الآن تقرأ
ذراع واحدة تكفي‎

كان كلما نظر إلى السماء شعر بقلبه ينفطر قليلًا. كانت تذكره بما لا يقوى على الحصول عليه، بأنّه مكبلٌ بالأرض ولا سبيل له بأن يحوم في الفضاء بحرية. نظر إلى عصفور وقال:” أنا ثقيل، ثقيلٌ جدًا، أود لو أصير خفيفًا كعصفور”. وقطع ذراعه اليمنى.

“لا تحتاج إليها يا دييجو، ذراع واحدة تكفي”. هكذا حدّث نفسه.

ثم انتزع عينًا وأسنانًا، حتى إذا وصل إلى قلبه فأخرجه وألقى به في الطريق قال:”كان يثقلني، ملأته الثقوب والأحزان أكثر ممّا يحتمل”. ومضى في مسيره.

اليوم كان حرًا، خفيفًا بما يقتضيه المسافر أن يكون. زار كل الأماكن التي أراد أن يزورها ورأي كل ما رغب في رؤيته من عجائب الكون وعرف الكثير ممّا لم يعلمه من قبل.

“المعرفة تثقلني أيّها العصفور. هل عليّ أن أتخلى عن ذاكرتي؟” ثمّ استأصل حيزًا من دماغه وسحقه بيده.

لم يكن إنسانًا بالمعنى المعروف، فلم يتبقَ منه سوى القليل، كان عبارة عن بضع أعضاء متهتكة ملتصقة ببعضها البعض بأعجوبة. بدأ عقله بتوهم أعضاء جديدة ليعوض عن غياب تلك التي تخلص منها بنفسه.

شعر بذراعه اليمنى وبدا له أنّ عينه وقلبه عادا إليه للحظات. إنّها لعنة الإنسان الكبرى: الرغبة في تعويض النقص، الحاجة الملّحة لملئ الفراغ وحشو الثقوب.

“أنا ثقيل، ثقيلٌ يا الله، أرجوك. إنّ وجودي ثقيلٌ ثقيل، وأنا أريد أن لا أكون. امنحني الخفّة يا الله، الخفّة والحرية.”

فما كان من الرب إلّا أن أرسل إليه طائر الفينيق، فأحرقه بجناحيه، ليصير رمادًا خفيفًا خفيفًا يحوم في الفضاء.

عن الكاتب
علياء حماد
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق