الآن تقرأ
متي يأتي الطوفان؟

المكان
بلد تبجل الظلم تصون الظالمين، تهين الحق فيها تطارد تابعيه، في بلد تسعة اعشار الظلم كما يليق ان تكون
الزمان
زمن أصبح المنطق فيه مغترب والعقل مشرد، وصارت الأحلام جريمة لا تغتفر تستوجب العقاب، لكن ما أكثر الحالمين،

شيدت السجون وعلت الاسوار، واكتظت الجدارن بالحالمين وضجت الزنازين بالأحلام، فتلاقت وتزاحمت وصارت قوة لا يقهرها سور أو يوقفها حارس، وتلاشي الزمان امامها وانهار، والتحمت احلام القدم بأحلام المستقبل وتقابل مظاليم الماضي بمظاليم الحاضر، يرون الأحلام ويتشاركوا العذاب، ويتبادلوا الحكايات ويحيوا الأمل

قال احدهم: ذات ليلة راودني حلم، حيرني كثيرا، فلم يكن من الاحلام التي تمر كأنها لم تكن، وحتى الآن لم اظفر بتفسير له ولا تاؤيل، حلمت بأني في وطن غير الوطن، كان حاضرا اتعرف اليه ويعرفني، لكنه كان. مختلف، كل شيء كان مثير للدهشة والتعجب، كان الناس جمعيا سعداء! السعادة والراحة بادية على الجميع، لا هم يعلو وجه ولا شقاء يحني ظهر، وصلت دهشتي مداها حين عرفت ان في ذلك الوطن الذي يشبه وطني لكنه ليس هو، ان الجميع سواسية، الجميع، وانهم مواطنون لا رعايا لكل منهم حقوقه وكل عليه واجباته، وكان هناك القانون العادل والقضاء المنصف، لا فساد، لا عنصرية، لا كره ولا حقد، السعادة والحب فقط، لكن كل ما هو رائع يذهب، استيقظت على اصوات تكسير وحطام ووقع اقدام ثقيلة وبندقية في ظهري وصوت غليظ يصيح: هل سمحنا لك بأن تحلم؟ هل اعتقدت ان مثل هذه الاحلام تخفي علينا؟

فقال اخر: اما انا فقد كان حلمي على عكس ما قال رفيقي، كانت بداية الحلم في وطن يشبه وطني إلى حد كبير، كانت الشمس لا تشرق والظلام لا ينتهي، فلا نعرف غير الرطوبة والسواد، وكان العدل كالشمس لا نراه، الأرض جدباء لا تنبت، وان انبتت، النباتات ذابلة لا تزهر، كل شيء غارق في الحزن والكأبة، مدينة مقفرة زينتها وجوه عابسة لنفوس يائسة، وكان الحاكم جائر ظالم لا ضمير له ولا عقل، يستأثر بالخير لنفسه ولحاشيته، يقتل بغير حساب، فالخوف متربع في القلوب يغذيه اليأس وغياب الأمل، وكان الناس ف شدة، المذلة تؤلمهم والجوع يطحنهم، ثم حدث شيء ما، شيء لا يحدث الا في الأحلام، دوي صوت انفجار عظيم في السماء لا تقوي الأذان على تحمله، يسبقه وميض ابيض تعجز العيون على مواجهته، وجاء الطوفان! طوفان كطوفان نوح التهم المدينة الحزينة، طوفان من البشر، امواج من اليائسين البائسين الحزانة، لكن كان هناك ما هو جديد في الوجوه، كان هناك بريق ما في اعينهم، كان هناك اصرار لا يحيد، وعزيمة لا تلين، هل أصبح لليائسين امل!
ومن ثم لطمة قوية من يد غليظة على وجهي تيقظني، وضوء مسلط على عيني وصوت يصيح بي: هل سمحنا لك بأن تحلم؟ هل اعتقدت ان مثل هذه الاحلام تخفي علينا؟

وانضم الراويان وحدثوا ثالثهم: ايها الغريب، اننا نري فيك رجل صالح، كثير التعبد، حسن الخلق، بشوش الوجه، بهي الطلعة، فهل عندك بتاؤيل لحلمنا؟
وجاء الجواب في صوت هادي رزين، يتحدث عن معرفة وثقة لا حد لها وقال: عليكم بالأمل والصبر، استوصوا بالصبر وتسلحوا بالأمل، ستنطوي صفحة الظلم وستشرق الشمس وتذهب الأيام العجاف إلى غير رجعة، وتأتي أيام الخير والسعادة والهناء، لا تفقدوا الأمل، لا تضلوا.
فسأله احدهم: ولكن الصبر إلى متي ايها الغريب؟ ولماذا لا تعرفنا بنفسك؟
لكنه اختفي فجاءة، كأنه لم يكن، اختفي مخلفا ورأه نفوس مضطربة محتارة تتساءل،
إلى متي الصبر؟
متي نري الشمس؟
متي يأتي الطوفان؟

 

عن الكاتب
محمود عبد الهادي
طالب، مصري، في كلية علوم
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق