الآن تقرأ
الوجه الاخر لعبد الغفور البرعي ؟

ربما لا تتوفر احصائيات تقدر لنا بدقة عدد المرات التي تمت فيها اعادة اذاعة مسلسل لن أعيش في جلباب أبي، لكن من المؤكد أن المسلسل الذي تم انتاجه قبل نحو عشرون عاما يعد من أكثر الأعمال الدرامية تكرارا في القنوات المصرية، وهي المكانة التي تعكس انبهارا متبادلا بين المسئولين عن القنوات والمتفرجين ببطل المسلسل الذي جسد الفنان الراحل نور الشريف من خلاله نموذج التاجر العصامي الصاعد من القاع إلى القمة.. ولكن هل يستحق عبد الغفور البرعي حقا كل هذا التمجيد ؟

 المعروف أن النص الذي يظهر أمامنا على الشاشة مقتبس من رواية لإحسان عبد القدوس عالجها دراميا السيناريست مصطفى محرم، وتدور أحدث هذا العمل، الذي صار من أبرز كلاسيكيات الدراما العربية، حول شخصية عبد الغفور الذي يدخل إلى سوق الخردة عاملا فقيرا ويترقى ليصبح رأسماليا كبيرا، وبقدر ما يشعر عبد الغفور بالرضا عن نجاحه التجاري يعكر صفو حياته مكائد الانتهازيين الطامعين في ثروته.

ولكن المظهر البطولي الذي يظهر به عبد الغفور على مدار المسلسل، كرجل من أصول بسيطة يحترم تقاليد المجتمع ويقدر قيمة كل قرش تعب في جمعه، يخفي عننا الكثير من جوانب هذه الشخصية التي ربما لو حاول صناع المسلسل التعرض لها لما بدا لنا البطل بهذه الصورة البراقة .

فلنحاول اذن ان نفهم عبد الغفور بصورة أعمق ولنسأله من أين لك هذه الثروة ؟ الرجل كان يعمل عاملا في وكالة تاجر كبير اسمه ابراهيم سردينة، ويدخر من أجره اليومي لكي يراكم رأس مال صغير يستخدمه في المتاجرة في قطع الخردة في يوم عطلته، هكذا بدأت قصة ثراءه، والواقع أن ابن ابراهيم سردينة كان بعيد النظر ، عندما علم بأمر هذه المتاجرة سعى لفصله من الوكالة، كان هذا الحدث بمثابة نبوءة من ابن التاجر الكبير بأن عبد الغفور سيصبح تاجرا عظيما ينافسهم في أعمالهم ويهز مكانتهم في السوق.

ولكن التاجر العجوز صاحب الوكالة تعامل مع عبد الغفور بطريقة رومانتيكية، فهو في سن متقدم والعامل الشاب يذكره بسنوات كفاحه الخالية، لذا سمح له بأن يستمر في الوكالة وأن يحافظ على تجارته الخاصة.

كانت النتيجة أن نبوءة ابن التاجر الكبير تحققت، وصار عبد الغفور من حيتان السوق، ألم يكن ابن ابراهيم مصيبا اذن في سعيه لسحق منافسه وهو في مرحلة مبكرة من مشواره التجاري، أقصد أليس ذلك منطقيا إذا أخذنا بمنطق السوق!

لو كان هناك عدلا لظهر ابن ابراهيم سردينة في المسلسل كرجل بعيد النظر لكن صناع العمل يقدمون لنا منافسوا عبد الغفور كشخصيات تافهة تحقد عليه لمجرد أنه ناجح .

وفي نفس الوقت لا يخبروننا هل كان الثري الجديد يتعامل مع منافسيه  الجدد بنفس رومانتيكية ابراهيم سردينة أم كان يسحقهم في مهدهم ؟ هل حافظ على مكانته بقوانين السوق والمنافسة الحرة أم صنع لنفسه مكانة احتكارية ؟

لقد تطور الرجل وتوسع من التجارة إلى الصناعة، ولكن المسلسل لا يتعرض لامكانية أن يكون عبد الغفور قد نفذ ممارسات احتكارية في سوق الخردة خفضت من أسعارها من أجل أن يستخدمها كمادة خام لصناعته الثقيلة؟

لا يقدم لنا المسلسل تفاصيل كثيرة عن أعماله التجارية تبرر هذه المكانة الراسخة على قمة السوق، فقط يكتفي المسلسل بالاحتفاء بقصة ثراءه .

وبينما تركز أحداث النصف الثاني من المسلسل على الحياة الاجتماعية لعبد العفور، يقدمه لنا صناع العمل على أنه نموذج مثالي على المستوى الانساني أيضا، فهو يبدو أفضل من غريمه ابن ابراهيم سردينة بالرغم من أن الأخير رضي بمكانته الجديدة في السوق كتاجر متوسط الحجم وسعى للاستمتاع بحياته، ولكن ميله للاستمتاع بالحياة جعل وصف” أبو كرش”  لائقا عليه، أما الفضيلة الكبرى فهي جمع المال ومراكمته والهيمنة على السوق كما يفعل عبد الغفور بدأب طوال حلقات المسلسل.

أما الابن الوحيد لعبد الغفور الذي لم تكن له في بداية حياته ميول تجارية فقد ظهر كأبن ضال لا يعرف مصلحته، وأي طريق خارج مملكة الأب يقوده إلى المهالك، فالتدين قاده إلى الجماعات المتطرفة والانفتاح على الغرب قاده إلى زوجه غادرة هجرته بشكل مفاجيء.

وفي نهاية المسلسل يقرر الأبن أن يتوقف عن التمرد على مملكة الأب ويدخلها من الباب الإصلاحي، سيعمل في تجارة الخردة أيضا ، وهي النهاية المثالية التي تثلج صدور المشاهدين في كل مرة يعاد فيها المسلسل، خاصة وأن الأبن يوافق على الزواج من ابنة خاله، وهو ما يدعم النزعة المحافظة للزواج العائلي في مقابل الحياة المستقلة للشباب .

 تلك النهاية كان من المفترض أن تفجر صراعات كبيرة داخل العائلة الثرية، فنحن أمام حالة أشبه بتراجيديا الملك لير، حيث يتأهب الأب لاعتزال المهنة بعد أن اطمئن على استقرار امبراطوريته المالية ووجود وريث لها، وهو ما قد يتسبب في انفجار صراع بين الابناء على التركة.

لاشك أن المسلسل أشار لامكانية حدوث هذه التراجيديا عندما ألمحت ابنه عبد الغفور، نفيسة، إلى سيطرة عائلة خالها على ثروة الأب عبر زواج ابنة خالها من ابن عبد الغفور، وورود هذه الاشارة على لسان نفيسة تحديدا له مغزى عميق فهي أكثر الابناء اهتمام بثروة الأب وكانت تسعى للسيطرة عليها من خلال زوجها الذي يعمل في مكانة أقرب إلى الذراع اليمين لعبد الغفور.

ولكن المسلسل يكتفي بانهاء المسلسل بمشهد رومانتيكي لعبد الغفور وهو يستعيد ذكريات الكفاح مع زوجته، فالرجل الثري لم ينسى أصوله البسيطة وهو الآن يستعد لاستراحة محارب بعد مشوار طويل من النجاح، هكذا تقدم لنا قصة عبد الغفور في كل مرة لترسخ في أذهاننا أن النجاح البراق هو مراكمة الثروة وأن تمرد الشباب وسعيهم للاستقلال لن يقودهم إلا إلى الهلاك ولا جدوى من وراءه، فعليهم أن يعودوا لأحضان عائلاتهم ويطيعون أوامرهم.

عن الكاتب
محمد جاد
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق