الآن تقرأ
ملكات سوريا .. الفن يخلق حياة هدمها الدين

ولأن الفن لغة عابرة للزمان والتاريخ ٬ للأجناس والحدود٬إستطاعت نساء سوريات يقدر٬ عددهن بستين سيدة٬ يعشن في الألفية الثانية بعد الميلاد ٬ من التماهي مع مثيلاتهن عاشوا قبل الميلاد من نساء طروادة٬ وعبر فيلم “ملكات سوريا” والذي يعرض حاليا ضمن فاعليات٬ بانوراما الفيلم الأوروبي ٬نجحت المخرجة “ياسمين فضّة”في تأكيد فكرة أن الفن يخلق حياة جديدة كان قد دمرها الدين٬

فما تتناقله وسائل الإعلام عن الإنتهاكات التي طالت النساء في العراق وسوريا منذ ما يربو علي خمسة أعوام٬ سواء بالأغتصاب والبيع والشراء في أسواق نخاسة عصرية٬ أو إجبار الجميلات منهن علي الزواج القهري من أمراء تنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية المتطرفة٬وليس إنتهاءا إلي المقابر الجماعية والأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة٬ في العمليات التي تستخدم فيها النساء وآخرها تفجير سوق مالي قبل أيام .
يتناول “ملكات سوريا”الحكاية التي كانت وراء٬ ورشة عمل مسرحي شاركت فيها مجموعة كبيرة من النساء السوريات ٬ النازحات قسرا إلي الأردن نتيجة التخريب الممنهج لسوريا٬

دارت جل مشاهد الفيلم في الورشة المسرحية حيث تم تأهيل النساء للوقوف لأول مرة علي خشبة المسرح ٬ ليحكين قصصهن ويخبرن العالم عن دفع النساء الدائم لفاتورة الحماقات البشرية .
لم يكن خوض تجربة أولئك النساء البوح والحكي أمام جمهور من الغرباء هينة أو بسيطة٬ في حين حظيت بعض السيدات السوريات على دعم أسرهن، توجّب على الكثيرات منهن التصدي لأزواجهن وآبائهن بسبب كسرهن محرّمات مُجتمعية متعارف عليها، فهن يعملن إلى جانب رجال غرباء خارج المنزل٬ وهو ما نراه في المحادثات الطويلة بين”عمر” مخرج العرض المسرحي وهو يحاول إقناعهن بالإستمرار في الورشة وأداء أدوارهن ٬ ليس فقط كعمل فني وإنما لينقلن صوتهن للعالم الذي شارك بالتواطئ في مأساة تهجيرهن عن ديارهن،وهو ما يتواتر خلال الفيلم ونراه في تناقص عدد المشاركات في العرض من يوم لآخر٬فمنهن من كانت تخاف الأغراض الإنتقامية منها أو من ذويها من قبل التنطيمات الإرهابية٬ ومنهن من قبلن المشاركة لكن مع التظليل علي وجههن وإخفائها٬ ومنهن الأميات لكن يظهر الجانب الإنساني المشرق٬ والنسوة المتعلمات يساعدهن في كتابة ما يملينه عليهن٬ كما نقل قوة وجلد نساء أخريات وتصديهن لإعتراضات عائلتهن٬والمشاركة في العرض خاصة من بضعة نساء من المنقبات .
أما لماذا وقع إختيار القائمين علي الورشة٬ لمسرحية يوربيدس”نساء طروادة” لتحكي من جديد علي لسان ملكات سوريا٬ هو ما تذكره بطلات العرض المسرحي / الشريط السينمائى ٬ أنفسهن وكيف أن المسرحية الأصلية تتناول معاناة النساء زمن الحرب٬ وعن طروادة التي تحولت من مدينة تغار منها السماء إلي مدينة من الحرائق والأطلال٬ وهو مامر بسوريا خلال الأعوام الخمس الماضية٬ وبدا جليا في حوار إحدي المشاركات بالعرض”كنت ملكة بيتي الذي أفتقد أركانه وتفاصيله”وكانت مهارة المونتير وهو يقطع حوارات النساء عن ذكرياتهن وعزتهن الماضية الهانئة في سوريا قبل ما سمي بالثورة٬ وبين وضعهن الحالي كلاجئات نازحات في الأردن ٬ يعشن في مخيمات عشوائية ضيقة ٬ وكان الإلحاح علي هذة المقارنات لفتة ذكية في المونتاج٬ حيث نري٬ أسر اللاجئين عبارة عن غرفة واحدة لكل عائلة أيا كان عدد أفرادها٬ علي الأرض مرتبة واحدة او اثنتين٬ بجانبها تكومت ملابس الأسرة في صندوق خشبي ٬ أو علقت علي مسامير٬ أو تناثرت في كرتونة ورقية٬ وبزاوية أخري من نفس الغرفة٬ موقد يحمل من إحتمالات الإنفجار أو الحريق أكثر مما يحمل من إحتمال مواصلة الحياة كأداة للطهي .
وكما كشفت وفضحت شهادات الملكات السوريات٬ اللعبة القذرة وحروب الوكالة التي تجري علي الأراضي السورية٬ إلا أنها أيضا عكست معدن النساء حافظات الحياة المنافحات عنها٬ المحتفيات بها بإصرارهن علي مقاومة القبح والقتل٬ فلم تمنع ــ مثلا ــ سنونها الخمسون تلك السيدة الجميلة٬ من إطلاق زغرودة فرح وإزاحة للحزن٬ وهي تعبر للمسرح يوم العرض٬ في صحبة حفيدتها ٬بل كانت تلك التجربة الفنية الإنسانية الثرية٬ فرصة إحداهن في تحقيق حلمها بالتمثيل٬ وإن كانت فرحة منقوصة غير مكتملة٬ لأنها جاءت متزامنة بالمأساة السورية٬ ولم تستسلم الجدة من إحدي المشاركات أيضا٬ وتقف أمام مشهد إقتياد شقيقها من السجن٬ للشارع وتصفيته جسديا حتي لم تلحقه المستشفي التي تأخر في الوصول إليها٬ وإن كانت تروي الواقعة وصوتها ينزف لوعة وحسرة ٬ فاقت ما سكبته الخنساء في رثاء أخيها صخر ٬ أو “مها” أبرز وجوه العرض وموهبتها الفطرية الطازجة٬ تقرأ لأطفالها وتراجع معهم دروسهم ٬ وهم يصححون لها مدي إستيعاب الذاكرة لدورها ٬تريد أن يصل صوتها إلى كلّ العالم: “إحساسي انّه في عندي صرخة، وبدي اصرخها٬خلي كل العالم يسمعها”٬ وأخري منقبة تسأل أخرى:”يا ترى في نتيجة”؟ وأخري تجتر المجد الزائل لأيامها الأولي في بلدها قبل أن يحل الكابوس علي سوريا :انظري إليّ وستجدين مأساة تمشي على ساقين ..كنت أيتها الأم زوجة قائد عظيم
وبرغم أن تصنيفه كفيلم وثائقي إلا أنه جاء سيمفونية فنية ٬ لا تحمل خطايا تلك النوعية من الأفلام وإلحاحها علي الإفراط في البكائيات٬ وإنما جاء تعبيراً عن الخسارة، في رسالة إلى عالم لا يدرك أنّ نجمات الشريط، المتشحات بالسواد، لا يشكّلن إلا عيّنة من نساء سوريا٬ يظهر الفيلم نموذجاً واحداً للسوريّات، لكنّه يقدّمه كرمز لكلّ امرأة سوريّة .

عن الكاتب
نضال ممدوح