الآن تقرأ
النيل مآسي … صنع الله إبراهيم يرصد الجغرافيا التاريخية للقارة السمراء

إعتبر الكثيرين أن التوثيقية التي يلجأ إليها الروائي الكبير “صنع الله إبراهيم” تضعف بنية السرد في أعماله٬ لكن صنع الله يخرج علينا هذه المرة بكتاب توثيقي من الألف إلي الياء٬ في كتابه الأحدث والصادر عن دار الثقافة الجديدة تحت عنوان “النيل مآسي”

. الكتاب يحمل بين ضفتيه سيناريو فيلم تسجيلي عن نهر النيل٬ كانت شركة image الفرنسية للإنتاج السينمائي٬ قد إتصلت بصنع الله مطلع عام ١٩٩٤ للمشاركة في مشروعها التوثيقي عبر الأفلام التسجيلية عن عشرة أنهار في العالم من ضمنها نهر النيل .

رحب صنع الله بالفكرة٬ واتفق مع الشركة علي أن يقوم بجولة إستكشافية للنيل والبلاد المطلة عليه.يقول صنع الله :

“عندما إستفسرت عمن سيقوم بالإخراج قالوا أنه أمر قيد البحث٬ ولم يلبث هذا البحث أن استقر علي المخرجة المصرية”أسماء البكري” المعروفة بعلاقتها الوثيقة بالجالية الفرنسية في القاهرة . “

عكف صنع الله علي قراءة المراجع الضرورية وعلي رأسها مؤلفات محمد عوض٬ رشدي سعيد وإميل لودفيج وآلان مورهيد. في صيف ذلك العام قام صنع الله ومعه أسماء البكري برحلة إلي منابع النيل :

“كانت الرحلة حافلة بلحظات التوتر : عندما عبرنا مستنقعات الحدود الأوغندية وحطت جيوش تسي تسي الرهيب فوق سيارتنا ٬وعندما إنساب قاربنا علي سطح بحيرة فيكتوريا٬ تحت بصر التماسيح وأشرفنا علي شلالات ريبون٬ وعندما وقفنا فوق خط الإستواء٬ المرسوم علي الأسفلت وكنت أظنه خطا إفتراضيا٬ وعندما شاهدنا إلتقاء النيل الأبيض بالنيل الأزرق في الخرطوم٬ وعندما أوشكنا علي دخول السجن في الخرطوم أيضا .”

عبر ٢٥٠ صفحة من القطع المتوسط ملحق بملف للصور٬ يرصد صنع الله رحلة النيل التي قام بها٬ من منبعه تحديدا من قمة جبال رونزوري المتوجة بالجليد طوال العام ٬والواقعة فوق خط الإستواء مباشرة٬ علي الحدود بين دولتي أوغندا وزائير وعندما يذوب الجليد تندفع مياه الأمطار إلي أسفل في شلالات صاخبة٬ لتغذي عدة بحيرات٬ هي إدوارد وألبرت وجورج٬ المصدر الرئيسي لمياه النيل.
يلخص عنوان الكتاب”النيل مآسي”الجغرافيا التاريخية للرحلة التي يقطعها النيل من منبعه في أثيوبيا حتي مصبه في البحر المتوسط٬ حيث يوثق التاريخ القارة السمراء الأسود مع الرجل الأبيض٬ ذاك الماضي الحافل بأحط أنواع الإستنزاف والنهب الممنهج والإفقار للقارة البكر من قبل الرجل الأبيض٬ من أول حركة الكشوف الجغرافية التي تصدرتها كل من البرتغال وأسبانيا وهولاند ولاحقا فرنسا والمملكة المتحدة الإمبراطورية التي لم تغب عنها الشمس٬ وفي البداية روج الرجل الأبيض لمهام نبيلة عن تغيير العالم٬ وحمل الوثنيين/الأفارقة علي الإيمان وإنتهاج طريق الرب٬ فكان التاجر والكاهن في مقدمة تلك الحملات التي شنها الأوروبي الغربي علي الأفارقة.
وبالرغم من أن الإستعمار العسكري المباشر قد ولي عن القارة الإفريقية٬ إلا أنه ترك ورائه المئات من مسامير جحا٬ سمهم ذيوله أو صنائعه أو وكلائه في الحكم٬ من أول صندوق البنك الدولي مرورا بجنرالات الماس الدموي وإدمان الصبية الصغار لتحويلهم إلي آلات قتل بشرية صماء لا تشعر أو تعي وليس إنتهاءا بالحدود المصطنعة التي خلفها الأوروبي من ورائه بين القبائل والشعوب الأفريقية. يقول صنع الله :”فجأة نتوقف أمام تل صغير عليه لوحة تقول هنا دفن “٢٨٢٧ ” قتيلا ضحايا النزاع الرواندي في أغسطس ١٩٩٤ كيف تراكم هذا القدر من الحقد داخل هذا البلد الصغير؟ الأوروبيون الذين دخلوا روندا منذ قرن وجدوا بلد يحكمه أصحاب الماشية طوال القامة من التوتسي٬ بينما كان الهوتو الأكثر سوادا وامتلاء يفلحون الأرض٬ ولم يكن هناك عداء بين الإثنين إلا بعد أن جاء النظام الإستعماري٬ في البداية الألمان ثم البلجيك الذين احتضنوا التوتسي ودعموا سيطرتهم كعملاء لهم في حكم الهوتو.”
كما يتعرض الكتاب إلي الإنقلاب العسكري علي الرئيس السوداني جعفر النميري٬ والذي وقع عام ١٩٨٥ مما أتاح للبلاد أربع سنوات من الحياة الديمقراطية الآمنة٬ وعادت الأحزاب والنقابات التي كان النميري قد حرمها٬ بل وأضيفت إليها أحزاب ونقابات جديدة وعلي رأسها أول نقابة من نوعها في العالم٬ وهي نقابة للذين قطعت أيديهم في ظل تطبيق النميري شريعته الإسلامية. يلفت صنع الله إلي ظهور الجبهة الإسلامية وإستيلائها علي الحكم فأشعلت الحرب الأهلية من جديد٬ وكدأب صنع الله يستعين بأرشيفه السياسي الإخباري٬ فيكتب تحت عنوان:الشارع في الخرطوم: لافتة : ثورة الإنقاذ جسدت المعني الحقيقي للإستقلال بتحقيق شرع الله٬ لافتات الآيات القرآنية إعلانات الكوكولا والبيبسي٬ إعلان الكولا : إتقوا الله ولو بشق ثمرة٬ كوكاكولا.”ناهيك عن مظاهر الحجاب الإسلامي وشرطة الإنضباط التي خصصت للقبض علي السافرات ومن ترتدي بنطلونا من النساء.
كما تطرق صنع الله إلي يهود الفلاشا الأثيوبيين٬ تلك الهجرة إلي download (1)إسرائيل والتي سميت بإسم”عملية موسي” بقتضاها نقل كافة أبناء الفلاشا وعددهم ثلاثين ألف يهودي سرا إلي إسرائيل٬ وذلك بعد أن تقلصت المعونات السوفيتية إلي الرئيس ميريام٬ لكن(أكتشف يهود الفلاشا فجأة أن إله موسي الأبيض اللون يفضل مؤمنين من نفس اللون) بحسب تعبير صنع الله في إشارة إلي التمييز العنصري الذي يواجهه يهود الفلاشا في إسرائيل .
وعن جذور العلاقات المصرية الحبشية والإمتزاج الذي حدث بين الأجناس والثقافات التي وصلت إلي الحبشة عبر البحر الأحمر والصحراء النوبية٬ لذا أطلق الإثيوبيون علي بلادهم اسم habesh أي الخليط ٬ ولم يقوموا بأي غزو لغيرهم سوي مرة واحدة عام ٧٣٠ قبل الميلاد عندما فتحوا مصر٬ كما أن مملكة” أكسوم”القوية التي قامت في شمالها حكمت الجزيرة العربية. وإكتملت فوضي الثقافات عندما أطلق ملك يهودي/عربي سنة ٣٠٠ م علي نفسه لقب يوناني son of ares ذلك أن الأثيوبيين اعتنقوا المسيحية قبل الرجل الأبيض وحملها إليهم تاجر سكندري سنة ٣٣ ميلادية ويملكون كنيسة عمرها ١٥ قرنا . إلا أن المجتمع المسيحي الدولي لم يتقبل هؤلاء المؤمنين ذوي البشرة الداكنة إلا بعد أن تواترت الأنباء عن ثرواتهم من الذهب والعبيد٬ فتوافد جيزويت روما مبعوثون من البابا٬ وسرعان ما دب الصراع الدموي بين الرؤساء ذوي الأصل العربي اليهودي٬ وكانت كنائسهم أكواخ واحتفالاتهم الدينية طبول وصراخ٬ ومن ثم نشأ الخلاف حول طبيعة المسيح .

عن الكاتب
نضال ممدوح