الآن تقرأ
بلدة ميت بغل

كان عم بشندى رجل يبلغ من العمر ارزله .. عجوز كشجرة صنوبر يابسة.. يرتدى ملابس بسيطة دائماً, ولكنه كان حسن المنظر, له جاذبية حكيم عجوز يعرف كل شيء.. لا أحد يعلم كم يبلغ عمره على وجه التحديد من أهالى البلدة .. كان صامت كالجبال .. كلماته معدودة تخرج من فمه بهزة رأس دائمة تضيف على مظهره الحكمة والورع .. كان أهالى البلدة لا يعلمون عنه الا أقل القليل .. يهابونه و يخشونه و يحترمونه و قد يقدسونه احياناً فى مزيج غريب .. كان يقوم بأهم و أقدس عمل فى البلدة .. حراسة الضريح.

كانت تلك البلدة النائية غير واقعة على الخريطة .. بلدة صغيرة يكاد لا أحد يعلم عنها أى شيء الا سكانها, و سكان بعض القرى المحيطة و التى ليست بقريبة منها ايضاً .. يعمل الاغلبية العظمى من سكانها فى الزراعة .. سكانها بسطاء غير منفتحين على العالم .. تسمى البلدة “بلدة ميت بغل”–أو هكذا يتم نطقها-  ولا أحد يعرف على وجه اليقين ما سر هذا الاسم, و ان كانت هناك حكاية غير مؤكدة حكاها عم بشندى عن العصر الذهبى للبلدة, و انها كانت من أقدم بلدان المدينة, و كان عمدتها من القوة و السلطة و الجاه حتى انه ملك مائة بغل, كان يستخدمهم فى نقل البضاعة و التجارة و أعمال الحقل .. فى الواقع لا أحد يعلم متى انتهى ذلك العصر الذهبى للبلدة, و ان كان حتى يومنا هذا يتفاخر أهلها بذلك العصر,بينما لا تتذكره بقية البلدان .. كانت بلدة ميت بغل بها مدرسة واحدة ابتدائية يُدرس بها مناهج أسهل قليلاً من المعتاد, حيث ان معظم أهل البلدة لا يكملون تعليمهم, و يكتفون بالقراءة و الكتابة و معرفة تاريخ البلدة, و بالطبع مادة الأخلاق التى تحث على قيم مثل طاعة الكبير و احترامه و الرضا بالقدر والنصيب .. بجانب المدرسة كانت هناك بعض الخدمات الاساسية بجودة منخفضة قليلاً و بالطبع ذلك الضريح الذى يحرسه عم بشندى …

و للضريح قصة قديمة .. كان ذلك الضريح أقدم شيء فى البلدة .. يقع قرب الطريق الرئيسى الذى يربط البلدة بباقى البلدان.. كان عبارة عن شاهد قبر رخامى صغير يبرز من الأرض الطينية, و به كتابة غير واضحة, و بجانبه حجرة صغيرة يسكنها عم بشندى .. كان الضريح أقدم من عم بشندى نفسه, وكان مقدس لأهل البلدة .. يتباركون به, و يقيمون له الأعياد .. يتحاكون عن قدرته على صنع المعجزات, و شفاء الأمراض, و كيف انهم يعيشون ببركته, و كيف ان الله بارك بلدتهم بوجود ذلك الضريح .. أما لمن هذا الضريح فقصة أخرى .. كان أهل البلدة لا يعلمون الا القليل عن صاحب هذا الضريح, لكنهم متأكدين من حقيقة انه كان رجل مبروك, يُعرف بتواضعه, و حبه للخير .. دائم الصلاه, و التقرب الى الله .. له رائحة البخور حتى عندما مات ظل ضريحة له نفس الرائحة لوقتنا هذا .. أما نقطة الخلاف فكانت ديانة صاحب الضريح .. كان مسيحيى القرية بالغى التأكد انه كان رجل مسيحى يسمى عم غريب, تنيح فى سلام, و جسده لم يرى فساداً .. كانوا يذكرونه فى قداديسهم, و يطلبون شفاعته باستمرار .. أما مسلمى القرية فيعرفونه بالشيخ هلال .. ذلك الشيخ ذو العلم الواسع, حافظ القرآن عن ظهر قلب, مقيم الفروض والصلوات .. كانوا يقيمون له المزارات, و يتبركون بسيرته.

كان هذا الخلاف قديم قدم عم بشندى و الضريح نفسه, و نتج عنه الكثير من الاحداث المأسوية و المشاجرات بين أهالى القرية,وانتهى باستسلامهم مع اقتناع كل طرف انه صاحب الحق.كان الغريب فى الأمر عدم معرفة عم بشندى نفسه لحقيقة صاحب الضريح .. فهو فقط يعرف انه كان رجل مبروك, يحبه الله بدليل معجزات كثيرة تمت بأمر الله, بشفاعة صاحب الضريح .. كانت معظم المعجزات عبارة عن شفاء الأمراض,وان كانت الامراض لازالت متفشية فى البلدة لكن كله بأمر الله كما كان يقول عم بشندى دائماً .. كان عم بشندى يشترط على من حدثت معه أى معجزة أن يذهب ليحكيها لأهل البلدة حتى ينول بركة صاحب الضريح, و هذا أدى الى المزيد من التقديس للضريح–و لعم بشندى بالطبع- لأن شفاء فرد ما بين عشرين آخرين, كان دائماً ملقياً عليه دائرة الضوء.

كانت الحياة هادئة فى بلدة ميت بغل, و تسير بايقاع منتظم .. حتى الخلافات قد ولى عهدها, و عاش الناس فى سلام نسبي, و ايقاع منتظم, يتبركون بالضريح,و يقومون باعمالهم اليومية .. حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم الذى جاء فيه بعض الغفر من بلدة مجاورة يخبرون أهل ميت بغل ان عمدة بلدتهم ذو الأموال الكثيرة قد اشترى قطعة الأرض التى بها الضريح, و غرفة عم بشندى الغير مرخصة بالطبع من الحكومة, و معه الأوراق التى تثبت ذلك .. كانت أهمية تلك الأرض فى كونها قرب الطريق الرئيسى, وكان ينتوى عمدة البلدة المجاورة هد الغرفة, و ازالة الضريح لينتفع بالأرض,فيبيعها فى المستقبل, أو يبنيها .. ذهب بالطبع على وجه السرعة أعيان “ميت بغل” الى البلدة المجاورة ليحذروا عمدتها من خطورة ما ينوى ان يفعله, لكنه كان رجل غليظ القلب, يؤمن بالمال أكثر من أى شيء آخر,كما كان شراء الاراضى من هواياته, و كان عنده تلك الموهبة الفريدة,والبصيرة المتميزة التى تتمثل فى شراء قطعة من الأرض ليتضاعف ثمنها خلال سنين قليلة .. بالطبع فشل أعيان ميت بغل من إثناء العمدة عن فعله.

تجهم و اكتئب أهل “ميت بغل”حتى ليلة اليوم الموعود, ليصلوا الى قرار اصابهم بغضاضة فى حلوقهم, لكنه كان الخيار الوحيد .. نقل الضريح و الحفر لنقل الجسد الى مكان آخر ليس به الطمع .. فى الواقع ليست هى المرة الأولى الذى يفكر فيها أهل القرية فى الحفر لمحاولة معرفة ديانة صاحب الضريح الحقيقية, و لكن طالما حذرهم عم بشندى من تلك الفعلة حتى لا تصيبهم اللعنات .. فى تلك الليلة التى كانت بلا قمر اختفى عم بشندى !! .. لم يعثروا عليه ليسألوه بصفته حارس الضريح عن مدى صواب ما سيفعلوه مما اضطرهم الى البدء مباشرة فى الحفر ليلاً.

كانت حقاً ليلة طويلة .. جن فيها أهل القرية, و غضبوا, و تبادلوا الاتهامات, و هم غارقين فى عرقهم و الطين يغطيهم .. لا يوجد شيء تحت شاهد القبر الرخامى !! لا يوجد جسد أو قبر فى محيط الضريح كله !!! ولا يوجد عم بشندى !! ظلوا هكذا طوال الليل كالمجاذيب يبحثون عن شيء عاشوا حياة متمحورة حوله .. لم يجدوا أى أثر حتى أعياهم البحث و الصراخ أشد الاعياء إلى مطلع الفجر .. صرخ أحدهم باستنتاج أخير لا يدمر ثوابتهم “لعل الله استرد الجسد و معه روح عم يشندى” .. سكت أهل القرية لحظات, ليهللوا بعدها, و يسبحوا الله, و يسجدوا شكراً .. لم يلتفت أحدهم الى اختفاء جسد عم بشندى ايضاً فى حالة موته, لأن الاستنتاج كان مريح هكذا … و ان كان شوهد عم بشندى فى بلدة بعيدة أو لعله يشبهه ..

 

عن الكاتب
مينا ماجد
التعليقات

أضف ردك