الآن تقرأ
من عجائب الحشّاشين

“كانت فيها حديقة كبيرة ملأى بأشجار الفاكهة، وفيها قصور وجداول تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء، وبنات جميلات يغنين ويرقصن ويعزفن الموسيقى، حتى يوهم شيخ الجبل لأتباعه أن تلك الحديقة هي الجنة، وقد كان ممنوعاً على أيّ فرد أن يدخلها، وكان دخولها مقصوراً فقط على من تقرّر أنهم سينضمون لجماعة الحشاشين. كان شيخ الجبل يُدخِلهم القلعة في مجموعات، ثم يُشرِبهم مخدّر الحشيش، ثم يتركهم نياماً، ثم بعد ذلك كان يأمر بأن يُحملوا ويوضعوا في الحديقة، وعندما يستيقظون فإنهم سوف يعتقدون بأنهم قد ذهبوا إلى الجنة، وبعدما يُشبعون شهواتهم من المباهج كان يتم تخديرهم مرة أخرى، ثم يخرجون من الحدائق ويتم إرسالهم عند شيخ الجبل، فيركعون أمامه، ثم يسألهم من أين أتوا؟، فيردون: “من الجنة”، بعدها يرسلهم الشيخ ليغتالوا الأشخاص المطلوبين؛ ويعدهم أنهم إذا نجحوا في مهماتهم فإنه سوف يُعيدهم إلى الجنة مرة أخرى، وإذا قُتلوا أثناء تأدية مهماتهم فسوف تأتي إليهم ملائكة تأخذهم إلى الجنة! ”

  • ماركو بولو – الرحالة الايطالى الشهير فى قصته عن “قلعة ألموت” والتى باتت تعرف بأسطورة الفردوس

كثير منا يعرف عن لعبة الفيديو الشهيرة “Assassin’s Creed” متعددة الاجزاء والتى تروى قصص اغتيال بعض الشخصيات الحقيقية يقوم بها جواسيس بعضهم لهم أسماء عربية، والتى تحولت الى فيلم سينمائى يجسد بطولته النجم “مايكل فاسبيندر” والذى سوف يتم طرحه بحلول نهاية العام الجارى، وكلمة assassin  فى اللغة ترمز الى من يوكل اليهم القيام بعمليات الاغتيالات الهامة وشديدة الخطورة، ولكن من منّا يعلم أن للكلمة أصل عربى؟!

الكلمة عربية الاصل –وان اخُتلِف على أصلها-. فلا خلاف على من أطلقت عليهم التسمية، والاشارة هنا الى جماعة الحشّاشين الشيعية الاسماعيلة أو النزارية ، وفى رواية أخرى حسّاسين، والبعض وصفهم بالملاحدة حيث نبذهم السنة ومعظم الطوائف الشيعية التى انشقت عنها الجماعة.

ولكن قبل ان نخوض فى ذكر النزر اليسير من إرث وتاريخ الجماعة، لنتناول أولًا التسميات المختلفة،

تسمية الحشّاشين ذكرت لها روايتين على الارجح، الاولى كما توضحها رواية ماركو بولو أنهم كانوا يتعاطون المخدرات “الحشيش” ولكنها رواية لم تثبت تاريخيًأ وقد يرجع أصلها الى أساطير نسبها إليهم أعدائهم لتبرير حماسهم الجنونى للاقدام على المخاطر دون المبالاة بالموت المحدق الاكيد، الى جانب ان ماركو بولو ولد عام 1254 م أى قبل عامين فقط من سقوط قلعة ألموت واحراقها على يد هولاكو 1956م اى انه من المستحيل ان يكون زارها وهو ابن عامين وبالتالى فهذه الرواية قد سمعها من غيره واما انها ليست موجودة من الاصل، بالاضافة الى ان جرأة الحشاشين ودقة تنفيذ عملياتهم واضطرارهم الدائم للتخفى باستمرار ولشهور طويلة لتصيد أهدافهم تجعل من مسألة تعاطيهم الحشيش مستبعدة نوعًا ما الى جانب صرامة والتزام الحسن بن الصباح الدينى الشديد وتحريمه شرب الخمر والمسكرات فى ال موت والذى وصل به الامر الى اعدام ابنه لافساده فى الحكم وتفرغه لشهواته واهمال شؤون البلاد ومصالح العباد، والبعض يرجع التسمية الى براعتهم فى “حش” رؤوس أعدائهم كما تحش النباتات أو لكونهم تعودوا تناول الحشائش البرية.

بينما يذهب البعض الآخر انها فى الاصل “حساسون” نسبة الى الحسن بن الصباح مؤسس الجماعة الفدائية، أو أساسين اى نسبة للمؤسسين، وبعض الاقوال تنسبها الى ” عساسون” من العس وهو-فى اللغة- الحركة ليلًا، حيث انهم كانوا يتخفون نهارًا ويسهرون ليلًا لحماية قلاعهم وثغورهم الحصينة، ومن ثم تحرفت الكلمة فى اللغات الاوروبية بعدة صور منها مثل Assassini  وHeyssessini  ومنها تطورت الى الصيغة الاخيرة assassin والتى تعنى “القاتل المحترف” لما هابه الصليبيين من ويلات الجماعة، والتى تمكنت فى ذات مرة من اغتيال ملك بيت المقدس نفسه! حيث اعتبروها مؤسس “فن الاغتيالات”

  • النشأة والبداية

يُحكى أن خرج رجلًا يدعى الحسن بن الصباح من القاهرة  عائدًا الى بلاد فارس  حيثما ولد اثنا عشريًا قبل ان يعتنق الاسماعيلية، ويتجه الى القاهرة لتلقى العلم على يد الفاطميين، الا ان كراهية بدر الجمالى وزير الخليفة الفاطمى المستنصر بالله  الشديدة له قد دفعته الى العودة الى ايران وخاصة أصفهان عام 1090م ليبدأ دعوته فى ظل القبضة الحديدة للسلاجقة الذين تعقبوه ولكنه أحسن التخفى والفرار وجند الكثير من الاتباع وما لبث الى ان عثر أخيًرا على درته المفقودة ومعقله الذى سيتحصن به ويخرج من خلاله دعوته الى كل العالم العربى، وهى قلعة آل موت الحصينة فى منطقة الديلم، والقلعة الحصينة تقع أعلى صخرة شديدة الانحدار  بارتفاع 180 متر وترسخ الاخيرة على جبال البورج او ألبرز التى ترتفع لاكثر من 2000 متر فوق سطح البحر والصخرة يسيطر عليها وادٍ صالح للزراعة ويؤدى اليها طريق واحد صخرى شديد الانحدار وخطير للغاية مما جعلها فى مأمن من هجوم أعتى الجيوش لسنوات طويلة يقال انها بناها احد ملوك الديلم القدامى تيمنًا بالمكان الذى هبط فيه نسره حيث معناها فى لغة اهل الديلم “عش النسر” قبل أن يعيد بناءها حاكم علوى فى 800 م، ولاستيلاء بن الصباح عليها  من احد الحكام العلويين يدعى المهدى فى 1090م عدة روايات طريفة فيرى البعض أنه كان يدعو الناس في تلك المناطق، فلما رأى القلعة، واختبر أهل تلك النواحي، أقام عندهم ودعاهم في السر، وأظهر الزهد لهم حتى وثقوا فيه، فلما أحكم أمره، دخل على العلوي صاحب القلعة وأمره الحسن بالخروج من القلعة، فظن أنه يمزح، فأمر أتباعه بإخراج العلوي من القلعة..

ويعتقد البعض أنه دفع ثمنها ثلاثة آلاف دينار ذهب ودفعها أحد اتباعه وضمها لحكمه، وفي كتاب «دبستان مذاهب» يُروى أن الحسن كان يدخل القلعة متنكرًا، وفي يومٍ جرت مناظرة بينه وبين العلوي صاحب القلعة حول صحة عقد، فكان الحسن يرى فساد هذا العقد، والعلوي لايرى فيه بأسًا، فطلب الصباح من العلوي أن يبيع له من القلعة مقدار وما يحيويه جلد بقرة لقاء ثمن معز، فقبل العلوي، وهنا عمد الصباح لجلد البقرة وفرقة لشرائح رفيعة وأوصلها ببعضها فأحاطت بالقلعة، واضطر العلوي لقبول هذا البيع وبقى فيها 35 عامًا حتى توفى فى 1125م.

منذ سيطرة الحسن على آل موت، بدأت حكاية الحشاشين “الفدائيين المدربين” التى انشأها الحسن لتنفيذ مخططاته جنبًا الى جنب مع نشر دعوته، ويمكن تقسيم كفاح الحشاشين الى قسمين الاول فى بلاد فارس والقسم الاخر يخص سوريا.

توفى الخليفة المستنصر بالله عام 1094م وكان قد تولى وزارته الوزير الأفضل بن بدرالدين الجمالى والذى عزل ولى عهد السلطان “نزار” وولى مكانه ابن اخته المستعلى بالله مما دفع المعزول الى الفرار للاسكندرية واشعال ثورة من هناك دعمه فيها قاضى الاسكندرية وتقدمت قواته صوب القاهرة الا انه انهزم وأُسر وتم اعدامه فى اغلب الروايات.

دان الحسن بالولاء الى الخليفة المعزول نزار وعهد اليه بالامامة من هنا تم تسميتهم بالنزارية، ومن هنا بدأ عداء الحشاشين للدولة الفاطمية قبل ان ينجحوا فى اغتيال الوزير الافضل ثم الخليفة الفاطمى الآمر بأحكام الله فيما بعد، ليرقد الحشاشين غير مطمئنين بين ثلاث قوات اقليمية تكن لهم العداء ما بين السلاجقة والفاطميين وحتى الخلافة السنية العباسية والتى امتد الخلاف والعداوة بغداد والحشاشين لسنوات طويلة تخللها اغتيال الحشاشين للخليفة العباسى المسترشد ثم الراشد.

البداية الحقيقية لمسلسل الاغتيالات بدأت بعد ان ضاق بهم السلاجقة ذرعًا فجهزوا حملة وارسلوها الى ألموت وعلى الرغم انه لم يتواجد بالقلعة الا سبعون من رجال الحسن الا ان الحملة فشلت لشدة التحصين ومساعدة اهل المناطق المحيطة الكارهين للسلاجقة.

أقسم الحشاشون على الانتقام، ونفذوا أول ضربة موجعة للسلاجقة باغتيال الوزير نظام الملك حيث تقدّم أحد الفدائيين الإسماعيليين وهو مُتخفٍ بثياب الصوفيين نحو محفة الوزير الذي كان محمولاً ومتجهاً إلى خيام حريمه، فهاجم الوزير وطعنه فمات الوزير وقُتِل المهاجم.

زعم الحسن عندها ان ذلك بداية النصر والبركة، وقد تعمد الحشاشون تنفيذ عملياتهم فى وضح النهار فى وجود الحشود من الناس لتقديم نموذج مرعب ودعائى ساحر فى الوقت نفسه ومن ذلك قتلهم لحاكم حمص اثناء تأديته لصلاة الجمعة، وأيضًا امير الموصل اثناء قيامه بزيارة الى دمشق.

لم يكن الوضع اقل خطورة فى سوريا حيث انبثقت جماعات الحشاشين فى دمشق وحلب أثناء حكم الصباح وبدأوا فى تأسيس دعوتهم وساعدوا حكام الشام فى تنفيذ بعض الاغتيالات الا ان النكبة الاولى لهم فى الشام جاءت بعد موت حاكم حلب رضوان وتولى ابنه ألب أرسلان والذى حرضه ابن البديع قائد الشرطة فقام بمهاجمة الحشاشين على حين غرة وقتل المئات وأسر الكثير وأعدم منهم اغلبيتهم وأطلق البعض الاخر مما دفعهم لاغتيال ابن البديع وولديه فيما بعد.

وبدأت حركة معادية اخرى للحشاشين مع وفاة ظاهر الدين حاكم دمشق وحرض قائد الشرطة الحاكم الجديد بورى بن طغتكين على الفتك بالحشاشين مما أفضى الى قتل حوالى 20 الف من الحشاشين وعائلاتهم قبل ان يلجأوا الى الفرنجة للفرار من القتل والامر الذى أثار غضب الحشاشين فى ألموت فارسلوا من قام بقتل ابن طغتكين بين حرسه الكثيف فطعنوه حتى الموت.

 

ومع بزوغ شمس الدولة الايوبية بعد القضاء على الفاطميين، وجد الحشاشون انفسهم مرة اخرى بين سيوف الفرنجة من جهة والزنكيين فى الموصل والايوبيين فى مصر، وكانوا على عداء مع صلاح الدين مما أدى الى محاولاتهم لقتله المحاولة الاولى عام 1175 والتى انكشف فيها أمر المهاجمين ليبدأوا معركة مميتة اودت بحياتهم بعد قتل بعض من قادة جيش صلاح الدين، بعدها بأقل من عام كرر الحشاشين محاولتهم لاغتياله اثناء حصاره لعزز وكادوا ان ينجحوا لولا الدرع السميك الذى ارتداه صلاح الدين والذى ادى لاصابته بجروح طفيفة، فحاصرهم لبعض الوقت ثم فك الحصار عن قلاعهم لاسباب غير معروفة.

 

بعدها بسنوات وبعد تولى سنان بن سلمان وبعده جلال الدين بن الحسن زعامة الجماعة  وجد الحشاشون طريقهم الى قلوب الامراء الايوبيين وتعاونوا على صد الحملات الصليبية وقام الحشاشون بتوجيه ضربتهم الكبرى بقتل الماركيز كونرات من مونفيراتو ملك بيت المقدس 1192 من خلال تخفي مجموعة من الحشاشين فى ثياب رهبان ونجاحهم فى الوصول الى خلوة الملك مع الاسقف وقتله، وعقب ذلك قتلهم لايموند بن بوهيمنى الرابع حاكم انطاكية.

 

 

النهاية

 

وفى عام 1256 م بدأ القائد المتحمس هولاكو فتوحاته لمد جذور دولته واجتاح عدد من قلاع الحشاشين وقتلهم فقرر زعيم ألموت ركن الدين خورشاه ان المقاومة لن تجدى فقرر التسليم على ان يضمن سلامة قومه ولكن المغول احرقوا ألموت بما فيها مكتبة شهيرة ضمت تاريخ الحركة، كما قاموا باعدام كل من تخطت سنه العشر سنوات.

 

وبسقوط ألموت دبّ الضعف فى الحركة فى الشام مما أدى الى فرط تعاونهم مع المماليك وأصبح السلطان المملوكى ركن الدين بيبرس يعزل ويعين من يشاء من شيوخ الحشاشين ويتخلص من أصحاب النفوذ بالنفى أو بالقتل وباءت محاولات شمس الدين أخر زعماء الحشاشين للحد من نفوذ بيبرس بالفشل لتسقط اخر قلاع الحشاشين فى يد المماليك وينتهى ذكرهم فى التاريخ عند هذا الحد.

ومما يروى من عجائب الحشاشين أنه عندما ذهب الكونت هنري أونشنبين لمقابلة شيخ الحشاشين، فصُعِقَ بمشهدٍ لم يألفه من قبل، إذ أَمَرَ الشيخ أحد أتباعه بالقفز من فوق القلعة، ليسقط ميتًا، ليُثبت لضيفه أن أتباعه سيقومون بأي شيء يأمر به، ولم تُعرف الطاعة المطلقة حتى الموت قبل ظهور طائفة من الاسماعيلية النزرارية

وكما أن هناك قصة مثيرة يرويها المؤرخ كمال الدين فيقول ان زعيم الحشاشين في سوريا أرسل مبعوثًا إلى صلاح الدين الايوبي وأمره ان يسلم رسالته اليه دون حضور أحد فأمر صلاح الدين بتفتيشه وعندما لم يجدوا معه شيئا خطيرا أمر صلاح الدين بالمجلس فانفض ولم يعد ثمة سوى عدد قليل من الناس، وأمر المبعوث ان ياتي برسالته، ولكن المبعوث قال: “امرني سيدي الا أقدم الرسالة الا في عدم حضور أحد” فامر صلاح الدين باخلاء القاعة تماما إلا من اثنين من المماليك يقفان عند رأسه وقال: “ائت برسالتك”، ولكن المبعوث اجاب: “لقد أمرت بالا أقدم الرسالة في حضور أحد على الإطلاق” فقال صلاح الدين:”هذان المملوكان لايفترقان عني، فاذا أردت فقدم رسالتك والا فارحل” فقال المبعوث:”لماذا لاتصرف هذين الاثنين كما صرفت الاخرين؟” فأجاب صلاح الدين:” انني اعتبرهما في منزلة أبنائي وهم وأنا واحد” عندئذ التفت المبعوث إلى المملوكين وسألهما:” اذا امرتكما باسم سيدي dان تقتلا هذا السلطان فهل تفعلان؟” فردا قائلين ‘نعم’، وجردا سيفهما وقالا:”امرنا بما شئت” فدهش السلطان صلاح الدين وغادر المبعوث المكان وأخذ معه المملوكين.

 

 

عن الكاتب
إبراهيم محمود جهاد
واقعى، غير حالم، لكنى أبحث عن واقع أفضل.