الآن تقرأ
إنسانية الثقافة الجنسية

الفصل الذي أحدثه العلم الحديث بين الجانب الجنسي والتناسلي عن طريق استطاعة ممارسة الجنس دون حدوث حمل جعل الاهتمام بالثقافة الجنسية سهلاً على الفرد، حيث تأكد من الفصل بين الجانبين رغم وحدة الأعضاء التي تقوم بكلا الدورين، فأصبح هناك دافع متنامي لصالح المتعة والإثارة الحسية. وحتى بعيدًا عن طرق منع الحمل، هناك العديد من الممارسات الجنسية الحميمة التي لا تؤدي حتمًا إلى التناسل، مثل القذف الخارجي أو الإستنماء المتبادل أو الجنس الفموي.

هذا الدافع ليس غريزيًا داخل الإنسان، لأن الغريزة هي المعرفة التي تتنقل وراثيًا، وهذه المعرفة ليست مسجلة في جيناتنا، بل هي في الحقيقة مكتسبة عن طريق التعلم، ويمكن ببساطة التدليل على ذلك بالاستماع إلى أسئلة الأطفال عن كيفية مجيئهم إلى الدنيا. لذلك نجد أننا لدينا ميل فطري إلى ممارسة الجنس، لكننا لا نعلم كيفية ممارسته، وهذه ما تهتم به الثقافة الجنسية.

يخبرنا الطبيب ألكيس كومفورت في كتابه “متعة الجنس” أن الجنس هو أهم أشكال التسلية عند الكبار، فإن لم نجد راحتنا فيه، فربما لن نجدها أبدًا. والثقافة الجنسية هي ثقافة تركز على فن تسلية الجسد كباقي الفنون مثل الطهي والموسيقى والرسم والشعر… إلخ. والأثر الذي تتركه هذه الثقافة في نفس الإنسان قد لا يختلف كثيرًا عما تخلفه باقي الفنون، بل إنها قد تتبع بعض التقنيات التي تستعمل في صناعة هذه الفنون.

وإذا كانت للثقافة الجنسية دورًا في الارتقاء بإنسانيتنا عن طريق التأكيد على أحد أهم متعنا الحسية في صورة تبادلية، يمكن للوعي الناشئ عنها أن يسبب الحرية والطمأنينة من زاوية أخرى. حيث يمكن لقدرتنا على الممارسة الجنسية أن تندمج بسهولة مع رغبتنا فيه، وتلك القدرة المفترضة ليست كامنة في استعدادنا البدني فقط، بل أيضًا في استعدادنا النفسي. ذلك الاستعداد لا ينبع إلا من معرفتنا الموضوعية وخبرتنا الذاتية بكيفية ممارسة الجنس، والمعرفة الموضوعية هي خلاصة اهتمامنا بالثقافة الجنسية. يؤدي إذن اكتساب المعرفة إلى تمكيننا من اختيار الأساليب والوسائل الملائمة لكل شخص على حدة في إشباع ميوله.

يمكننا تطبيق هذا كله بأن نضرب تعلم اللغات الجديدة كمثال، لكن اللغة المستخدمة في الممارسات الجنسية تتجاوز الكلام إلى حواسنا الخمس كمحفزات خارجية للشبقية، وهذه اللغة تصدر من أعمق موضع في شخصية الفرد، لأنها تعبر عن تفضيلاته الشخصية بالإضافة إلى تتطلب حضوره الواثق بكل ما فيه من وجود. من ثم نعرف كيف يصبح الجنس صورة من صور التواصل الإنساني، تمامًا مثل المحاورة بين شخصين، وكيف يمكن للعلم أن يثريه ويرسخ قيمته.

ما ينتج عن الثقافة الجنسية إذن هو ما تقدمه من نظرة إنسانية مختلفة للجنسانية عن طريق الجمع بين غايتي المتعة الفردية والتواصل الثنائي داخل إطار أخلاقيات الحب والحرية والمساواة.

عن الكاتب
حسين الحاج
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق