الآن تقرأ
كهنة المعبد يفكك أسطورة أنيس منصور

يصف الكاتب الصحفي الأبرز محمد حسنين هيكل العلاقة ما بين الصحافة والسياسة بأنها:علاقة مركبة٬كلاهما يحتاج إلى الآخر وكلاهما يحذر الآخر.عندما يقترب الصحافي من عملية صنع الاخبار يتحول من مجرد شاهد على صنعها إلى طرف في صنعها“.تلك العلاقة التي شهدت دوما شد وجذب٬ ما بين السلطة السياسية٬ والسلطة الرابعةالصحافة٬ولا يمكن تجاهل أو إنكار٬أن السياسة هي من تُغذي الصحافة فمهما كانت المجالات الصحفية مختلفة ومهمة إلا إن الجانب السياسي الصحفي هو الأهم والأكبر.

علي الطرف الآخر من تلك العلاقة٬ فإن الصحافة هي إحدى وسائل الرقابة على العمل السياسي من خلال التنبيه وتسليط الأضواء وسط العتمة.لكن ماذا عن كواليس تلك العلاقة٬ خاصة في بلد كبير ومهم مثل مصر؟وماذا عن فصولها من أول الدور الذي لعبهعبدالله النديممن خلال جريدةاللطائففي الثورة العرابية٬والتعبئة التي قام بها سواء التبشير بإنتصارات الجيش المصري علي جيش الإنجليز٬أو الدور الإعلامي الموجه الذي لعبه بكفاءة حتي إستحق لقبخطيب الثورة العرابية“.إلي أن نصل إلي زمن الرئيس عبد الفتاح السيسي٬ومحاولات الجميع(من الكتاب الصحفيين) إدعاء وصلًا بـعبدالفتاح السيسىوالسيسى لا يقر لهم بذلك.بحسب تعبير الكتاب الصحفي محمد البازفي كتابه كهنة المعبد..من أسرار الصحافة والسياسةوالصادر حديثا عن دار نهضة مصر.

يطرح الكاتب السؤال الdownloadأهم في علاقة الصحفي/الصحافة بالسياسي/السياسة٬ من خلال تساؤل إشكالي:ما الذي يتمناه أي كاتب صحفى في دولة كبيرة ومهمة مثل مصر؟أن يبنى مجده بانفرادات صحفية لا يقترب منها غيره، أن يكتب مقالات مدوية تصبح محورًا لحديث المجالس العامة والخاصة، أن يكون مصدرًا للأخبار والأسرار التي تدور خلف كواليس قصر الحكم؟.يحاول الباز تقصي الأجوبة عبر الإشتباك مع٬عدد من الصحفيين ممن أرتبطت أسمائهم بالسياسة وكواليسها وأطلق عليهم لقبالكهنةفي إشارة لتلك العلاقة المشدودة علي طرفي نقيض٬ لكنها في الوقت ذاته لا تنفصم٬ وبمعني أدق كأن الجالس علي سدة حكم مصر٬فرعونيحرقون البخور في معبده.
يستهل الكتاب بمبحث خاص بأستاذ الصحافة المصريةمحمد حسنين هيكليشتبك فيه مع ملامح غير معروفة لعلاقة الأستاذبالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك٬والتي بدأت بسلسلة الحوارات التي أجراها مع جريدة أخبار اليوم في العام ١٩٨٦ تمهيدا لعودته للكتابة مرة أخرى٬ ويشير الباز إن هيكل أراد من تلك الحوارات مغازلة مبارك لنيل تلك المكانة التي حظي بها من قبل لدي الرئيس جمال عبد الناصر٬ليس بوصفه صحفيا فحسب بل كمستشار سياسي٬ وهو ما نفاه هيكللم أطلب من مبارك أن أكون مستشارًا له، لأنه ليس لدىّ أي وقت لذلك

يتكئء الباز علي تذبذب العلاقة ما بين مبارك وهيكل مفتتتحا لتناول علاقته بالسيسي وإن كان لا يزعم يقينه برأي السيسي في هيكل:”للموضوعية والإنصاف لا أعرف على وجه اليقين، كيف ينظر عبدالفتاح السيسى لهيكل، لقد قرأ كل ما كتبه على حد ما قاله هو، لكننا لا نستطيع أن نتجاهل نظرة العسكريين، وتحديدا الأجيال الجديدة منهم، لما يكتبه هيكل عن معارك الجيش المصرى، فهو ليس منصفا لهم،كما أنه يكتب عما جرى بغير الحقيقة،بما ينتقص أحيانا من إنجاز الجيش، ولذلك تجد رأيا سلبيا لدى معظم القادة العسكريين فيما كتبه هيكل. وربما كان هيكل يستعيد محاولته تقديم نفسه لمبارك في بدايات حكمه٬من جديد مع الرئيس السيسي٬ وإن كان بشكل غير مباشر من خلال حوارات متلفزة مع لميس الحديدي٬وهو ما يفسره الباز بأنها محاولة أخيرة لجأ إليها هيكل علي خلفية إنسداد الأفق لأي محاولة لممارسة دور الناصح بل والمخطط لسياسات الرئيس٬وهو الدور الذي لم يقلع هيكل عن إدمانه منذ اللقاء الأول الذي جمعه بجمال عبد الناصر.

ومن بين ست شخصيات إعلامية وصحافيةمحمد حسنين هيكل٬إبراهيم عيسي٬ عبدالله السناوي٬عادل حمودة٬ ياسر رزقيأتي الحديث عن أنيس منصور ليحتل المساحة الأكبر من الكتاب٬فجر عدة مفاجأت عن الكاتب الذي ملأ الدنيا صخبا من حوله٬خاصة في كتابه حول العالم في 200 يوم٬ ووصف فيه طريقة تحضير الأرواح٬ وهو ما فتح الباب علي مصراعيه للدجل والشعوذة حتي ما بين الطبقات المثقفة٬أو كتابهكانت لنا أيام فى صالون العقادهذا الكتاب تحديدا الذي يفكك أسطورة أنيس منصور.وإن كان الباز لا ينفي أو يكذب مواظبة أنيس وحرصه علي التواجد في صالون العقاد٬إلا أنه يسجل بعض الملاحظات منها التي تثير العديد من التساؤلات وترسم ظلالا من الشك حول علاقة أنيس بالعقاد:أولا: رغم كل ما كتبه أنيس منصور عن العقاد، ورغم ذكرياتهما معا، وحواراتهما معا، ومعاركهما معا، إلا أنه لا توجد صورة واحدة تجمع أنيس بالعقاد فى أى مناسبة، وحتى الصورة التى نشرها لآخر عيد ميلاد للعقاد وكان ذلك فى العام ١٩٦٤ العام الذى مات فيه، لم يظهر فيها أنيس منصور، رغم أن عمره كان قد أصبح أربعين عاما، وكان له اسم فى الصحافة، لكنه حاول أن يوحى بأنه كان موجودا وحاضرا، عندما ذكر فى تعليقه، ولا يمكن أن أنسى أحدا منهم.وكان لافتا للانتباه أن أنيس عندما صدر كتابه ترك مهمة تصوير نفسه مع العقاد لريشة الفنان الراحل مصطفى حسين، الذى رسمه وهو يقف أمام العقاد فى وضع التلميذ، لكن مصطفى حسين لم يكن دقيقا، فقد رسم أنيس وهو فى الستين من عمره، وليس فى الأربعين، حيث كان عمره عندما مات العقاد.ثانيا: كل الصور التى نشرها أنيس منصور فى الكتب توحى بأن صاحبها التقطها وهو يقوم بعمل صحفى عن العقاد قبل وفاته، فهو يجلس إلى جوار ابن شقيق الأستاذ عامر، وقد يكون عامر العقاد هذا هو السر فى كل الحكايات التى رواها أنيس عن علاقته بالأستاذ، ولم يكن صعبا على كاتب بقدرات وخيال أنيس أن ينسج ما رواه عن حكاياته فى صالون العقاد، خاصة أنه اعترف أنه كتاب مكتوب بشكل روائى.

عن الكاتب
نضال ممدوح