الآن تقرأ
سبونفيل يفصل المقال فيما بين الحكمة والفلسفة من اتصال!

الفلسفة – أندريه كومت سبونفيل – ترجمة: د. على بو ملحم – دار نشر: كلمة – 2008

تريد أن تقرأ عن الفلسفة؟ هناك العديد من الكتب التي أستطيع أن أرشحها لك. يمكنك أن تقرأ “عالم صوفي” لجوستاين غاردر إذا أردت رواية أدبية حول تاريخ الفلسفة، أو “ذات مرة دخل أفلاطون وخلد الماء حانة..” لدانيال كلاين وتوماس كاثكارت إذا أردت أن كتابًا طريفًا تفهم منه الفلسفة من خلال النكات، أو “فصول في الفلسفة ومذاهبها” لجود إذا أردت كتابًا كلاسيكيًا في مذاهب الفلسفة، أو “ما هي الفلسفة؟” لجيل دولوز وفليكس غتّاري إذا أردت كتابًا فلسفيًا عن ماهية الفلسفة. كتاب “الفلسفة” لأندريه كومت سبونفيل يقدم ماهية الفلسفة وتاريخها ومباحثها بصورة موجزة تلائم القارئ المبتدئ. وسبونفيل فيلسوف فرنسي وأستاذ محاضر في جامعة السوربون. ألف عدة كتب من بينها “الحب والوحدة” (1992)، “مقالة قصيرة حول الفضائل العظيمة” (1995)، و”هل الرأسمالية أخلاقية؟” (2004) الذي ترجمه إلى العربية بسام حجار عن دار الساقي.

في مقدمة كتابه وخلاصته يجتهد سبونفيل في تعريف الفلسفة وصلتها بالحكمة عن طريق تتبع خصائصها واحدة تلو الأخرى، يريد أن “ينير الجمهور الكبير دون أن يسخط المتخصصين كثيرًا”.

يناقش سبونفيل دولوز وآلتوسير ويقتبس من مونتاني ويفتش عن “تحديد يستطيع أن يتلاءم مع سقراط كما مع كانط”، ومن أجل ذلك يميز الفلسفة عن حقول التاريخ والأدب وسائر العلوم الطبيعية والتجريبية والعلوم الإنسانية مثل علوم الدين والإجتماع والإنسان (الأنثروبولوجي) مستعملاً أسلوب القصر والإضافة.

يجيب سبونفيل على السؤال الذي طرحه في البداية: “ما هي الفلسفة؟ إنها ممارسة نظرية (خطابية، عقلية، مفهومية) ولكن ليست علمية. إنها لا تخضع إلا للعقل والتجربة -باستبعاد كل وحي ذي مصدر متعال أو ما فوق الطبيعة- وتهدف أقل إلى المعرفة مما إلى التفكير أو التساؤل، وأقل إلى زيادة علمنا من النظر فيما نعرف أو نجهل، موضوعاتها المفضلة هي الكلي والإنسان، وهدفها الذي يختلف حسب الأزمنة والأفراد هو في الغالب السعادة والحرية والحقيقة، وإلتقاء الثلاثة هو الحكمة”.

يمضي سبونفيل في الفصل الأول في سرد تاريخ موجز للفلسفة، مقسمًا إياها إلى أربعة أقسام: قديمة ووسيطة وحديثة ومعاصرة. لكنه قبل ذلك يفرق بين تاريخ الفلسفة وتاريخ العلوم، “إن تاريخ العلوم هو الضمان على علميته بفضل التطور الذي يشهد عليه”، بينما نجد أن “تاريخ الفلسفة ليس تاريخ تقدمه، إنه تاريخ صراعاته وإبداعاته… وتاريخ آثاره، هذا يقربه من تاريخ الفن… أكثر من تاريخ العلوم”. ينتهي سبونفيل إلى أن “كل علم ماضٍ متجاوز، وكل فلسفة كبيرة لا يمكن تجاوزها” وهكذا يصبح “بتولمه أو نيوتن نهائيًا خلفنا، أما أفلاطون وديكارت فهما على العكس لا يتوقفان عن مرافقتنا”.

ورغم أنه يغفل ذكر الفلسفة الكلبية أثناء سرده لتاريخ الفلسفة اليونانية إلا إنه يحاول ألا يغفل ذكر أي من كبار الفلاسفة القاريين في قسمي الفلسفة الحديثة والمعاصرة. أما في الفصل الثاني يعرض سبونفيل مباحث الفلسفة الرئيسية بدءً من الميتافيزيقيا وفلسفة المعرفة وصولاً إلى فلسفة الفن.

يفرق سبونفيل بين الأخلاق العامة Morality والأخلاق الخاصة Ethics، حيث الأولى تحدد الواجب وتأمر به، بينما الثانية تتبع الممكن وتنصح به، “ماذا يجب أن أفعل؟ كيف أعيش؟ هذان السؤالان لم يكونا سوى واحد بالنسبة للقدماء، ولكنهما إثنين بالنسبة لنا: فالأخلاق العامة تجيب على الأول، والخاصة تجيب على الثاني”. وبينما يختصر جميع الفلسفات السياسية في التوجه الديموقراطي والليبرالي مهملاً كلا من الماركسية والأناركية، إلا أنه يحاول جمع الفروق النوعية التي ميز الفلاسفة بها الإنسان عند الحديث عن صلة العلوم الإنسانية بالفلسفة، “ما هو الإنسان؟… ما هو فرقنا النوعي؟ السياسة (أرسطو)؟ العقل (الرواقيون)؟ الضحك (رابليه)؟ الحرية (روسو)؟ العمل (ماركس)؟”. باختصار يحاول كتاب سبونفيل جمع وإيجاز كل ما يمكن جمعه وإيجازه من تاريخ ومباحث الفلسفة الغربية حتى إنه يكاد أن يغفل أي ذكر للفلسفة الشرقية.

لماذا التفلسف؟ يجيب سبونفيل لأن التفلسف هو التفكير في أبعد مما لا نعلمه ومما لا يمكن علمه، إنه التفكير أكثر من التعرف، والتساؤل أكثر من التفسير، لكن ما نحبه في الفلسفة ليس اليقين ولا الشك، بل الفكر نفسه، لذلك هي عمل (ذهني)، ولكن لا أحد يستطيع أن يقوم به مكاننا ولا يستطيع حتى إتمامه لحسابه.

وهكذا يخلص إلى أن “كل علم هو غير شخصي، بينما الحكمة ليست أبدًا كذلك”، ويذكرنا مرة أخرى بما قاله مونتاني “في حين يمكن أن نصير علماء من علم الغير، لا نستطيع أن نصير حكماء إلا من حكمتنا الخاصة”. كيف نميز الحكمة إذن؟ بطمأنينة النفس، والحرية الداخلية.

عن الكاتب
حسين الحاج
التعليقات

أضف ردك