الآن تقرأ
الصديقات الثلاث .. الحلقة الأخيرة – رأس سنة 2015 .. كل الرفاق في السجن

ساعة ظهيرة في حديقة خلفية لفندق خمس نجوم محاطة بسور سلكي مغطى بالنباتات يعزل سكان الفندق عن صخب شوارع القاهرة

.. وحمام سباحة كبير يستقبل رواد اليوم الواحد، حيث يسترخي البعض على المقاعد المبسوطة ويتمتع آخرون بالسباحة في الماء الرائق.

وبينما كانت الموسيقى المرحة تسيطر على المكان، تفاجيء وائل، وهو مسترخي على أحد المقاعد المنبسطة ومنهمك في القراءة، بدينا مقبلة عليه والماء يتساقط من ملابس السباحة ووجهها مزيج صارخ من البكاء والصدمة.

ألقى كتابه وأخذها تحت ذراعه لقاعة الاستقبال في الفندق بعد أن غطاها ببشكير صخم، وأجلسها في الكافيه الداخلي ثم جلب لها قهوة حتى تهدأ وتحكي له عن ما رأته على تليفونها المحمول وأصابها بهذا الهلع.

 

–          خالد وحسين ورفاق تانيين كتير اتقبض عليهم انهاردة عشان نزلوا يعملوا سلاسل بشرية عن المعتقلين

للحظة ما أشعرته تلك الأخبار بالارتياح، بل ود أن يقول إنه مدين لوزارة الداخلية لأنها أراحته من أكبر عشاق لزوجته، خالد وحسين وقبلهما حاتم.. ولكن ما نطق به كان عبارات مبتورة من الأسف المفتعل لم تكترث بها دينا واسترسلت في حديثها الباكي ..

 

أحيانا ما يسأل وائل نفسه، هل أشعر بالغيرة من الرجال السابقين؟ ثم يوبخ ذاته على هذا السؤال .. فهؤلاء الذين يصفهم بـ (كائنات وسط البلد الطافية على بِركة السياسة) أقل من أن يقارنهم بنفسه.. يتباهون ببطولات وهمية في ساعات المساء على المقاهي والبارات .. وقد انطفيء بريقهم تماما بقمع المظاهرات وتكميم أفواهها.

إذن لماذا أشعر بالضيق كلما حكت لي دينا عن ذكرياتها معهم ؟ ولماذا كنت أتحجج بكل الحجج الواهية للتمنع عن السهر في المقاهي التي يرتادونها، وأنا أعرف أنها لن تقدر على الذهاب هناك وحدها، حتى تتجنب عتابي لها لكونها قد تركتني وحيدا .. لماذا دأبت على أن أعزلها بالتدريج عن أفضل أصدقاءها، وعن الرقص والموسيقى التي التقينا في رحابها ! لا أعرف!

ولست مهتما بالبحث عن الإجابة .. كل ما في الأمر أنهم يستفذونني بمثاليتهم الثورية وانعزالهم عن الواقع ولا أطيق النظر في وجوههم .

 

–          مش قادرة أفهم إيه اللي ودا خالد للوقفة دي وهو مجمد نشاطه في التنظيم، أكيد كان رايح عشان يرفع صورة رانيا ويهتف لها .

قال وائل في خاطره، وأنتِ زعلانة عشان اتحبس ولا عشان كان شايل صورة رانيا ؟ ولكنه استمر في صمته وهو يرسم ملامح الزوج المتفهم المحتضن لهمومها وأوجاعها

–          حاجة تموت من القهر ياوائل .. كدا حاتم وصاحبته في السجن وخالد وصاحبته في السجن ! ايه جريمتنا عشان نقضي عمرنا في السجون!

–          المفروض تشكريني لإني حذرتك من الاستمرار معاهم .. واضح إن الاندفاع والحماقة مسيطرة على أفكارهم

أسندت رأسها بشعرها المبتل علي باطن كفها الأيمن وقالت وكأنها تشكو من صداع : لو كنت معاهم كان يمكن أغير حاجة .. أنا ندمانة إني هربت وسيبتهم

صار الاغتراب رفيق دينا الدائم في سهرات المنزل مع أصدقاء وائل ..

في البداية تأنقت بكل ما فيها من جمال لمواجهة هذا المجتمع الجديد من الصحفيين والمثقفين، رجال ونساء لايزالون في منتصف العمر، لكن عقولهم ومناصبهم الفكرية كانت من الوزن الثقيل.

 

كانت سعيدة بزوجها وهو يزهو بجمالها في وسطهم ، بفستانها الداكن البسيط، يكفيها أن تمر خيوطه بانسيبابية على قوامها الممشوق وتحتضن كتفيها الرقيقين، ثم ينسدل عقدها الفضي في قلب عالمه الأسود، كم تبدين جميلة يادنيا عندما تقصرين خصلاتك الناعمة وتبتسمين .. فقط تبتسمين بثقة وود لكل زوارك .. فتلمع أعينهم بالإعجاب.

 

ولكن سرعان ما تبدل حماس دينا تجاه مجتمعها الجديد إلى حالة من الانسحاب والفتور .. لا تدرك سببا منطقيا لهذا الجدار الذي قام بينها وبينهم، فقد حاولت أن تندمج في أحاديثهم الثقافية العميقة الطابع.. شبت بعنقها وسط دوائرهم وسعت لفهم مصطلحاتهم .. ولكن لم تقدر على الاستمرار ..

هؤلاء يعيشون الحياة كما لو أن كل شيء طبيعي .. يتحدثون عن المنافسة في الانتخابات البرلمانية والمستقبل الاقتصادي للبلاد .. وكأنهم لا يدركون أننا في حالة من الهيستيريا الأمنية .. هل نسيتم رفاقنا الذين تم إلقائهم في السجون لمجرد الهتاف في المظاهرات ؟ تود دينا أن تسألهم .. ولا تقدر على المواجهة .

فقط تكتفي بالانسحاب تدريجيا.. وتشعر أنها عاجزة حتى عن أن تمدد ساقيها للأمام وهي تجلس في قلب السهرة الصاخبة .. وكأنها توحدت مع كل رفيق ورفيقة في محبسه بالسجون المكتظة بالبشر .. تتذكرهم واحدا وحدا في لحظة يظنون فيها أنها ألقت بكل الماضي وراء ظهرها غير مكترثة .

يجذبها وائل من يدها .. من شرودها المستمر .. ينتزع كأس النبيذ من بين أصابعها ويضعه جانبا .. يبتسم لها برقة وهو يقول أن الموسيقى ستبدأ .. فلنرقص .. ولكنها تشعر أن رجلا غريبا هو الذي يبتسم .

يختطفها بين ذراعيه .. ثم يدور ويدور .. وكأنها عالقة بمروحة طاحونة ، ستصيبها بالدوار ثم تلقي بها جانبا بين الساهرين .. لتصير مجرد قطة جميلة يتباهى وائل بامتلاكها ولا يعطي لها عاطفته الحقيقية .. تلك العاطفة التي عصفت بها في سهرة التانجو السابقة للزواج.

بعد رحيل الضيوف يسألها وائل عن سبب فتورها تجاههم، فتقول أنها غير قادرة على التفاعل معهم، ويعقب عليها بقوله ( أنتِ مبتديش لنفسك فرصة عشان تحبيهم، رافضة أنك تكوني في أي مجتمع مبتلعبيش فيه دور البطولة !).

بعد أن استجمعت القليل من تركيزها قالت : على أي حال ممكن يكون لي دور تاني الفترة الجاية .. حركز في الكتابة الصحفية، واكشف زيف كل الدعايا السياسية اللي بتتبني على أكتاف القمع والقهر .. دي ممكن تبقى الحاجة الوحيدة اللي اقدر أدافع بيها عن أصحابنا اللي بيناضلوا في السجون .

سكت وائل أمام كلماتها الحماسية وقال لنفسه ( يادي النيلة .. دا السجن حيعمل منهم أبطال !)

………………………………………………….

 

استطاعت ولاء أن تقنع دينا بحضور إفطار في كافيه بوسط البلد بعد غياب طويل عنها وعن منى، أرسلت لها رسالة تقول فيها ( إنتِ مقاطعانا يادينا !)، وشعرت دينا بخجل شديد لأنها لم تراهما منذ زواجها في فصل الصيف.

لفت مظهرها أنظارهما، ليس لأنها ترتدي ملابس ثقيلة بعض الشيء، فالجو الخريفي قد يستدعي ذلك، ولكنها بدت هزيلة وذابلة تحت البالطو الواسع، وكان وجهها نحيلا تعلوه قبعة من الصوف وقد انحسر الجمال عن عيناها وسط  ملامح متهدلة بعض الشيء.

جمعتهما ولاء لكي ترياهما صورة قديمة، إجتمع فيها ثلاثتهن في يوم من أيام ميدان التحرير الثماني عشر .. وقد كان الثلاثة يرتدين الحجاب، قالت منى:

دي كانت أول يوم بعد ليلة موقعة الجمل الرهيبة، الليلة اللي عرفنا فيها بعض واتصاحبنا على بعض

وقالت ولاء : كارم طلعاهالي مش عارفة منيين .. عمال يقول إن وقت الجذر السياسي كل واحد بيرجع لأصله

ردت منى بامتعاض: صاحبك دا دماغه زبالة على فكرة

فأمنت ولاء على كلامها : ما انا اتخانقت معاه بسبب الرأي دا .. بس بزمتكوا الصورة مش تحفة .. شوفوا شكلنا اتغير ازاي ؟

وبدا على منى أن حالة من التأمل في ماضيها قد استولت عليها: دا كان شكلنا اللي أهلنا عاوزينه .. عاوزين منشوفش من الدنيا الا اللي يسمحولنا بيه .. كأن معندناش عقل، طيب ما كانوا خلفونا أرانب أحسن !

ثم قالت ولاء بعد صمت طويل : السلطة القديمة كانت بإسم العيلة اللي عارفة مصلحتك كويس .. أما السلطة الجديد فهي أصعب بكتير، لأنها بإسم الحب

لمست العبارة الأخيرة منطقة عميقة في قلب دينا، ودت لو تجاهلتها أو ادعت عدم وجودها ..

أخرجتها منى من شرودها بسؤال : إيه أخبار الشغل الجديد .. مقرنالكيش حاجة من فترة !

ردت بابتسامة فاترة وهي تشعل سيجارة : سبته .. إنت عارفة إني مبكملش في حاجة للآخر

وغرقت في صمتها من جديد وسط ثرثرة الصديقتين .

بعد تحقيقها الأول عن رسائل المعتقلين، انطلقت بحماس لطرح أفكار موضوعات أخرى على رئيس التحرير كلها تصب في نقد دعايا النظام السياسي .. تحقيق عن خسائر الاقتصاد من المشروعات القومية الكبرى .. وآخر عن تفاقم مديونية الدولة وثالث عن أزمات النظام الدولية .. وغيرهم .. وفي كل مرة يرفض رئيس التحرير الفكرة من البداية، مما خلق لديها تدريجيا شعور بأنه لا يرغب في استمرارها في المكان.

قال لها ممدوح أن مقترحاتها تم إعدادها بشكل احترافي وكانت قابلة للتنفيذ، ولكنه يرجح أن رئيس التحرير يرفضها فقط لأنها مقدمة منها شخصيا .. فقد شاهد كيف تغير وجهه عندما أخبره أحدهم بنشاطها السياسي، وقال له إنها ستلون الجريدة بأفكار الشيوعيين المجانيين الذين لا يُقدرون ما تعيشه البلاد من ظروف استثنائية تستلزم بعض الديكتاتورية.

أما وائل فكان يُصر على أن المشكلة تكمن في نقص احترافيتها، وأنها تسرعت بكتابة تحقيقها الأول قبل أن تتلقى التدريب الكافي تحت يديه .. ومع كل محاولة لتمرير تحقيق جديد كانت انتقادات وائل تلاحقها في المنزل والجريدة ..

صار ناقدا وناقما لا يُحتمل .. أنتِ أستاذة في إهدار الوقت وتضييع الفرص، تهدرين مدخراتنا القليلة في كتب باهظة الثمن وكأنها هي التي ستصنع منك كاتبة صحفية كبيرة .. حتى تفاصيل حياتها الشخصية لم تسلم من نقده الدائم، لماذا تشترين الوجبات السريعة التي ستضر بصحتك، ما الداعي للذهاب لمقر الجريدة عبر كوبري أكتوبر وعندنا نفق الأزهر !

وفي كل مرة يختتم نقده بعبارة ( ياحبيبتي أنا عاوز مصلحتك) ثم يمطرها بقبلاته التي صارت منزوعة الدفء.. أشبه بالشيكولاتة المحلية التي لا تخلو من الحلاوة ولكنك تتأذى من رداءة مذاقها.

وعندما أفصحت له عن أنها تتأهب للدخول في مواجهة صريحة مع رئيس التحرير حول أسباب رفضه المستمر لمقترحاتها، وجدته يبذل جهدا رهيبا لإثنائها عن تلك المعركة،  وإقناعها بأنه من الأجدى أن تستقيل .. لأن على مايبدو أنها لم تخلق لهذه المهنة.

شعرت بانكسار رهيب وهي تسمع تلك الكلمات من وائل الذي كان يصفها في يوم من الأيام بالذكاء والصلابة ..

–          ياحبيتي إنتِ ذكية لدرجة النبوغ بس الشغلانة دي مش بتاعتك .. ليه نخبط راسنا في الحيط

–          ممدوح رأيه إني بكتب بطريقة احترافية

–          ممدوح بيبني أراءه على أساس إعجابه بجمالك .. أنا حذرتك قبل كدة

ثم كانت الأيام الطويلة القاتلة .. في المنزل .. يلاحقها في خيالها وجهي رئيس التحرير .. ووائل .. ونظراتهما الناقدة لكل ما تكتبه وتفعله، وكأنهما وجهان لعمالة واحدة.

الشخص الوحيد الذي كان يمكن أن تفضي له عن همومها كانت أمها، ولكنها تخشى من أن تبدو مهزومة أمامها بعد سنوات طويلة من التحدي لكل نصائحها ومواعظها الدينية، لقد رمم زواجها الأخير بالكاد علاقتيهما بعد ان اطمأنت الأم على أن ابنتها ابتعدت عن عالم السهر والتسكع مع الشيوعيين، فهل تقدر على أن تعود لها مجددا تحمل أذيال الخيبة !

كانت منى تراقب صمت دينا ، وتود لو تسألها عن أحوالها مع وائل ولكنها تخشى من أن يُفهم السؤال على أنه تطفل منها على عشيقها السابق.. فوجهت ذات السؤال لولاء

–          أخبارك إيه مع كارم ؟

–          زفت

……………………………………………..

كان كارم عاكفا على ترجمة نص انجليزي حول الثورة الروسية، وولاء بجواره تنتهي من قراءة الفصل الأخير في هذا النص الذي اقترح عليها أن تشاركه في ترجمته.

سألته ولاء : ايه معنى أننا نعيش حياتنا منتكلمش غير عن لحظة واحدة، مش حاقول في تاريخ العالم .. لكنها مجرد لحظة في تاريخ أوروبا !

–          لأنها أهم ثورة في التاريخ .. أو على الأقل هي الأهم من المنظور الاشتراكي

–          وليه مبنكتبش عن ثورات إفريقيا .. القارة اللي احنا عايشين فيها

–          دا تقصير مقدرش أنكره

–          مش بس تقصير .. دا بيعكس أن الاستعمار ساكن في دماغنا واحنا مش حاسين

ترك كارم أوراقه وقام يحتضنها تحت ذراعه ليُهدأ من التوتر البادي عليها

–          كل الغضب دا عشان قولتلك إني مش عايز أخلف

–          أنت شايف إن حاجة بسيطة إنك تحرمني من الأمومة

–          ولاء .. أنا بفكر بشكل عقلاني .. أنا عندي 52 سنة .. يعني كمان عشر سنيين حبقى راجل على المعاش .. مش حتحبي إنك تكملي معايا .. ليه نخلي بيننا أولاد ويبقى انفصالنا مليان مشاكل ؟

–          مين قال إني مش حكمل معاك

–          الطبيعة هي اللي قالت ياولاء ..

–          لو كنت سلمت للطبيعة من البداية مكنتش أصلا حبيت واحد عنده خمسين سنة

ثم قامت من قلب حضنه الدافيء لتتمرد على أفكاره التي كان يلقيها في أذنها بصوت حاني

– الحقيقة يا كارم إنك مش عايز تخلف عشان مش عايز علاقتك بي ينتج عنها أي مسئولية أو تضحية تضطر تقوم بيها.. تقدر تقولي إيه الفرق بين علاقتنا وبين أي علاقة عابرة عملتها مع أي واحدة في حياتك الطويلة ؟

– الإخلاص .. إني مش حعرف حد طول ما احنا مع بعض

– دا الحد الأدنى من حقوقي .. الشعرة الرفيعة اللي يدوب متخلينيش أتوصف بأني عاهرة .. أنت شايف إني مستحقش غير الحد الأدنى؟

– طبعا لا .. بس إنتِ اللي مش قادرة تستوعبي إن بعد الخمسين صعب الانسان يغير حياته .. تضحياتي قمت بيها زمان .. لما قلت بشكل صريح إني حكون ملحد، فانعزلت عن أهلي وكتير من أصحابي .. ولما اخترت إني مكونش من مثقفي النظام فبقيت كاتب راديكالي على الهامش .. أنا كفرت بكل العالم لإني كنت مؤمن إني في يوم حلاقيكي .. بس أما اتقابلنا كنت أنا في آخر المشوار ونفسي اتقطع

لم يبدو على وجه ولاء تعاطفا قويا لكلمات كارم التي قالتها بتأثر واضح

–          بلاش المبالغات الرومانتيكية دي أرجوك مفيش حد بيضحي في المجتمع دا أد الستات اللي الكل بيكون ضدهم ..أنا اللى آمنت بيك واديتك حياتي كلها،  ودلوقت أنا بطلب منك حاجات أبسط من أنك تحتاج تضحي عشانها .. نفسي تحول أفكارك لكتاب عشان يبقى في حياتنا مشروع عايشين عشانه .. نفسي نروح أوروبا نكمل دراستنا هناك، ويكون معانا طفل عشان أحس إننا أسرة بجد .

–          أنا عارف إني وعدتك نروح أوروبا .. لكن اكتشفت إني مقدرش أسيب مصر ولو شهر واحد .. أنا مربوط هنا من سنيين ولو خرجت برة حاحس بالاغتراب

تيقنت ولاء في تلك اللحظة من أنها أمام جثة هامدة لا أمل فيها .. فألقت عليه نظرة عتاب باردة ثم رحلت بدون وداع.

راقبها كارم من النافذة .. وبعد أن أغلق بابه عليه، خرج عن هدوئه المعتاد وانطلق في البكاء والنحيب.

 

………………………………………..

 

تركت له رسالة تحمل خبرا عن أن الطبيب أبلغها بأنها حامل في الشهر الأول .. وطلبا بالطلاق بدون أية شروط.

في صباح هاديء وممل، مثل كل الأيام التي مرت عليها بعد الاستقالة .. أخذت دينا قرارها بالهروب .

 

بدأت فكرة الهروب تراودها منذ أن شعرت بأنها مضطرة لأن تكذب عليه لكي تخفي عنه أنها التقت بحاتم .. وتتجنب نقاشا طويلا وعتابا مملا ونقدا جارحا لمجرد أنها عادت تلتقي بأصدقاءها القدامى .

 

لماذا أكون مضطرة لأن أرهن حريتي بإرداة شخص آخر ؟ أو أن أكذب لكي أعيش حياة طبيعية ؟

 

كانت دينا تسأل نفسها هذا السؤال وارتعاشة الفرح تمس قلبها لأول مرة منذ وقت طويل وهي في طريقها للقاء حاتم، الذي عرفت من حسابها على فيسبوك أنه خرج من السجن بعفو رئاسي.

ألقت بنفسها في أحضانه .. وتأملت ملامح وجهه فبدا لها شخصا غريبا بعض الشيء .. مرهق للغاية ولكنه يدعي الثبات والقوة والانتصار .

 

وما أدهشها حقا في حاتم هو ما بدا عليه بأنه فقد الشعور بمرور الزمن .. فبعد حديث حميمي بينهما عن أن السجن للجدعان ، وكيف كان كل الرفاق يفتقدون حضوره وسطهم، حكى لها عن قصته القصيرة جدا مع مريم قبل أيام من الاعتقال، وكيف غمرته بالسعادة وهو يكتشف كل طاقات الحنان الكامنة خلف ملامحها الهادئة .. ثم تطرق إلى عيد ميلاد خالد، وأفصح عن إحساسه بالانكسار في تلك الليلة.

–          ليه محبتنيش يا دينا واخترتي خالد ؟

–          حاتم أرجوك الكلام دا فات عليه وقت .. أنا علاقتي انقطعت بخالد تماما

–          محبتنيش عشان فقير .. صح ؟ مش شبهكم زي أولاد الناس الأغنياء؟

–          انت مبتفوتش لحظة واحدة الا وتنصب فيها محكمة لكل واحد فينا .. وتصدر أحكام وأوامر .. طاب اديني يا أخي فرصة حتى عشان أقدر أحبك .. وبعدين مش مريم دلوقت في حياتك حتى لو كانت في السجن !

–          أنا حدي لمريم كل حياتي .. بس دا ميمنعش إني حفضل أحبك .. مفيش حد يقدر يعرفك وميحبكيش إلا لو كان مخاصم الحياة نفسها

تأثرت بكلمات حاتم الرقيقة، وفي ذات الوقت شعرت بالضجر من طريقته في التعبير عن مشاعره التي تحمل دائما الإدانة للآخرين، وقالت لنفسها (لا أمل في أي رجل كلهم أغبيا )..

وظلت هواجسها من تعليق وائل على هذه المقابلة جاثمة على صدرها .. فهو لن يجروء على أن يقول بشكل مباشر أنه لا يطيق مقابلتها لأي من أصدقاءها القدامى، ولكنه سيفتعل أي مشكلة تافهة بمجرد علمه أنها كانت مع حاتم .. حتى يجعلها تندم على مثل هذا السلوك.

لذا قررت أن تنام مبكرا في تلك الليلة حتى تتجنب الحديث معه، وفي الصباح قررت الهروب.

أخذت قرار الهروب وهي تشك في أن ببطنها جنين .. ولم يثنيها هذا الشك عن الرحيل .. فهي .. وبالرغم من انكسار اشياء كثيرة فيها لاتزال بها جذوة التمرد التي قادتها لمشوار حياة مليء بالمعارك.

 

أغلقت هاتفها المحمول .. فهي تريد أن تتجنب أي نقاشات معه، تعرف أن قلبه لايزال معلق بها .. وأنه سيبرر كل تصرفاته بأنه يريد مصلحتها وسيعرض عليها كل التنازلات الممكنة لإراحتها .. ولكن المشكلة صارت غير قابلة للحل .. لن تقبل بعد اليوم أن تكون مجرد قطعة من بيته مثل البيانو والسيارة ولوحات الزيت الثمينة.. لقد فقدت قبلاته حراراتها منذ أن تحولت مشاعره من الحب إلى الرغبة في الامتلاك.

حتى لو بكى .. فليبكي .. فعلها من قبل عندما ألمحت إلى عدم قدرتها على الاستمرار في حياتها معه، وتأثرت ببكاءه .. ثم تفاجأت به يعود إلى نفس عاداته القديمة ..

قضت فترة الظهيرة عن الكوافير، طلبت منه أنه يصبغ خصلاتها باللون الأصفر الذهبي .. ثم ذهبت لزيارة منى في شقتها بوسط البلد.

أول ما رأتها منى على باب الشقة هتفت في مرح ( دينا رجعتلنا ياجدعان ) ، فهمت كل شيء أول ما لمحت بريقها المعهود يطل من عينيها الجميلتين ، وقد كان كل شيء فيها منطفئا وقت لقاءهما الأخير .

وأمام المرآة جلست دينا تتأمل لون شعرها الجديد .. وتحكي مشاهد متقطعة عن ما أوصلها لقرارها الصعب بالرحيل المفاجيء .. حتى دخلت عليهما ولاء بشكل مفاجيء كعادتها .. وقالت بصوت مليء بالإعجاب ( ايه اللون التحفة دا .. يابختك ياوائل)

فخبطت منى بكفها على كتفها في مزاح ثقيل وقالت لها : هو انت كل مرة تعكيها كدة ! دينا سابت وائل

ثم اخرجت منى علبة سجائرها وعلقت واحدة في فمها وقدمت الأخرى لدينا ، فاعتذرت وذكرتها بأنها حامل فمالت عليهاوقالت: نسيت صحيح .. ألف مبروك .. على البيبي طبعا مش على الطلاق.

واقتربت منها ولاء وسألتها بصوت متفهم لقرارها الصعب : بس إنتِ منطقتيش بأي كلمة عنه لما اتقابلنا آخر مرة .. إيه اللي غير موقفك فجأة

–          لأني كنت في السجن .. الحب هو السجن الوحيد اللي السجين بيكون أدامه مفتاح الخروج .. لكنه مش قادر يمد إيده

–          ( ابتسمت ولاء وربتت على كتف دينا في حنو ) أنا كمان مديت إيدي وأخدت المفتاح .. الحرية تمنها غالي أوي .. بس تستحق

……………………………………

شوفوا ازاي يابنات الوقت عدى .. انهاردة ليلة راس السنة الجديدة .. حنسهر فين ؟

سألتهما ولاء وقد بدا على كل واحدة منهما الانهاك الشديد بعد سهرة طويلة من الفضفضة وحكايات الحب المريرة

قالت منى بامتعاض : نسهر مع مين وكل أعضاء التنظيم في السجن

وشعرت دينا بسخرية الموقف وهي تقول : إلا كارم .. أهو قاعد ينظر لنا

فعلقت ولاء بخيبة أمل : حيحبسوه ليه .. مبيعملش حاجة أصلا .. زي ما يكون حكم على نفسه بالاعدام من زمان .

ثم قالت منى وهي تجلب زجاجات البيرة من المطبخ : إحنا نقضي الليلة هنا ونبسط نفسنا غصب عن كل اللي عاوزين ينكدو علينا .. في صحة 2015

وأكملت ولاء على نفس الموجة المبهجة : وناخد سيلفي السنة الجديدة .. في صحة أجمل 3 موزز في 2015 .

ووقف الثلاثة أمام الموبايل الموضوع على حامل قصير فوق المنضدة، ولاء  في الوسط تحيطهما بذراعيها النحيفين وشعرها الأكرد الهائش يبدو كهالة فوق رأسها النحيف ، ودينا ترسم ابتسامة عريضة بوجه مائل، حتى لاتظهر أرنبة انفها العريضة بعض الشيء فتبدو في كامل جاذبيتها، ومنى في الناحية الأخرى بوجه مملتيء يبدو جميلا ايضا ولكن بابتسامة عفوية.

 

 

 

 

 

 

عن الكاتب
محمد جاد