الآن تقرأ
أن تبقى مُعلقّاً وسط الحشود المَدْهوسة.. قصة أحد الناجين من حادث تدافع الحُجّاج بالسعودية

(تحقيق نشرته نيويورك تايمز تناول بالتفصيل لحظات حادث تدافع الحُجّاج الذي وقع بالمملكة العربية السعودية منذ نحو العام)

أنا أموت. أحتاج إلى ماء


كلمات ترددت كثيراً على أذنرشيد صدّيقي، خرجت من حاج آخر كان يرقد في حال مهتريء على الأرض تحت حرارة شمس السعودية الحارقة، كان الراقد على الأرض حافي القدمين، عاري الصدر، مذهول مما يحدث حوله.. وقتها استطاعصدّيقيالهرب بطريقة أو بأخرى حتى لا يُسحق بفعل تلك الحشود المندفعة.

اليوم هو الرابع والعشرين من سبتمبر من العام 2015، اليوم الثالث للحج حيث تشاهد ملايين المسلمين من كل أنحاء العالم، لكن ووفقاً لبعض التقديرات كان ذلك اليوم هو الأكثر هلاكا في تاريخ الحج وواحد من أسوأ الحوادث التي وقعت في العالم خلال عقود.

كانرشيد صدّيقي” – المواطن أمريكي الذي يعيش في أتلانتا والبالغ من العمر 42 عاما، قد استمر في السير خلال الوادي المترامي الأطراف المكوّن من عشرات الآلاف من خيم الحُجّاج، قاصدا وجهته وهي: “جسر الجمراتحيث يقوم الحاج برشق جَمَرَات على رمز للشيطان.

وقتها كان يبعد نحو أقل من ميل واحد من الجسر حين بدأ التدافع

مات المئات وربما الآلاف لكنوبعد نحو عام  لم تطل علينا السلطات السعودية لتشرح بالضبط كيف وقعت الكارثة ولا حتى صرّحت بالعدد الدقيق للقتلى؛ فالعديد من الضحايا يحمل الجنسية الإيرانية العدو اللدود للمملكةوهو ما خلق منبعاً جديداً للخلاف بين البلدين ودفع إيران إلى منع مواطنيها من أداء الحج هذا العام.

كانت السلطات السعودية قد سعت إلى عدم تكرار مثل تلك الحوادث بعد مقتل أكثر من 360 شخصاً في العام 2006 بالقرب من جسر الجمرات؛ إذ قررت توسيع الجسروبالفعل وعقب عملية التوسيع تلك، لم تقع أي حادثة حتى جاء ذلك اليوم من العام الماضي.

بحسبأسوشياتيد برس” – واستنادا إلى تقارير إخبارية رسمية عن القتلى من 36 دولةفقد سقط ما لا يقل عن 2400 قتيل، في الوقت الذي ماتزال السلطات السعودية تؤكد أن الإجمالي الرسمي لعدد القتلى هو 769 شخصاً.
وعلى الرُغم من الاتهامات الموجهّة ضدها بسوء الإدراة تُصر الأسرة الحاكمة السعودية وبشكل متكرر على حقها في الإشراف على الحج.

بحسب تعاليم الإسلام يجب على كل مسلم سليم الجسد وقادر ماديا أن يؤدي فريضة الحج ولو لمرة واحدة في حياته، وتحت حكم العائلة المالكةوالذي فيها يتم اعتبار الملك خادم للحرمين الشريفينارتفع عدد المسلمين الراغبين في أداء فريضة الحج من خارج البلاد لأكثر من عشرة أضعاف منذ الحرب العالمية الثانية، وخلال السنوات الماضية أصبح يسافر إلى هناك لأداء الفريضة أعداد تتراوح ما بين 2 إلى 3 مليون شخص.

بناء على ذلك ينفق السعوديون عشرات المليارات من الدولارات لتوسيع أماكن إقامة الحجّاج تلبية لحاجات الأثرياء منهم ممن يقدرون على دفع مبالغ تصل إلى ما يعادل 2700 دولار في الليلة الواحدة من أجل حجز غرف تطل مباشرة على الكعبة.

لكن حتى هؤلاء الأثرياء يقضون جزء من شعائر الحج داخل خيم بمدينةمنىحيث يتجمع المسلمون بحسب المكان الذي ينتمي إليه كل منهم.

بداية المأساة:

منى في مناسك الحج

منى في مناسك الحج


قبل الفجروداخل خيمته المضاءةاستيقظصدّيقي، كان قد سهر حتى وقت متأخر يتسامر ويشرب الشاي مع أصدقاء حتى غلبه النوم علىمرتبةبجوار حُجّاج آخرين.

على الرغم من صعوبة التوقيت الذي استيقظ فيهصدّيقيإلا أنه شعر بالقوة والنشاط؛ فمنذ أسبوعين كان يعمل كمدير معلومات بناء بمدينةالرياضحتى استقال ثم قرر أن يؤدي فريضة الحج.

تفاجأ حين وجد أن الحُجّاج مستلقين وكأنهمحسب وصفه  في إجازة؛ فهي إذن ليست بالرحلة الشاقة كما وصفها له الكثير ممن قاموا بأداء الفريضة من قبل.
توضأ وصلّى، وتناول الإفطار منالبوفيهالمخصص للخيم مع رفقاء له.

بعدها قام بتعليق بطاقة الهُوية الخاصة به وربط متعلقاته القيّمة على حزام حول وسطه ..محفظة، هاتف محمول محلي، هاتف ذكي لمهاتفة زوجتهفرحالتي كانت بالمنزل مع ابنيهما فيأتلانتا“.

في حوالي السادسة والنصف صباحا غادرصدّيقيخيمته، سار مع مجموعة كان فيها شقيق زوجته ومعه زوجته، وبعض الأصدقاء ثم توقف لالتقاط صورة ونشرها علىفيس بوك“.

للحظات شعر بالرعب من تنوع الحشود، ألوان بشرة مختلفة من كل أنحاء العالم يحملون أعلام بلادهم.

بعدها اعترض الأمن طريقهم دون إبداء أي أسباب واضحة، فنظرصدّيقيومن معه حولهم ثم شاهدوا عدداً كبيراً من الحُجّاج يتخذون مساراً بديلا للجسر فقرروا أن يتبعوه.

اتصلصدّيقيبزوجته في مكالمة فيديو ليتشارك معها لحظات الحماس تلك، كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل فيأتلانتاوكانت قد أنهت هي استعدادات العيد، اندهشت مما رأته أمامها على الشاشة، وحاولصدّيقيأن يصوّر أخيها لكنه كان منهمكا في وجهته وكذلك زوجته فألقيا تحية عليها واستمرا في السير.

كانت تلك اللحظة هي آخر مرة ترى وتحادث فيها أخيها وزوجته..

الصلاة الأخيرة:
شعرصدّيقيبأن الطريق أصبح أكثر ضيقاً حتى أنه وقع خلف رفقائهكان كل منهم يضع يده على كتف من يسير أمامهثم بدأ في الشعور بالضغط بفعل ذلك الازدحام البشري.

رفع رأسه فلاحظ أن هناك حجّاج يتسلقون الأسوار العالية على جانبي الطريق، وبدا أنهم يحاولون الهرب من شي ما، فكّر للحظات أنه يجب أن يقوم بنفس الفعل لكن لم تكن لديه الفرصة للقيام بذلك.

وكأن هناك شيئا يدفعه، وقعصدّيقيمرتين وربما ثلاث مرات وفقد باقي مجموعته ثم سمع أصوات من حوله وهم يلقون دعائهم الأخير.

كان التدافع يشبه وقوعك وسط موجة عاتية، صارت الجثث تضغط على جسده من كل ناحية.. استطاع فقط أن يتحرك حين تحرك الحشد، لم يكن هناك ولا حتى بوصة واحدة يمكن لأحد أن يضع فيها قدمه.

تسبب التدافع في نزع ثياب الكثيرين، وتركهم عرايا وهم يحاولون تسلق الأسوار، يتذكرصدّيقيالمشهد قائلا: “خلال تلك اللحظة كنت خائفا جدا، كل ما كنت أفكر فيه هو أسرتي

حشود مدهوسة:
إذا كنت مسلما من خارج المملكة السعودية وتريد أن تؤدي فريضة الحج فيجب أن تحصل على موافقةوزارة الحج السعوديةوتسافر في إطار مجموعة منظمة خلال وكالات سفر خاصة أو وفود وطنية.

ولأنصدّيقي” – وهو مواطن أمريكي يحمل أصولا هنديةكان موجودا بالمملكة قبل موسم الحج استطاع أن يسجل رغبته في أداء الحج عبر وكالة محلية بمدينةالرياضمسئولة عن المواطنين الذين يحملون أصولا هندية أو باكستانية أو من بنجلاديش.

يمكنك أن تصف عملية التدافع بالذعر الجماعي، وفي معظم كوارث التدافع يتم سحق أجساد الضحايا وهذا السحق يحدث نتيجة الضغوط القوية التي قد تستطيع أن تثني سورا من الحديد الصلب.

خلال السحق، تدفقت الحشود حتى خرجت عن السيطرة، وتسببت موجات الضغط في رفع أجساد البعض إلى أعلى وحملتهم لمسافة أكبر من 10 أقدام.
والسبب الحقيقي للموت في حالات التدافع والسحق هو الاختناق؛ حيث يتقلص الجسد ويبقى الإنسان غير قادر على التنفس.

بعد مرور نحو 15 دقيقة، وبأعجوبة وجدصدّيقينفسه مدفوعا للخلف خارج كل تلك الحشود التي دُهست، كان قد فقدصندلهوملابس الإحرام التي تغطي الجزء العلوي من جسده وبطاقة هُويته لكنه لم يكن مُصاباً.

أسير كالأموات:
اندفع عدد من الحجّاج الذين كانوا قابعين داخل خيم أخرىاندفعوا وهم يمررون زجاجات المياه للناجين الذين تزاحموا لشرب جرعات من الماء ورش أجسادهم بجرعات أخرى؛ فيما تحوّل شخص ناحية خرطوم للمياه وغمر الشارع بشلالات منه.

شعرصدّيقيبحالة جفاف شديد، كان مذهولا يحملق في هؤلاء الذين ماتوا أمام عينيه، تذكّر المشهد قائلاً: “لم أعرف كيف نجوت“.

لمدة ساعتين كانصدّيقييتابع رجال الشرطة وهم يتحركون ببطء ناحية الناجين، كانوا يقدمون المساعدة للمصابين إصابات خطيرة تاركين القتلى أو الناجين بإصابات طفيفة دون أي مساعدة وحين وصل أحد الضباط إليه حثّه على استكمال شعيرته.

صرخصدّيقيفي وجهه عندما سمعه يقول ذلك، فهو رجل كان منذ دقائق يعاني ويتسلق جبل من جثث، فقد وجهته واحترق باطن قدمه من حرارة الرصيف.

كنت أسير كالرجل الميتيتذكرصدّيقي

وصل أخيرا إلى جسر الجمرات، أعطت له سيدة حجارة ليقذف بها الشيطان وشمسية لتقيه حرارة الشمس، شعرصدّيقيبأنها كانت تُشفق عليه من جرّاء منظره الأشعث القذر، لم يتبادلا أي كلمة حتى أنه لم يستطع أن يقدم لها الشكر.

أنهى رمي الجمرات، على الرُغم من أنه لم يتذكر كم عدد الجمرات التي استخدمها.

عند عودته إلى خيمته كان يعلم يقينا أن نسيبه وزوجته مفقودين، استمر في المناداة عليهما لكن لم يجب أحد كما لم يظهرا حتى حل المساء داخل الخيمة.

بحث بلا جدوى:

بعد الحادثة

بعد الحادثة


خلال الأربعة أيام التالية كانصدّيقييسير لساعات طويلة في الجو الحار، يزور المستشفيات والعيادات بحثا عن أقاربه لكن لم يكن هناك أي معلومات، حتى إن السلطات السعودية لم تقم بإنشاء مركز لمساعدة الناجين في العثور على أحبائهم لذلك كان يسير وحيدا يبحث في كل مكان. مشى لمدة 90 دقيقة حتى وصل إلى المشرحة لكن الحرس رفض أن يسمح له بالدخول.

ألغى رحلة عودته إلىأتلانتاوأخذومعه أقارب آخرينفي البحث عن المفقودين حتى نهاية الحج،  لكن السيناريو  يتكرر كل يوم وبلا جديد.

كان فريق بحث الأسرة مكون من 20 فرد، بحثوا في كل مكان، لم يعثروا سوى على شائعات ومعلومات مضللة.
فحين سمعوا أن القنصل الهندي لديه قائمة بالحجاج الهنود المفقودين توجهوا جميعا إلى مكتبه لكنهم لم يعثروا على اسم نسيبه وزوجته.

أُصيب أقارب الضحايا بحالة إحباط شديد، كان منهمسيد شاهاز أزهر” – من باكستان فقد والدته وأخيه واستغرق الأمر منه نحو تسعة أشهر قضاها في البحث وإجراء تحاليلدي إن إيهليتأكد من وفاة والدته.

وهناك أيضاًمصطفى زور رحمن  منبنجلاديشالذي فقد شقيقتهسابينالكنه أشار إلى مساعدة موظفي المستشفى له في العثور على جثتها بعد أن شاهد صورتها بعد مرور أسبوعين من الحادث بجوار صور القتلى.

تصريحات متباينة:
أعلنمنصور التركي” – المتحدث باسم وزارة الداخلية السعوديةبأن الحادث وقع بسبب تدافع مجموعتين كبيرتين من الحجاج داخل شارع204، بدورها أشارتإيرانإلى سوء الإدارة السعودية وإنكارهم لوقوعجريمةحيث أكدآيه الله علي خامنئيبأن الضحاياقُتلوابواسطة السعوديين.

فيما أعربت السلطات الإندونيسية وهي الدولة التي تحتل المركز الأول في عدد الحجّاجعن بالغ أسفها وإحباطها بعد أن فقدت نحو 130 من مواطنيها في الكارثة، وهو الأسف الذي جاء من رد الفعل السعودي؛ إذكما وصفت إندونيسيا لم تحصل على حق الوصول الكامل لضحاياها وللمستشفيات لعدة أيام.

بينما جاء رد الفعل الباكستاني مختلف بعض الشيء، فهي الحليف الأقرب للسعودية وهو ما دفعها إلى التخفيف من وقع إجمالي عدد القتلى الباكستانيين كما حذّرت الإعلام المحلي من انتقاد إدارة الحج.

بدوره أصدرمجلس الشئون العامة للمسلمين” – وهو مجموعة مناصرة للسياسة الأمريكيةأصدر بياناً طالب فيه بضرورة إجراء تحقيق مستقل وشفاف من جانب المملكة السعودية إلى جانب اقتراحه بأن تتخلى المملكة عن إدارة الحج وتُسند الأمر إلى إدارة دولية وهي الفكرة التي رفضها السعوديون.

خلال شهر يونيو من العام الحالي أعلنت السعودية بأنها سوف توزعأساور إلكترونيةعلى الحجّاج هذا العام لتسهيل عملية التعريف بكل حاج، كما فرضت الوزارة قيود جديدة على عملية رمي الجمرات لكن وعلى الرُغم من وعدها بإجراء تحقيق لم تقدم السلطات أي نتائج تتعلق بالحادث.

أسباب مجهولة:
بعد مرور عشرة أيام، عادصدّيقيإلى مدينةالرياضمتعبا وراغبا في العودة إلى زوجته وأبنائه وبالفعل عاد بعد أيام قليلة إلىأتلانتافيما استمرت العائلة في البحث عن المفقودين.

15 يوما أخرى حتى تم تأكيد وفاة نسيبه؛ حيث عثر أخيه على جثته في مشرحة بمنىودُفن بعد نصف ساعة من التعرف على جثته، وبعد أسبوعين آخرين تم تأكيد خبر وفاة الزوجة بناء على أدلة مصورة لما تبقى منها، وكانت السلطات قد دفنتها.

ترك نسيبصدّيقيوزوجته خلفهما طفلين صغيرين، يعيشان الآن مع عائلتهما في الهند.

منذ الحادث وصدّيقييفكر ويطرح التساؤلات عن كل خطوة اتخذها غيّرت حياته، وحين عاد إلىأتلانتاأخذ يبحث عما حدث، يضع أمامه الخرائط ويسير بعينيه على الطرقات ثم يدّون ما حدث وفي النهاية توقف عن البحث عن إجابات لما يدور في رأسه.
يتذكر المشهد قائلا: “كنت هناك.. لكنني غير قادر على إخبارك بدقة عن السبب

تسلسل الأحداث وفقا للمكانبناء على خريطة من صور الأقمار الصناعية التابعة لوكالة ناسا وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية:
أولا: التحرك من الرياض إلى مكة عبر حافلة من خلال وكالة السفر .

ثانيا: بداية أداء الشعائر، الطواف بالكعبة ثم الذهاب إلىمنىثمعرفاتثمالمزدلفةحتى الوصول إلى جسر الجمرات.

ثالثا: يتم الوصول إلى جسر الجمرات منمنىسيرا على الأقدام.

رابعا: هناك فيمنىتنظم السلطات الحجاج داخل خيم بحسب البلد التي ينتمون إليها.

خامسا: كانت خيمةصدّيقيعلى بعد ميلين من الجسر.

سادسا: كان من المفترض أن يسلك ومجموعته الشارع رقم “511” لكنه كان مغلقا فقرروا أن يسلكوا الشارع رقم “406” المؤدي إلى شارع “204”

سابعا: وقع التدافع بالقرب من  تقاطع شارعي “204” و“232”.

ثامنا: صرحت السلطات السعودية أن الحادث وقع نتيجة تدافع مجموعتين كبيرتين من الحجاج.

تاسعا: تعكس التحليلات أن التدافع والدهس امتدا إلى ما لا يقل عن ألف قدم من شارع “204“.

عدد القتلى حسب المنطقة: “أسوشياتيد برس“:

جنوب شرق آسيا: 135
الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: 334
جنوب آسيا: 368
إيران: 464
جنوب الصحراء الكبرى: 1103

الرابط الاصلي:

(Visited 123 times, 1 visits today)
عن الكاتب
مريم كمال
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق