الآن تقرأ
العرض المسرحي ” يا رب” عتاب المحب المغلف بالرجاء

تعرف الموسوعة الفلسفية العربية المقدّس بأنه :”كل ما لا يمكن تدنيسه أو تلويثه، ويمتلك المقدّس على قوة غامضة تجذب أحيانا وتنفّر أحيانا وتجذب وتنفّر في أحيان أخرى٬ فالمقدّس هو ما يثير في النفس الخوف والرهبة والاحترام والخشوع الذي يبعدنا عنه ويرغبنا فيه في الوقت نفسه.

بينما يذهب “إميل دوركايم” في كتابه: الأشكال الأولية للحياة الدينية إلي أن :”الدين هو مجموعة من العقائد والعادات التي يوجد بينها علاقات متبادلة، مرتبطة بأشياء مقدسة، أي لأشياء منفردة ومحرمة٬ وهذه المعتقدات والممارسات تجمع كل المؤمنين بها في جماعة أخلاقيّة واحدة تُدعى الكنيسة”.

من هنا برزت هيمنة السلطة الدينية المقدسة بدورها وكان لابد من إنتهاك ذلك المقدس لتمر المعرفة.
يأتي عرض”يارب”الذي يشهده المسرح الوطني ببغداد٬للكاتب علي عبد النبي الزيدي٬في سياق التعاطي مع المقدّس بموقف عقلاني ويكاد يكون تفكيكيا .

عرض” يارب” عما نردده من بوح سرا بداوخلنا كلما إمتلأ العالم بالقتل والذبح بقطع الرؤوس والإغراق٬ بالحروب المتوالدة من أرحام بعضها البعض٬ بالعالم الذي أصبح متخما بالزوجات المترملات ٬الصغاراليتامي والأمهات الثكالي. بوح حوله العرض إلي صرخات تساؤل وإحتجاج ومحاولة للفهم .

يفتتح العرض بخلفية لتلاوة قرآنية من الآية 16 في سورة (ق)٬ ومن ثم يستهل سينوغرافيا بالمشهد الإستهلالي للفيلم اللبناني “هلأ لوين” للمخرجة نادين لبكي .وفي توطئة العرض إلحاح علي فكرة أن النساء هن الأكثر إكتواءا بنيران الحقد والكراهية والحروب التي يشعلها الرجال٬ فالنسوة المتشحات بالسواد وقعن محاصرات للفقد والغياب٬ وتأتي بطلة عرض يا رب٬ صورة منهن / أو المعادل العراقي من ضحايا الطائفية والكره ومن ثم الحرب والقتل الذي تسببه الأديان.

فبطلة العرض “الأم” فقدت أولادها واحدا تلو الآخر٬ دفنتهم قطع لحم مفتتة٬ بل وإستعاضت بعظام خروف لدفنها بدلا عن عظام أكبرهم. تذهب الأم إلي الوادي المقدس”طوى” بتواقيع أمهات ثكالي٬ يرفعن عريضة إلي الله ليوقف القتل٬ يمنحنه مهلةً أربعةٌ وعشرونَ ساعةً٬ وإلا سيعلنُ إضرابهن عن الصلاةِ والصيام : “ردَّ على قلبِ هذه الأم التي خسرت أولادها ولدا ولدا٬ قلبا قلبا وضحكة ضحكة ولم يبق سوى إبنٍ واحدٍ تنتظرهُ الهجرةُ وزوارقُ البحرِ أو القتلِ على طريقةِ شوارعِنا لا خيار ثالث”. وفي شجوية شديدة العذوبة يدور حوار من طرف واحد بين الأم مع الله٬ أجادت الفنانة”سها سالم” تقديمه سواء في تلون درجات صوتها٬ وتباينها من الرجاء والتوسل إلي الغضب والإحتجاج٬ كذلك حركتها الجسدية وإنفعالاتها.

تمرد الأم /الإنسان صرخة لمحاولة الفهم والإجابة عن سؤال ال “لماذات”٬ أو ما يمكن تسميته (عتاب الأحباب) في المنظور الشعبي للدين والعلاقة ما بين الله والإنسان .فالأم أدت الجزء الذي يخصها في العلاقة بالخالق٬ صلت وصامت ودعت٬ لكن الجزء الآخر مفقود : ” سَل هذه الأرض عن سجودِنا الطويل وبكاملِ أعمارِنا ولكننا في النهاية طردنا من الجنة لأننا سجدنا لله وحده !”. يقطع حوار الأم مع الله٬ ظهور النبي موسي ( الفنان فلاح إبراهيم) يطالبها بالتوقف عن الصراخ في الوادي”المقدس” وينتقل هنا الحوار بين الأم والنبي موسي٬ في بدايته يستهجن محاولتها وإحتجاجها علي الله وإنها ستكون سببا في ألا تكون الجنة تحت أقدام الأمهات٬ فالعلاقة مع الله ليست فيها شروط ومقاسات.

يكشف الحوار ما بين موسي والأم عن عجز المعجزات ــ حتي ولو مازال لها وجود ــ عن وقف القتل والدمار الذي إنتشر في الأرض في إشارة إلي حتمية تفكيك المقدس الذي أفرزته السلطة الدينية.

فعصي موسي والتي تحولت في العرض إلي أنثي ( قامت بالدور الفنانة زمن الربيعي) عاجزة عن صنع المعجزات٬ وهنا تفكيك آخر للأساطير الدينية المؤسسة٬ التي توكل كل معاشها الدنيوي بالآلهي /السماوي٬ وفي جانب آخر منها تحقر من شأن المرأة علي طريقة” أغلب أهل النار من النساء”. بل ويفشل النبي موسي نفسه في وقف القتل وتلبية رجاء الأمهات وشفاعتهن. :”كيف لي أن أكونَ مصلحٌ ولا أملك سوى عصى غادرتها الحياة وأكلَ من عمرِها الزمن ؟ وهذه الأرض ، الوطن يحتاجُ الى معجزةٍ جديدةٍ بحجمِ ضحِكات الأطفال التي توقفت الى إشعارٍ لن يأتي ، كيف لي أن أزرعَ الأمل في أرضٍ لم تنبت فيها سوى المقابر؟ يارب وجدت الناس هنا يعيشون في مقبرة كبيرة يسمونها مدينة؟ أنا مرتبك أو نبي مرتبك لا يعرف ماذا يفعل؟ كيف يفاوض هذا الحزن على شكل أم ؟ كيف ؟”.

وعند هذه النقطة يتحول موسي من نبي إلي متفرج لا يحمل سوي الدموع والأسئلة التي أثارتها في نفسه الأم/ الإنسان. نجح المخرج مصطفي الركابي في تطويع أدواته الفنية٬ من أول إدارة فريق العمل من الممثلين وعلي رأسهم الفنان”فلاح إبراهيم” والتحول من إستنكار دعوة الأم إلي التعاطف معها٬ أو التشكيلات الجمالية للعرض خاصة الديكور والإضاءة والموسيقي. يا رب عرض جسور حطم التابو الديني بأفكار صدامية أقرب للنفس الصوفي المغرق في محبة الله وإن كانت مغلفة بعتاب المحب ورجائه.

13942561_1089749934411918_2097079672_n

 

 

 

 

 

14012223_1089749994411912_475176242_n

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
نضال ممدوح
نضال ممدوح