الآن تقرأ
محمد الباز : الأزهر مؤسسة لها أنياب تتخذ من الدين ذريعة للدفاع عن مصالحها

دوما ما كانت الاشتباكات والملفات الأشد التهابا وتصادمية الأثيرة لديه٬ كان أول من فضح كهان العقائد٬ ملاك الحقيقة المطلقة٬ كشف زيفهم ونزع عن وجوههم هالات القداسة التي يتسترون خلفها٬من أول كتبه”محاكمة الشعراوي”وحتي كتابه “الإسلامجي”. في عام ٢٠٠٨رفع شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي دعوى قضائية ضده علي خلفية نشره٬مقالا عنه بشأن زيارته لدولة الفاتيكان واصفا شيخ الأزهر ب “فضيلة شيخ الفاتيكان الأكبر”. في حديثه ل ” قل ”  تطرق الدكتور محمد الباز أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة ورئيس التحرير التنفيذي لجريدة “البوابة” عن التواطؤ ما بين السلطة الدينية والسياسية٬عن دعاوي تجديد الخطاب الديني بما يخدم مصالح السلطة السياسية٬ وعن مؤسسة الأزهر التي لا تسمح بالمساس بمصالحها.

ـــ لنبدأ من حديث الساعة الأكثر إلحاحا الخطاب الديني٬ لماذا صار هذا الحديث بكل هذا الضجيج بدون أي طحين ؟ ومتي يأخذ الأمر علي محمل الجد ؟ أم ترانا سندور في تلك الدوائر المفرغة طويلا  خاصة وأن هناك محاولات عديدة طرحت من قبل في هذا الصدد ؟
** مشكلة الخطاب الديني في مصر أنه وقع فريسة بين أصحاب مصالح متضاربة٬ بمعنى أن الخطاب الديني نفسه٬ عبارة عن أداة من أدوات السيطرة  لدي السلطة من جهة٬ ولدى رجال الدين من جهة أخرى. هذه السيطرة مفروضة من ناحية على الشعب ٬والناحية الأخرى علي مجموع المثقفين والمبدعين٬ تكتب هذا حلال ولا تكتب هذا فهو حرام٬ ويخضع المنتج لهذه الثنائية الحادة ويسيطر علي الجمهور العادي بجعله تابع. وحينما تتحدث السلطة عن الخطاب الديني الذي تريده٬ فهي تتحدث عن خطاب ديني للدولة المسيطرة٬ في مقابل الخطاب الديني ــ مثلا ــ الذي تقصده الجماعات الإسلامية٬ التي تتحدث عن الخطاب الديني المعارض .
الدعوة الأولي للسيسي بتجديد الخطاب الديني٬ في هذة اللحظة كان المقصود بالخطاب الديني الذي يخدم أغراضه وأهدافه ومصالحه المركزة بشكل أساسي أنه يصبح مسيطر بشكل عام٬ وأن الشعب يراه يستحق الاستمرار في السلطة ٬أيضا لأنه كان يعاني من الخطاب الديني الثوري الذي تتبناه المجموعات المناوئة له.وفي حقيقة الأمر هو لا يريد تجديد الخطاب الديني الذي نسعى إليه٬أي من أجل الحياة وما يجعلها أكثر يسرا وسعادة٬ إنما يسعى لتجديد الخطاب الديني بما يخدم مصالحه.
ـــ معني هذا أنه لم يكن جادا في دعوته ؟
** لا هو جاد طبعا نحن نتحدث عن أول دعوة لتجديد الخطاب الديني بعد ٣٠ يونيو  أطلقها الرئيس السيسي في الاحتفال بالمولد النبوي٬ طوال الوقت وهناك نوعين من الخطاب الديني٬ أولهما تتبناه الدولة تسعى من خلاله إلي ترسيخ شرعيتها والسيطرة علي الجمهور٬ولهذا كان مبارك يحضر الاحتفالات الدينية ليلة القدر والمولد النبوي٬ولو هناك عمل ضد الدين يخرج هو بنفسه مدافعا٬ لأن من مصلحته أن يكون هناك خطاب ديني. في مقابل خطاب ديني تتبناه الجماعات المعارضة٬ الخطاب الديني الثوري .
ـــ خطاب ثوري أم عنيف ؟
** لا العنف أحد تجلياته٬الخطاب الديني الرسمي يرتكن علي أن الحاكم يحقق مصالح المسلمين٬ ومن ثم فطاعته واجبة ويحرم الخروج عليه٬ بينما الخطاب الديني الثوري ينطلق من الخروج علي الحاكم إذا خالف الشرع. والخطابان موجودان خاصة في وجود”نص”حمال أوجه .هنا نتحدث عن خطابين وجبهتين يقفان ضد بعضهما.رجال الدين الرسميون الذين وجهت إليهم الدعوة٬بدأوا يجتهدوا في تجديد الخطاب الديني بدون أي معايير٬بجانب أن الرئيس لم يحدد ما الذي يقصده بتجديد الخطاب.لكن كان هناك شفرة بين رجال الدين الرسميين والسلطة٬ في هذة اللحظة اعترضها المثقفون والعلمانيون ممن يأخذون مسألة تجديد الخطاب بجدية٬وبدأوا في الحديث من مرحلة النص وتجديده بما يتناسب مع إيقاع الحياة وتطوراتها٬إلي المرحلة الأكثر تطرفا بنسف الخطاب ككل .هنا دخل المثقفون معركة ليست معركتهم .
ــ ليست معركتهم كيف ؟!

index (2)
**هذا توصيف للحاصل علي الأرض٬السلطة تحتاج تجديد الخطاب لتعضيد موقفها واعتقد المثقفون أن الرئيس يدعوهم أيضا لتجديد الخطاب٬وكانت جهودهم في ذلك فسجنوا٬أزمة المثقفين دخولهم الخطأ في المعركة٬لأن تجديد الخطاب يجب أن يوضع في سياقه بمعني أنه لن ينجح إلا إذا أراد المجتمع نفسه تجديد هذا الخطاب وليس السلطة.ولذلك كل من راحوا ضحية تجديد هذا الخطاب المجتمع ينظر إليهم علي أنهم مجموعة من الفسقة المنحرفين٬الآن صار السجن من أجل حرية الرأي ليس شرفا٬أحمد ناجي مثلا المجتمع يراه منحل أخلاقيا والبحيري لا يفهم في الفقه وناعوت إستعراضية.هذه هي آراء المجتمع فيمن تعرضوا للسجن علي آرائهم٬في النهاية نجد أن من سجن بتهم لا تجلب الشرف٬ أحدثك في مساحة صراحة لا يتطرق إليها أحد.لكي تنجح عملية تجديد الخطاب الديني يجب أن يكون في سياقه وفقط حينما تكون لدي المجتمع نفسه الرغبة في هذا٬ما دون ذلك عبث .
ـــ إذن لم يكن ما قاله حلمي النمنم وزير الثقافة  عن اتجاه المجتمع نحو الانغلاق والتشدد لم يكن ردة علي مواقفه التنويرية ؟
**التفسير لا يعني التبرير٬أي أن تفسير السياق العام الحاصل علي الأرض الآن لا يعني تبريره أو القول بصحته أو صوابه. الأزمة الحادثة حاليا تتلخص في رغبة السلطة في تجديد الخطاب الديني لخدمتها وليس لخدمة العلاقة بين الدين والحياة.ببساطة ما يعنيه تجديد الخطاب هو تحسين للعلاقة ما بين الدين والحياة فلا تكون فيه كل تلك القيود والخرافات٬وبمعني آخر التجديد يجعل من الدين عامل مساعد لتطوير الحياة وليس إعاقتها.وفي الوقت الحالي السياق العام غير مناسب٬ في الوقت نفسه هذا لا يعني أن  نصمت. المعركة طوال الوقت بين الرجعية والتقدمية ولن تنتهي بسهولة٬والحاصل الآن جولة من جولات تلك المعركة٬بجانب أن من أطلقوا دعوة تجديد الخطاب لا يريدونه٬كل ما يفعلونه مجرد صيغة لخدمة مصالحهم.
ــ هل يعني هذا إعادة إنتاج تلك المعركة الناشبة منذ الثلاثينيات ؟
**المعركة من قبل ذلك بكثير٬تجديد الخطاب بدأ مباشرة بعد وفاة الرسول من وقت إجتماع السقيفة٬المعركة قديمة وأزلية ولن تنتهي بل وكانت المعركة بين إبراهيم ووالده خطاب ديني أيضا٬والصراع علي أن يكون الدين في مصلحة البشر أم يكون في صالح مجموعات أخري تسيطر من خلالها علي مجموعات أخري لتحقيق مكاسب٬هذه المعركة دائرة طوال التاريخ.مثلا الصراع في بداية الدعوة كان صراع اقتصادي اجتماعي لذا نجد أن التشريع مثلا كان يتعامل بالتدريج في المسائل الاجتماعية٬فلم يلغ الرق على مرحلة واحدة لوجوده في مجتمع اقتصاده قائم عليه٬وكذلك الخمر تدرج تحريمها لاعتماد التجارة والصناعة عليها.والمعركة في وجهها السياسي بين بني هاشم وبني أمية”ليه ميكونش عندنا نبي إحنا كمان”.إذن الصراع لم يكن علي فكرة الإسلام نفسها وكيف ستؤثر علي المجتمع وفيه .
ــ لماذا تختفي تلك الصورة البشرية مقابل الصورة المثالية التي تقدم عن الإسلام؟
**كل ما يقدم في كتب التراث سواء في كتب السيرة أو الأحاديث محاولة طوال الوقت لرسم صورة مثالية للإسلام والصحابة وليس كما حدث وجري٬رغم أنه كان مجتمع بشري فيه أزماته ومشكلاته وعيوبه الاجتماعية٬لكنه يقدم كمثال لا يمكن لأشخاص عاديين الوصول إليه من أجل إيصال إحساس دائم بالتقصير٬من هنا تنشأ الحاجة إلي رجال الدين لضبط”زوايا الإيمان”ميكانيكية إسلام إذا جاز التعبير٬بمعني أدق رجل الدين مجرد وظيفة.
ــ    كيف تنزع قداسة رجال الدين؟ 
**الأزمة في المجتمع نفسه وليس رجال الدين٬جزء كبير من أزمة حرية الفكر والتعبير أن الأزهر مؤسسة لها أنياب ولا تسامح علي الإطلاق في المساس بمساحة نفوذها٬والسلطة لا تستطيع الاستغناء عنها من أجل المثقفين.الأزهر هنا كيان سياسي اقتصادي يتخذ من الدين ذريعة للدفاع عن مصالحه٬والبشر هم من صنعوا القداسة لبعضهم البعض٬الدولة الإسلامية من بعد الخلافة الراشدة٬تحديدا فترة الدولة الأموية كانت تبحث عن فقهاء تستمد منهم السند الشرعي٬ومع توالي الأحداث نجد أن السلطة أضفت القداسة علي الفقهاء ورجال الدين.في قضيتنا مع شيخ الأزهر قال لنا صفوت الشريف٬بشكل واضح جدا:أكسر لكم شيخ الأزهر عشان خاطر شوية صحفيين٬ده المرجعية السنية في العالم.المساحة المشتركة بين السلطة السياسية والسلطة الدينية هي ما تمنح القداسة لرجال الدين٬وحينما يقول الأزهر بضرورة الإبقاء علي قانون إزدراء الأديان تستجب له السلطة٬بالمناسبة لن يلغي هذا القانون فالسلطة تحتاجه بنفس حاجة مؤسسة الأزهر فلماذا تلغيه.

الدكتور محمد الباز

الدكتور محمد الباز

ــ إذن الحديث عن إتجاه مجلس النواب لإلغاء قانون إزدراء الأديان غير حقيقي؟
**هل تصدقين هذا؟!!لو كانت هناك جدية في تعديل تلك القوانين أو إلغائها لماذا سنت من البداية٬فضلا عن أن المنظومة القانونية في مصر تميل إلي أن تكون عقابية٬وأكثر من ذلك إنتقامية٬أجل المنظومة القضائية القانونية في مصر عقابية إنتقامية.في هذه الحالة لماذا تستغني السلطة عن القانون٬فهو موجود يمكن تعطيله لكن بعد وقت تحتاجه فتفعله.مثلا قوانين الصحافة٬هناك مواد نحاكم بها منذ عام ١٩٣٩وأي مادة تفرض عقوبة السلطة لا تلغيها.في الوقت نفسه المثقفون يحققون إنتصارات جزئية٬السلطة لن تدافع عن حرية الرأي بما فيها سلطة المجتمع خاصة وأننا مجتمعات متخلفة لم تحسم مسألة الدين بعد.
ــ هل تري أن الحل يكمن في تفكيك الأزهر كمؤسسة دينية تحتكر الإسلام وإعتماد طبعته كما يراها ؟
**من المفترض أن الأزهر يدرس العلوم الشرعية إذن ليقتصر دورها علي هذا٬إنما في حقيقة الأمر الأزهر يتدخل في الرقابة علي الإبداع والأعمال الفنية وهو ما لا يدخل في مجال اختصاصه٬ أتذكر أنني كنت أكتب برنامج عن مراقد الأنبياء وإدارة التليفزيون اعترضت وطالبت بعرض العمل علي الأزهر والحصول علي موافقته٬ هنا المؤسسات الأخرى تحيل أعمالها إلي الأزهر.ولو كنا في مجتمع محترم لماذا لا يؤسس مجلس أعلى للاجتهاد٬ي كون في عضويته مختلف التخصصات منهم ٬أطباء فنانيين رجال دين٬ اقتصاديين وعلماء اجتماع.شئ أشبه بمجالس العلماء القديمة٬تكون مهمته استعراض المسائل الفقهية والاجتهاد فيها.ويحتفظ الأزهر بمهمته في تخريج الأئمة والخطباء ملمين بتطور العصر٬لنتفادى جهل الموجودين حاليا وما يشيعونه من فوضى وجهل بين الناس.إذن الحل إعادة تشكيل وتكوين مؤسسات أخري مختلفة تماما عن الوضع الحالي٬إنما بهذا الشكل لتلك المؤسسات وما منحه لها القانون من صلاحيات تصل لعد أنفاسنا.خاصة وأن هناك مستجدات ضاغطة في المجتمع٬منها علي سبيل المثال٬مسألة المواريث لم تعد فكرة أن يرث الرجل ضعفين المرأة مناسبة لإيقاع المجتمع٬يجتهدون لحل هذه المسألة٬يبحثون عن تخريجة فقهية٬تعطيل نصوص أو القياس٬دون أن يشعر الناس أنهم يخالفون الله.
ــ ما دور النخب المجتمعية في تغيير تلك الأوضاع؟
**بممارسة الضغط وإن كنت أشك في قدرة المثقفين في إنجاز ذلك٬فليس لديهم القدرة علي تحرير فكر المجتمع نفسه٬ببساطة لأنهم لا يبذلون المجهود في ذلك٬أين المثقفين الحقيقيين وضغطهم لايعني كتابة مقال هنا أو هناك٬أو حتي إقامة مؤتمر أو جلسة للتضامن.مثلا لماذا لايضرب مائة مثقف من الأسماء الكبيرة عن الطعام أو يدخلون في إعتصام مفتوح في الأتيليه أو اتحاد الكتاب٬اعتراضا علي حبس أحمد ناجي أو إسلام البحيري.
ــ كيف تري العلاقة بين الإعلام وبين السلطة من جهة وبين القارئ من جهة أخري؟                           
**كيفما تكونوا يكون إعلامكم٬ببساطة الإعلام مرآة وفي النهاية لا يصنع العالم إنما يسجله٬القبح الموجود فيه٬قبح العالم وليس قبحه.من ناحية أخرى هو أداة لقوي مختلفة لها مصالح٬مثلا ما فعلته وسائل الإعلام الحكومية في ٢٥ يناير كان مهنيا من الدرجة الأولي٬لأنها قدمت منتج يتفق مع سياستها التحريرية٬ومن العبث أن ننتظر خروج الإعلام الرسمي ليقول أن الشعب ثار على مبارك٬الناس التي طالبت التليفزيون المصري بتقديم ذلك بتهزر لأنه ببساطة تليفزيون الدولة٬علي الجانب الآخر كانت هناك قناة الجزيرة تذيع عكس ما يذيعه التليفزيون الرسمي.الناس نفسها انقسمت فمن كان مع مبارك يرون أن الجزيرة بثت الفوضي٬بينما الفريق الآخر رأي أن ما فعله الإعلام الرسمي وتجاهله ما يحدث علي الأرض غير مهني.في الدول المحترمة الإعلام يعني التعددية والتنوع٬حتي لا تكون هناك جهة واحدة محتكرة٬وهذا يؤثر في وجود مواطن سوي وناضج يستطيع فرز الإطروحات المختلفة٬ويؤثر بالتالي علي مواقفه وإتجاهاته ولا يقع في التشوش الحاصل لدينا.حرية الإعلام معناها التنوع وكل يطرح وجهة نظره.مشكلة الإعلام أنه ليس كيان تابع غير مستقل لا يستطيع ان يعبر عن نفسه.

عن الكاتب
نضال ممدوح
1التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق