الآن تقرأ
سجون التخلف

في لقاء له مع المذيعة المصرية منى الشاذلي، سُئل رئيس الوزراء التركي، آنذاك، رجب طيب أردوغان، عما يمكن أن تفعله مصر حتى تصبح مثل تركيا، فأكد لها أن على مصر تطبيق العلمانية، ثم أفاض في شرح رؤيته للعلمانية. وبقليل من البحث، سندرك أن أردوغان في ذلك الحديث قد أصاب كبد الحقيقة.

فالتجربة على أرض الواقع تؤكد أنه لا تقدم دون علمانية. هكذا كانت التجربة التركية والماليزية والهندية، بالإضافة إلى التجربة الأوروبية، حيث لعبت العلمانية دورًا رئيسًا في نجاح تلك التجارب. وقبل التوسع في الحديث عن هذا الأمر علينا أولا أن نعرف معنى العلمانية.

يُعرِّف الدكتور الفيلسوف “مراد وهبة” العلمانية بأنها “التفكير في النسبي بما هو النسبي وليس بما هو مطلق” (كتاب “مُلّاك الحقيقة المطلقة”، صفحة 29) بمعنى أن العالم المادي الذي نعيش فيه هو عالم نسبي متغير باستمرار وليس ثابتًا مطلقًا والتغيير يحدث داخله ويمس الأفراد الذين يعيشون فيه مما يُحتم تغيير القوانين والأحكام الحاكمة لهذا العالم وهؤلاء الأفراد الذين يعيشون به بشكل مستمر حتى تتلاءم مع التغيير الحادث باستمرار. وهذا بالطبع لا يناسب حُكام الشرق الأوسط الساعيين دومًا لفرض أنظمة حكم شمولية مطلقة لا تتغير مما يجعلهم دوما يفرضون الثبات بدعوى الاستقرار.

ولهذا فإن هذه السلطات تسعى دوما لتشويه العلمانية التي تدعو إلى التغيير والتطوير المستمرين وهذا نقيض الثبات الذي تريده تلك الحكومات من أجل تثبيت حكمها الشمولي.

لذا، فقد عملت السلطات المتعاقبة على تشويه معنى العلمانية كما فعلت التيارات الدينية المعارضة التي تطمح في الوصول إلى الحكم، لأن الاثنين، القابع في السلطة والطامح إليها، يريدان حكمًا شموليًا، والعلمانية هي نقيض الشمولية والدوجماطيقية (Dogmatic)، أي التعصب الشديد للمعتقد الديني أو الأيديولوجي وفرضه على الآخرين بالقوة باعتباره من المسلمات.

ومن ضمن مبادئ العلمانية، مبدأ “التسامح”، مما يعني قبول الآخر المخالف في الفكر أو العقيدة والتعايش معه، استنادًا إلى مفهوم “أنا وأنت، أيها المخالف، لا نتشارك في العالم الغيبي الروحاني، لكننا بالتأكيد نتشارك في العالم المادي الذي نعيش فيه سويًا، فلنتعاون معًا حتى نجعل هذا العالم مكانًا أفضل لنا جميعًا”. وهذا بالطبع لا يناسب الحكومات الشمولية، فما فعله السفاح “بول بوت” في كمبوديا و”ستالين” في روسيا وفعلته ألمانيا النازية أبان الحرب العالمية الثانية إنما هو أكبر تجسيد لعدم قبول الآخر والإعلاء الوهمي من الذات ومحاولة فرض أيديولوجية بعينها على الشعوب المحكومة، فكانت النتيجة حروب طاحنة ومذابح هائلة راح ضحيتها الملايين من البشر. والقول نفسه ينطبق على الحكم الديني والجماعات الدينية، فما يحدث حولنا من حروب في سوريا واليمن والعراق، وما حدث في الماضي من اغتيالات وعمليات إرهابية، إنما هو نتيجة أساسية لعدم قبول الآخر، المخالف في العقيدة أو المذهب أو الفكر، ومحاولة إخضاعه أو إبادته سواء من جانب الجماعات السنية أو الشيعية.

إن التعايش يعني السلام المجتمعي، والسلام المجتمعي عامل رئيس لحدوث التقدم.

ومن المبادئ الأخرى التي تتضمنها العلمانية “أن الحل في هذا العالم” وهو ما يعني عدم اللجوء إلى الخرافة لتفسير الظواهر الغامضة، بل على المرء، أو المجتمع، أن يطور أدواته لتفسير تلك الظواهر على أساس أن حلها موجود في عالمنا المادي وليس في العالم الغيبي، وهذا ليس إنكارًا للعالم الغيبي وإنما هو رؤية واقعية لعالمنا الذي نحيا فيه، ولهذا تكون البلدان العلمانية دومًا في حالة تطوير مستمر لأدواتها، فهي بذلك تتقدم باستمرار، بينما تظل المجتمعات الباحثة عن الحل في العوالم الغيبية في حالة جمود أو تراجع. ومن أمثلة التغيير الذي أحدثته العلمانية في نمط التفكير، ما كان يحدث في أوروبا في الماضي عندما كان يُنظر إلى الأمراض دومًا باعتبارها من “الشيطان”، فكانت تتم معالجة المريض على هذا الأساس، وتكون النتيجة إما موت هذا المريض أو تفاقم مرضه واستفحال الأوبئة كالطاعون وغيره، وعندما غلب نمط التفكير “العلماني” على العقل الأوروبي، تم تطوير الأدوات لمعرفة أسباب تلك الأمراض وتشخيصها، فتم اكتشاف الفيروسات واختراع الأمصال، وتم القضاء نهائيا على العديد من الأمراض والأوبئة، كالطاعون والملاريا والكوليرا وغيرها، كما تطورت وسائل النقل والاتصالات إلى حد مذهل، ولا يزال التطوير مستمرًا. ومن أمثلة غياب نمط التفكير العلماني ما نراه في بلادنا البائسة، الغارقة في الخرافة، فعندما يحدث ما نعجز عن تفسيره، كالأمراض النفسية والعصبية أو الحرائق الغامضة، تكون الإجابة دومًا “إذن هناك عفريت”!!

وهكذا تؤكد التجربة على أرض الواقع، أنه لا تقدم دون علمانية، وأنها الطريق الوحيد نحو التقدم، أو نبقى إلى الأبد في قابعين في غياهب السجون

سجون التخلف

والرجعية

والجمود…

أردوغان يشرح رؤيته للعلمانية:

عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق