الآن تقرأ
صيحة من بناية أخرى (قصة مترجمة)

لرضا بابا مقدم

ترجمة:محمود أحمد

كنا شخصين، نتجول في مدينة غريبة، لا أذكر كان ذلك في أي وقت أو في أي يوم. أعلم فقط أننا كنا نسير في شارع مزدحم على جانبيه ثمة بنايات عالية، وكلانا يسير بلا وجهة، ونشاهد البنايات، وذهاب الناس وإيابهم. في هذا التجوال وصلنا إلى مكان احتشد فيه جمع غفير ينظرون إلى أعلى، ويشيرون إلى موضع ما. سأل رفيقي رجلاً عن الأمر. فأشار الرجل بيده إلى صبي صغير في الطابق الرابع بأحد البنايات، وقد وقف على إفريز النافذة الرفيع الخالي من الحفاظ، ومن حينٍ إلى آخر يتحرك حركة صغيرة، ويهز يده.

في الحشد الغفير الذي كانت تتزايد فيه الضجة في كل لحظة، بقيت الأفواه مفتوحة، وتُُقرأ في الوجوه اللهفة والبحث عن حل؛ كل شخص يبحث عن وسيلة لإنقاذ الطفل: بعضهم قد وقف على الرصيف بحيث إذا سقط الطفل التقطوه، والبعض الآخر كانوا يريدون أن يهتدوا إلى غرفة الطفل، وينزلوه عن الإفريز بطريقة ما. لكن جميع هذه التدابير كانت تجري في صمت خشية أن تتخطى صيحة الطفل، وتقمعها. حتى تحرك الطفل حركة صغيرة إلى الأمام، وفجأة ارتفعت صرخة عالية ممطوطة من الحشد، وضربت النساء صدورهن، ومسح الرجال العرق عن وجوههم. في هذه الأثناء تناهى إلى الأسماع صوت من البناية المقابلة. تلفتت الرؤوس كي تجد صاحب الصوت. كان رجلاً رمادي الشعر في الطابق الخامس من البناية المقابلة. صاح ذلك الرجل في الحشد: «تفرقوا، ولا تتحسروا عبثًا. لا شيء مهم. إن أم الطفل تمسك قدميه بيدها من داخل الغرفة، ولا يوجد خطر.»

بعد لحظة دخل الطفل إلى غرفته من الإفريز، وأُغلِقت النافذة، لكن الحشد ما زالوا واقفين، ويتناقشون حول ذلك الأمر. وقد ذهب القلق والاضطراب وحالة الإشفاق والبحث عن حلول من الأيدي والوجوه، وحلت على وجوه الناس ابتسامة، تدل على الجهل والسخرية من التصورات الخاطئة. هزوا رؤوسهم جميعاً بهدوء، وأرادوا بحركات شفاههم وأيديهم أن ينتحلوا ذريعة لضلالهم.

اعتلى رفيقي الذي قد غضب من رؤية هذا الوضع، إحدى المصاطب، وصاح في الناس:

«أيها الناس! لم تنخدعوا هنا فقط، ولم تتحدثوا عن أشياء، وتعتقدوا أوهاماً بسبب الضلال هنا فقط. كم توجد أمور وقضايا في هذا العالم ننظر إليها بعيون جاحظة وأفواه مفغورة من التعجب، لأننا لا نرى مُحرِّكها وحارسها. يجب ألا ترتسم تلكم الحيرة والبلاهة على وجوههنا أبداً، ويجب ألا تُفتَح شفاههنا بالثناء والتعجب هكذا خطأً، ورؤوسنا تتحرك تعظيماً جهلاً.

إلام علينا أن نأمل وننتظر كي تنفتح نافذة من بناية أخرى، حيث يقص علينا نداء من هناك حقيقة الأمر وجوهره.»

 

عن الكاتب
محمود أحمد
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق