الآن تقرأ
تهجير يهود الفلاشا وأثره على الأمن القومي المصري ( 4 / 4)

أوضحت في السابق أن هدف المقال هو تحليل المصالح المشتركة بين كل من إسرائيل وإثيوبيا التي تتضح من خلال عمليات تهجير الجاليات اليهودية في إثيوبيا ” يهود الفلاشا “ ، وعلاقة ذلك بالأمن القومي المصري ، وقد تناولنا في الجزء الأول أهمية الهجرة إلى إسرائيل ، وزيف صبغ الهجرة إلى إسرائيل بالدينية ، وتناولنا في الجزء الثاني هوية يهود الفلاشا ، والاتصالات اليهودية – الفلاشية ، وتهجير الفلاشا إلى إسرائيل ، وأحوال الفلاشا في إسرائيل .

أما في الجزء الثالث تم تناول تهجير الفلاشا والأمن القومي المصري ، والذي أوضحت أنه يتضح من  خلال بعدين ، البعد الأول وهو ” السياسة الإسرائيلية في إثيوبيا “ وهو ما انتهينا منه في الجزء الثالث ، أما في هذا الجزء الرابع والأخير سيتم تناول البعد الثاني ( التعاون الإستراتيجي بين إثيوبيا وإسرائيل ) ، وكذلك كيفية مواجهة التغلغل الإسرائيلي.

البعد الثاني : التعاون الإستراتيجي بين إثيوبيا وإسرائيل

ويقوم التحرك العملي للنشاط الإسرائيلي الدءوب في  دول حوض النيل بمنطقة شرق إفريقيا ، لا سيما في إثيوبيا التي تحصل منها مصر على نسبة 85 % من مياه نهر النيل الآتية من مرتفعاتها المعروفة بالهضبة الإثيوبية منذ تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان 1952 بأن ” أمن إثيوبيا وسلامتها هو ضمان لإسرائيل “.

ومنذ ذلك الحين تنبهت إسرائيل إلى أهمية التعاون مع إثيوبيا ، وعلى أساس أن  أمن  إثيوبيا يتصل بأمنها في البحرالأحمر ، وفي المقابل وجدت إثيوبيا في إسرائيل حليفًا طبيعيًا  نظرًا لأنهما “من منطلق جيو سياسي” كانتا تواجهان السياسة الاستراتيجية العربية في البحر الأحمر بحكم خشية أن يصبح هذا الأخير ” بحيرة عربية “.

هذا التقارب الاستراتيجي أفضى بهما في الماضي إلى إقامة أشكال مختلقة من التنسيق   والتعاون ، مثل اشتراك إثيوبيا وإسرائيل في مصالح حدت بهما إلى كبح جماح الإريتريين ، خوفًا من انضمامهم للعرب وإحكام سيطرتهم على باب المندب ، وعلى الملاحة في البحر الأحمر

ومن ناحية أخرى تلاقت المصالح الإثيوبية الإسرائيلية على هدف خلق المتاعب  للسودان من خلال مساندة الجنوبيين الانفصالية ( حركة أنيانيا ) في الجنوب ، وفي الوقت الذي كان هدف إسرائيل من هذه المساندة هو رغبتها في تحويل الحكومة السودانية عن جهودها المناهضة لإسرائيل على صعيد منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا فقد كان الهدف الإثيوبي ، يعني تكوين دولة في جنوب السودان ذات انتماء إفريقي وعزل ما بين الشمال العربي وإثيوبيا .

ومن ناحيه ثالثة تلاقت المصالح الإثيوبية الإسرائيلية في مرحلة ما بعد حرب أكتوبر 1973 في احتياج إثيوبيا إلى خبراء عسكريين لتدريب قواتها بعد انسحاب الكوبيين منها ،      وكذلك إلى خبراء زراعيين ، وفي المرحلة الأخيرة شهدت العلاقات الإثيوبية والإسرائيلية تطورات مهمة تمثلت في تطوير التعاون في المجالات كافة ، وفي محاولات تهجير يهود الفلاشا إلى إسرائيل على وجه الخصوص.

ولم يتوقف التغلغل الإسرائيلي عند حدود نقل يهود الفلاشا من إثيوبيا عبر السودان       ” النميري ” إلى إسرائيل ، كما لم يتوقف عند حد تلغيم البحر الأحمر وإشاعة حالة عدم الاستقرار والقلق في حوضه وعلى أطرافه بل وصل إلى حد التورط الإسرائيلي في الصراع الذي مزق تشاد في الحرب الأهلية التشادية ، وذلك من أجل ضمان الصراع على حدود ليبيا الجنوبية من جهة ، ومن جهة أخرى تشغل مصر والسودان ، وفي الوقت نفسه تفتح على السودان جبهة الانفصاليين الجنوبيين بعد أن زودتهم بالسلاح  ودعمتهم بالمرتزقة وأمدتهم بالأموال.

     ومن هنا كانت أهداف التحرك الإسرائيلي في إفريقيا ، وخاصة في إثيوبيا  ترمي إلى :

  • كسر الحصار العربي المفروض عليها حيث المنقذ الوحيد لها هو ساحل البحر الأبيض المتوسط وميناء إيلات على البحر الأحمر.
  • كسب مزيد من العلاقات ، ومحاولة فرض حصار مضاد وتهديد حول الدول العربية ، ويظهر ذلك من توطيد علاقتها مع دول الجوار مثل إثيوبيا ودول حوض النيل الأخرى .
  • إثبات إسرائيل للدول الغربية بأنها خير وريث يرعى مصالحها في القارة الإفريقية .
  • تدعيم نفوذها السياسي في إفريقيا عن طريق الجاليات اليهودية المنتشرة في دول القارة ، والتي تساعد في المنطق الدعائي لإسرائيل في إفريقيا ، حيث تتمتع الجاليات اليهودية بنفوذ كبير وقوي في أوساط الأنظمة الحاكمة في دولهم الإفريقية .
  • الاستفادة من ثقل إفريقيا السياسي دوليًا حيث تتمتع إفريقيا بحوالي ثلث الأصوات في الأمم المتحدة ، وعلى الرغم من أن عدد سكان إفريقيا لا يتجاوز 10% من سكان العالم إلا أنها تتمتع بقوة تصويت تتجاوز قوتها الحقيقية .

  وتسعى إسرائيل من جراء ذلك إلى تحقيق أكثر من هدف واحد انطلاقًا من المتغيرات التالية :

أ –   وجود جالية يهودية كبيرة في إثيوبيا ” يهود الفلاشا “.

ب-  ارتباط القرن الإفريقي بالبحر الأحمر والخليج العربي.

ج-   ترتيب التوازن الإقليمي في المنطقة يرتبط بالأمن القومي العربي عمومًا والمصري تحديدًا

، وذلك على ضوء العلاقات الصومالية الإثيوبية ، والإثيوبية الإريترية .

د-   الوجود الإسرائيلي في المنطقة يساعد على تحقيق متطلباتها الأمنية .

ومن الملاحظ أن إسرائيل حافظت على وجودها دائمًا في إثيوبيا بغض النظرعن طبيعة النظام الحاكم ، وبدخول القرن الإفريقي في أتون الصراعات الإثنية والسياسية ، حيث انقسمت الصومال إلى دويلات وفقًا لمنطق حرب الكل ضد الكل ، وانهمكت كل من إريتريا و إثيوبيا  في صراع مرير ثم فتح المجال واسعًا أمام تدخل أطراف أجنبية من بينها إسرائيل ، وليس بخلاف أن هدف إسرائيل الثابت من وجودها في منطقة القرن الإفريقي هو الرغبة في الحصول على مياه النيل ، والضغط على صانع القرار المصري نظرًا لحساسية وخطورة ” ورقة المياه ” في الاستراتيجية المصرية ، وأطماع إسرائيل في مياه النيل قديمة ، ومعروفة كما أنه من المعروف أن إسرائيل تلعب دورًا غير مباشر في صراع المياه بين دول حوض النيل استفادة من نفوذها الكبير في دول مثل إثيوبيا وكينيا ورواندا .

وتكمن الرؤيا الإسرائيلية في النظر إلى المنطقة بشكل شمولي أي بامتدادتها الجغرافية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ولتدعيم نفوذها في المنطقة تعمل إسرائيل على :

  • تدعيم جيل من القادة الجدد الذين ينتمون إلى الأقليات في بلدانهم ، ويرتبطون مع الولايات المتحدة – وبالطبع الإسرائيلي – بعلاقات وثيقة .
  • محاصرة الأمن القومي العربي ، ولا سيما في امتداده المصري والسوداني .
كيفية مواجهة التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا بصفة عامة ، وإثيوبيا بصفة خاصة

تحركت إسرائيل بإستراتيجية واضحة من أربع نواح :

أولًا : تقديم خبرة تحتاج إليها بالفعل دول إفريقية معينة ، وثانيًا : التركيز على القطاعات الإجتماعية الفعالة ، وخاصة فئات العسكريين ، والعمال والشباب ، وثالثًا : السياسة الإعلامية التي ركزت بصفة خاصة على التأكيد على وحدة معاناة اليهود والزنوج ، ورابعًا : التركيز على الجاليات اليهودية المنتشرة في إفريقيا ، والتي تساعد في المنطق الدعائي لإسرائيل في إفريقيا   ومن هنا كان لزامًا على مصر ولضروريات الأمن القومي أن تقف أمام هذه السياسة الإسرائيلية بسياسة مصرية مضادة عن طريق :

  • العمل بجدية على إجراء دراسات انثروبولوجية ذات طابع ميداني داخل القارة الإفريقية لأن فهم ثقافة أي مجتمع وميوله واتجاهاته ، وحتى ذوقه هو الأساس الأول لخلق علاقات ثقافية وتجارية متينة ، وأن تجرى هذه الدراسات خاصة في إثيوبيا ودول حوض النيل .
  • زيادة الاهتمام بالمساعدات الفنية ، وتقديم التكنولوجيا في شتى المجالات وخاصة في دول الجوار الإفريقي ، وعلى نحو يرتفع بمصر إلى المستوى الذي وصلت فيه إسرائيل تواجدها في إفريقيا .
  • تقوية جسور اللغة والدين بين المجتمع المصري والمجتمعات الإفريقية وذلك عن طريق فتح مراكز ثقافية ، وخاصة في إثيوبيا ودول حوض النيل والقرن الإفريقي .
  • تقديم المساعدات المادية للحركات المناهضة للصهيونية وللسياسة الإسرائيلية الاستيطانية في إفريقيا عامة ، وفي إثيوبيا ودول حوض النيل خاصة.
  • توطيد العلاقات الثقافية بين دول حوض النيل والقرن الإفريقي وخاصة إثيوبيا ، وذلك بفتح أبواب الأزهر الشريف أمام الطلبة الأفارقة .
  • تكثيف الإذاعات المصرية الموجهة باللغات الإفريقية لفضح الخطط والأساليب الإسرائيلية ، ومهاجمة سياستها المبنية على العنصرية والتعصب الديني .
  • فتح مجالات التعاون الاقتصادي ، والمشاريع الاقتصادية ، والتبادل التجاري بين مصر والدول الإفريقية ، ويرجع ذلك أولًا لموقع مصر الجغرافي فيها ، وثانيًا ، باعتبار إفريقيا موردًا لكثير من المواد الخام اللازمة للصناعة المصرية ، وثالثًا أنها أنسب الأسواق لتصريف منتجاتنا.
  • تنشيط المساعدات المصرية ، وإعطاء برامج المعونة الفنية اهتمامًا أكبر طالما أنها تسهم في خلق أرضية مستقرة ومناخ ملائم للفهم المتبادل من جانب الطرفين.
  • محاولة التأثير على الدور البارز الذي تلعبه الجاليات اليهودية في إفريقيا ، وخاصة في إثيوبيا حيث لا يمكن أن نتجاهل دور يهود إفريقيا في دعم الأهداف الإسرائيلية ، ويقول أحد مخططي السياسة الخارجية الإسرائيلية أن أمن إسرائيل وأمن الشعب اليهودي ملتحمان بشكل وثيق ؛ فالاعتماد المتبادل بين اليهود خارج إسرائيل وداخلها أمر بديهي ، وتعمل الحركة الصهيونية في العالم على تقويتها يومًا بعد يوم .

لقد ذكرت جولدا مائير أن على إسرائيل في مواجهتها للدول العريبة داخل حدودها ، وعلى المسرح الدولي أن تبذل جهودًا لاكتشاف مشاكل جديدة تمكنها من اختراق الحصار المفروض عليها ، فلها حليف مخلص وأخوي يتمثل في يهود العالم ، ومن الطبيعي أن تكون المهام الأساسية للبعثات الإسرائيلية في إفريقيا العمل على تنمية الروابط بين إسرائيل واليهود هناك.

كما أن إسرائيل تنظم دورات خاصة ليهود الشتات عن طريق مؤسسات عديدة منها الوكالة اليهودية ، ومنظمة المحاربين القدماء الإسرائيليين وذلك لتكريس ارتباط  اليهود  بها وتعمل البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في إفريقيا على تنظيم زيارات يهود إفريقيا إلى البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية واستقطاب المتطوعين اليهود الذين أنهوا خدمتهم العسكرية ، كما تستغل إسرائيل وجود الجاليات اليهودية في إفريقيا إما كرصيد لحركة الهجرة لإسرائيل .

      وفي الختام أرى في وجهة نظري بعد شرحي لأبعاد الموضوع أنه يجب إمعان النظر جيدًا أن إسرائيل تسعى من خلال تغلغلها في إفريقيا بصفة عامة ، وإثيوبيا بصفة خاصة إلى تحقيق جملة من الأهداف الأمنية والاستراتيجية لعل من أهمها :

  • الوصول إلى منابع النيل بما يمكنها من استخدام هذه القضية كورقة ضغط لا يستهان بها أو سعيًا وراء تحقيق حلمها القديم من النيل إلى الفرات ، أو على الأقل المضي قدمًا في مشروع توصيل مياه النيل إليها.
  • تدويل البحر الأحمر والحيلولة دون أن يصبح بحيرة عربية ، بل إن إسرائيل بدأت تربط بين مفهومها للأمن الإسرائيلي والامتداد الجيوستراتيجي في جنوب البحر الأحمر .
  • محاصرة الأمن القومي العربي ولا سيما في امتداده المصري والسوداني ، وفق استراتيجية ” حلف المحيط ” أي إقامة تحالفات مع الدول والجماعات اليهودية والإثنية والدينية المعادية للعرب.
  • الخطط الإسرائيلية المتعلقة بالبحيرات العظمى ومنطقة القرن الإفريقي ، عمومًا لا يقتصر الهدف من ورائها إلا على فتح ثغرة في خطوط الأمن القومي المائي ، والمصري العربي ، من خلال إثيوبيا وإريتريا بل يتجاوز ذلك إلى جعل أبواب المنطقة مفتوحة أمام المصالح الأمريكية.

ولا يخفى على العالم أن إسرائيل قامت على موجات متتالية من الهجرة ، وكما يقول جون لافين في كتاب ” العقلية الإسرائيلية ” ، ” أن إسرائيل تحتاج دائمًا إلى مهاجرين من أى مكان يمكن أن يوجد فيه يهود الشتات ” ، فمنذ اعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 حتى الآن هاجر إلى إسرائيل قرابة الثلاثة ملايين يهودي ، منهم مليون خلال الفترة من عام 1990 حتى عام 2000 فقط .

ومن تحليلي للموقف هذا يؤكد نوايا إسرائيل في عدم التخلي عن مستوطناتها في الضفة والقدس وتزويد هذه المستوطنات بالمهاجرين الجدد ، وخاصة أن المليون مهاجر الذين استقبلتهم إسرائيل خلال العقد الماضي أغلبهم من إفريقيا ” يهود الفلاشا ” ومن دول الاتحاد السوفيتي الأسبق ، ثم توطينهم بشكل أساسي في الضفة الغربية والقدس الشرقية ؛ حيث إنهم كانوا بمثابة أداة للحكومة الإسرائيلية التي أرادت إحداث توازن ديموجرافي في الضفة الغربية والقدس الشرقية على حساب الفلسطينيين

د/ إســـلام جـمــال الـديــن شـــوقـي

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق