الآن تقرأ
فتاة دانماركية …هوس الفنان بالخلق علي طريقة بيجماليون

تعرف دائرة المعارف البريطانيّة مرض التحوّل الجنسي بأنّه :اضطراب في الهويّة الجنسيّة،يجعل المصاب به يعتقد أنّه من الجنس المعاكس٬فالذّكر مثلاً يولد بأعضاء تناسليّة ذكريّة كاملة،وهو بالتالي ليس خنثى، لكنّه منذ سنّ مبكّرة جدّاً يصنّف نفسه مع النساء،ويتصرّف كواحدة منهنّ،ويتطلّع الى انشاء علاقات مع الذكور باعتبارهم الجنس الآخر

فهو ليس مصاباً بالشّذوذ الجنسي٬بل انّ جمعيّات الشّذوذ في أميركا رفضت انتساب المتحوّلين جنسيّاً اليها،لأنّ معظمهم لا يرغب بممارسة الجنس المثليّة، فالذكر المتحوّل جنسيّاً الى أنثى، يرغب بممارسة علاقاته مع الذكور كأنثى،وفق الأعراف والتقاليد التي يظن أنه يمكن الوصول اليها،لهذا يطمح من مجتمعه أن يعامله معاملة الأنثى الطبيعيّة،كما أنّه ليس مصاباً بالانحراف الجنسي الذي يدفع الرجل الى ارتداء ملابس المرأة،أو يدفع المرأة لارتداء لباس الرجل من قبيل التشبّه،بل هو يرغب بالتحوّل الكامل الى الجنس الآخر٬وهي رغبة لا فكاك منها،يستمرّ هذا المرض لسنوات طوال،وعلى الأغلب العمر كلّه،مع خطورة تطوّر الاكتئاب والوصول به الى الانتحار٬وهو يبدأ في مرحلة مبكرة قبل البلوغ اذ لا علاقة له بالرغبات الجنسيّة،ويستمرّ حتّى اجراء الجراحة٬ومعدل وجود اضطرابات الهوية الجنسية تكون أكثر لدي الذكور حيث تبلغ النسبة واحد في كل ثلاثين ألفا مقارنة بالإناث حيث تبلغ النسبة لديهن واحد لكل مائة ألفا .
ورغم أن المخرجتوم هوبرلم يقدم لنا التاريخ المرضي لبطل فيلمهالفتاة الدنماركية إينار٬والذي قام به إيدي ريدماين٬وينافس بقوة علي جائزة الأوسكار لأفضل ممثل٬وزرع في وعي المشاهد في المشهد الإفتتاحي للفيلم٬ بأن زوجتهإيليشيا فيكانديرقد أوحت له وغذت فيه٬الإعلان عن رغبته الجنسية كأنثي٬وهي تتأمل ملامحه وترسمه نائما:”متى أصبحت جميلا هكذاالزوجان يمارسان الفن التشكيلي٬إينار ذائع الصيت تتهافت علي لوحاته٬الصالات الفنية لعرض أعماله٬وفي إحدي الحفلات٬حيث الموسيقي ووجوه النساء الناعمة٬حيث العطور وملابس الحفلات الرسمية٬يعرض إينار علي صاحب الجاليري٬الفني إقامة معرض لزوجته جريدا٬لكنه يعتذر ويطلب لوحات جديدة من إينار٬تغضب جيردا وتنسحب٬لكن إينار يشد من أزرها ويدعمها٬لتحاول من جديد٬تتغيب عنها الموديل فتطلب مساعدة إينار٬لترسمه بدلا من الموديل٬وكانت تلك اللحظة التي تسفر الأنثي بداخل جسد الرجل عن هويتها٬

وفي واحد من أروع مشاهد الفيلم٬وإينار يتخذ وضعية البالرينا٬بالجلسة الرشيقة يتحسس ملمس الثوب٬تعكس نظرة عينيه إفتتانه وتوقه الشغف٬بإعلان هويته الجنسية٬وهو مشهد تال لآخر كان يراقب فيه راقصة بالية٬وكأنه يحسدها علي تحرر الجسد الرشيق٬الذي يتحول إلي أثير طائر أمام المرآة٬يتسلل إلي مخزن الملابس٬تكتنفه بهجة الأنثي وسط المئات من الفساتين والأردية الجميلة٬

نقل إيدي ريدماين٬ملامح أنثي كاملة محبوسة داخل جسد رجل٬في مشاهد عديدة٬ بكل تفاصيل الأنثي الخاصة٬في اللفتات والحركات العفوية٬في نظراتها للمرآة والتطلع لجسدها٬في الحركة والسكون٬في طريقة إرتداء الملابس والأحذية والإكسسوارات٬وهو يتحسس قميص نوم زوجته٬ويرتديه في خلسة منها أسفل ملابسه٬في كل ما يخص الأنثي من الألف للياء .
تحظي جيردا أخيرا بفرصتها لإقامة معرض في باريس٬بعدما عرضت الأسكتشات الأولية التي رسمتها لزوجها علي أنه فتاة تدعي لي لي٬وتبدأ في التحضير له بلوحات كلها٬ بطلتهالي لي“/إينار٬ترسم له/لها عشرات اللوحات بمختلف الأوضاع٬بملابس نسائية مختلفة الألوان والأشكال٬تبتكر له طرق لوضع مستحضرات التجميل٬يبلغان منتهي النزق٬ويخرج إينار في ملابس لي لي٬تصطحبه جيردا لإحدي الحفلات٬علي إنه قريبتها التي تزورها٬ينبهر بجمالها كل من بالحفل حتي النساء٬وعندما تضبطه جيردا يقبل أحد الرجال في الحفل٬لا تعترض وإن كانت قد أبدت إمتعاضا زائفا٬وحتي حينما ينجرف إينار/لي لي في العلاقة مع ذلك الصديق٬يرفض أن تكون العلاقة مثلية٬فحينما همس بأسمه هرب من المكان٬فروح ومشاعر لي لي هنا هي التي كانت حاضرة٬كانت تبتغي الوصال وتبادل الحب كونها أنثي٬برجل وليس علاقة مثلية بين رجل ورجل آخر٬وهو ما نقلته معالم الرعب التي تجسدت علي وجهه حينما نداهستاندالب إينار .
كان لابد أن يلجأ الزوجان إلي طبيب متخصص٬وبعدما يسأله عن مدة زواجه٬وإن كانت علاقته الجسدية بزوجته طبيعية أم لا٬يسأله ايضا عن لي لي ولا يتقبل إجابة إينارمن داخلي٬الطبيب الجاهل شخص حالته بأنها إضطراب كيميائي٬يخضعه للعلاج الإشعاعي٬فهو معجزة تدمر السيئ وتنقذ الجيد٬تلك التجربة تؤذي إينار وتدمره نفسيالقد آذيت لي ليخاصة بعدما أتهمه الطبيب بأنه مجنون٬وهدد الزوجان بفضحهما٬تقبل جيردا عرض السفر إلي باريس لتقيم معرضا للوحاتها التي رسمتها ل لي لي٬تنتفخ الذات الإنثوية وتتعاظم لدي إينار٬من كلمات الإعجاب والولع بالموديل لي لي٬وتوق زوار المعرض في لقائها ومرة أخري تعكس ملامح إينار حتي وهو في زي الرجال زهوه وإفتخاره بأنوثته

رويدا رويدا يرفض إينار العلاقة الجسدية مع زوجته٬بل ويرفض لقاء صديق طفولتههانزكرجل٬إنما يقابله بشخصية لي لي قريبة جيردا٬والتي تطلب مساعدته في علاج زوجها٬وفي حوارهما يلقي المخرج اللمحة الوحيدة٬علي لسان هانز وهو يخبرجيردا عن ولع وإعتياد إينار إرتداء ملابس جدته وهو صبي صغير٬تتصاعد الأحداث حتي يصل إينار لطبيب يشخص  حالته بشكل دقيق٬ويوافق علي إجراء عملية التحول الجنسي٬التي يدفع إينار حياته ثمنا لها فنحن نتحدث عن عام ٬١٩٢٠لكنه حظي أخيرا بإختياره بأن يفارق الحياة كأنثي٬يتلامس الفيلم مع أسطورة بيجماليون٬فالزوجة التي تدعم زوجها في جميع حالاته ودعمت خياره الذي دفعته إليه دفعا٬حينما تلبستها نرجسية الفنان٬وهوسه بالخلق٬وقدرتها في إخراج لي لي للحياة    

عن الكاتب
نضال ممدوح