي بعد ، وقد تتمخض الأيام المقبلة عن عملية ” عيسى” التى يتم فيها نقل نصارى إثيوبيا إلى تل أبيب.

3- أهداف خاصة بالمسائل المائية :

كما إن مسألة المياه بالنسبة لإسرائيل هي مسألة حياة أو موت منذ صدور وعد بلفور عام 1917 بدأ الصهاينة يتحدثون بصوت عال عن حلمهم بإسرائيل الممتدة من النيل إلى الفرات ، ولذلك عملت إسرائيل على العبث بمياه النيل وذلك بالضغط على دول حوض النيل وخاصة إثيوبيا وخاصة أن 85 % من مياه النيل الآتية إلى مصر تأتى من إثيوبيا ، لذلك فهناك مصلحة مشتركة فى التنسيق بين البلدين في مجال المشروعات المائية فى مياه النيل ، ولذلك فإن مساهمة إسرائيل في بناء السدود على منابع النيل كانت إحدى أدوات الضغط على إثيوبيا لتهجير الفلاشا إلى اسرئيل.

4- الأهداف الأمنية :

لا ينبع الاهتمام بالقارة الإفريقية كونها قريبة جغرافيًا من إسرائيل وإنما من أجل تحقيق بعض المصالح الاستراتيجية تتعلق بالتأثير على الأمن القومي العربي بصفة عامة ، والأمن القومي المصري بصفة خاصة ، حيث تهدف إسرائيل إلى الالتفاف حول الأمة العربية ، ومصر على وجه الخصوص فى شكل حزام  يمتد من إثيوبيا وإريتريا مرورًا بكينيا وأوغندا ورواندا وبورندي والكونغو الديمقراطية ، مما يهدد منابع النيل كهدف استراتيجي أولي ، ثم الالتفاف حول السودان عبر إفريقيا الوسطى مع تطويق المغرب العربى عبر تشاد والنيجر ومالى والسنغال ، بل أن هناك محاولات للتغلغل في أقصى جنوب القارة .

ومن ثم  تستطيع إسرائيل تهديد الأمن القومي العربي والإفريقي عامة ، والمصري بصفة خاصة شرقًا وغربًا وجنوبًا ، بما يمكنها من محاصرة مصر والدول العربية أولًا ، ثم عزلهم عن التفاعل مع القارة الإفريقية ثانيًا وهو ما يفسر التأييد الإسرائيلى لجون جارنج فى جنوب السودان وتأييدها العقوبات ضد ليبيا واستيلاء إريتريا على جزيرتى حنيش ، ودعمها لإثيوبيا فى مواجهة الصومال ، وتشاد فى مواجهة ليبيا والسنغال فى مواجهة موريتانيا.

وفي الختام أرى في وجهة نظري أن إسرائيل تسعى لإستخدام المياه باعتبارها ورقة ضغط على مصر والسودان ، وبصفة خاصة مصر التى تدخل مصالحها القومية فى مياه النيل فى دائرة المصالح المصيرية التي تتصل بحياة الشعب وبقاء البلاد بوجه عام ، ومن ثم فإن التنسيق الإسرائيلى مع دول منابع النيل خاصة إثيوبيا وأوغندا والكونغو الديمقراطية يمثل تهديدًا للمصالح المصرية والسودانية بشكل واضح ، ومن مظاهر ذلك التنسيق الخطط الإسرائيلية التي تباركها الولايات المتحدة الأمريكية لإقامة سدود ومشروعات للري في كل من إثيوبيا والكونغو الديمقراطية        وإريتريا وأوغندا وجنوب السودان .

هذا فضلًا عن المحاولات الإسرائيلية للتواجد عسكريًا في منطقة أعالي النيل في ظل الاعتقاد الإسرائيلي بأن من يسيطر على أعالي النيل يملك زمام مصر والسودان حيث توجد رغبة إسرائيلية أكيدة في الضغط علي مصر لرفضها تزويد إسرائيل بالمياه ، ومعاقبة نظام البشير في السودان لمواقفه العدائية ضد إسرائيل في هذا الإطار يمكن تفسير المساعي الإسرائيلية لتوطيد العلاقات مع زعماء قبائل التوتسي في منطقة البحيرات العظمى ، بهدف إحكام السيطرة على دول منطقة البحيرات العظمى .

ومن ناحية أخرى يمثل الوجود الإسرائيلي في منطقة القرن الإفريقي وبخاصة في إثيوبيا ، والجزر الواقعة عند مدخل البحر الأحمر تهديدًا خطيرًا للمصالح الاستراتيجية والأمنية والتجارية العربية والإفريقية في البحر الأحمر الذي يعتبر مفتاح الأمن القومي المصري والعربي.

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق