الآن تقرأ
إيطاليا ..ليست الفردوس المفقود

رغم أنه ترك النهاية مفتوحة علي حيرة بطله إلا أن مخرج فيلم “البحر الأبيض المتوسط” جوناس كربيجنانو٬يطرح من جديد سؤال الآخر وكيفية قبوله والتعايش معه حتي ولو كان هناك من لا يقبل بفكرة التعددية ولا يري سوي لونين فقط في الحياة إما أبيض أو أسود٬إما معي أو ضدي٬إما هنا أو هناك .
يفتتح الفيلم علي مشهد لسيارة تنقل المهاجرين من بوركينا فاسو٬الصديقين آيبفا وعباس يتعلقان في اللحظة الأخيرة بالعربة المكتظة بالبشر الراكضين خلف الهرب من بلدهم٬سرعان ما تنتقل الكاميرا لصحراء الجزائر ومنها إلي ليبيا محطة الإنطلاق إلي إيطاليا٬آيبفا يبيع بعض البضائع لرفاق الرحلة لكنها تضيع منه عندما يخرج قطاع الطرق عليهم في مدينة “سبها الليبية٬ لكنه لا يتوقف عن مهاتفة أخته لتطمئن عليه من كل مدينة يصل إليها٬أخيرا يستقل المركب المطاطي المعتاد في رحلات العبور إلي الجانب الآخر من المتوسط ٬

ولأنها ليست قاصرة علي المصريين وحدهم٬ فعمليات النصب والإحتيال علي راغبي الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت تناولها المخرج في مشهد الجدل بين صاحب القارب والمسافرين حينما يتركهم لمصيرهم بين أمواج البحر وظلمته٬ يتركهم علي الشاطئ طالبا منهم قيادة القارب بمفردهم٬يتصدي آيبفا لقيادة القارب٬في جو من الظلام الدامس وعواصف هائجة يغرق القارب علي أثر إحداها٬ ولحس حظ ركابه تنتشلهم سفينة وتصل بهم إلي إيطاليا .
ما أن يصل آيبفا وعباس إلي مخيم المهاجرين يكتشف الخدعة والأوهام التي عاشها عن حلم الفردوس المفقود الذي هرب إليه٬ فحياة اللاجئين أو المهاجرين إلي إيطاليا لا تختلف كثيرا عن ما خلفوه ورائهم في أوطانهم٬ويبدأ الكابوس من أول البرد الذي يفتت عظامهم في تلك الخيام وسط المناخ الأوروبي شديد القسوة علي الأفريقي٬مرورا بتصريح الإقامة المؤقت وإشتراطه الحصول علي عقد عمل لتستمر تلك الإقامة وإلا السجن ومن ثم الترحيل

٬unnamed

وفي مشهد قوي يدفع البرد آيبفا لسرقة حقيبة أحد المسافرين في محطة القطار٬ وعندما يحاول بيع مشغل أغاني كان ضمن محتويات الحقيبة٬ يعود وقد باع له فتي المافيا الصغير هاتف محمول أي أنه يدفع له نقودا بعدما كان يسعي للحصول عليها وكأنما الفيلم أراد أن يخرج لسانه “ماتجيش تبيع المية في حارة السقايين”
ينضم آيبفا لجيش”عمال التراحيل”العاملين في جمع ثمار البرتقال وهو العمل الذي يراه صديقه عباس أنه عمل تافه وحقير وإن كان حتي لا يجيده أو يتقنه ومرة أخري يسخر الفيلم من ساكني العالم الثالث الكسوليين  العالة علي العالم في مشهد صاحب المزرعة وهو يصرخ في وجه آيبفا:”لن أشتري هذة الصناديق لقد أخبرتك أنها ثمار سيئة ولن يشتريها مني أحد”وعندما يتذرع آيبفا مدافعا عن عباس بأنه يومه الأول في العمل يرد الآخر بالمنطق العملي الذي لا يفهمه عباس .
ولأن العمل الفني لا يحمل نصائح للعالم بقدر ما يحمل رؤي وأفكار فقد طرح الفيلم قضية الآخر والمهاجرين أو اللاجئين وما يواجهونه من مصاعب التأقلم مع الحياة الأوروبية بشكل عام حتي ولو كانت في إيطاليا التي تنتمي لشعوب البحر المتوسط٬ فالمهاجرين سواء كانوا من العرب أو الأفارقة يعيشون علي السرقة والإحتيال حياة بائسة لا تشبه تلك الأحلام التي هربوا إليها٬ لا يوجد أمامهم سوي الأعمال الشاقة التي يأنف الأوروبي من العمل فيها فكل عمال مزرعة الإيطالي كانوا من الأفارقة وليس بينهم إيطالي واحد٬ وحتي حينما يجلس آيبفا مع صاحب المزرعة لتناول الطعام مع أسرته٬إلا أن هذا لا يعني أنه صار واحدا من تلك العائلة وهو ما نستشعره من مشهد لاحق حينما يطلب آيبفا من صاحب المزرعة أن يعطيه عقد عمل ليحصل علي إقامة دائمة فيرد عليه بأن جده عندما ذهب إلي أمريكا لم يساعده أحد وأنه لا يستطيع إعطائه ذاك العقد .
تتخلل الفيلم مشاهد المواجهات بين المهاجرين والجماعات المعادية لهم من السكان الأصليين تنتهي بمقتل أثنين من الأفارقة٬وإن كان المخرج أفرط في مشاهد العنف التي إرتكبها الأفارقة فيتحول آيبفا من رفضه للعنف إلي مشارك فيه فيحرق السيارات ويحطم واجهات المحال الزجاجية .
ينتهي الفيلم بمشهد أخير مفتوح علي التأويلات٬آيبفا في حديقة منزل الإيطالي يري الشباب الذين أعتدوا علي صديقه عباس وقاربوا علي قتله يدخلون لحفل عيد ميلاد إبنة الإيطالي والذي يناديه للدخول٬آيبفا الممزق بين البقاء في بيئة معادية كارهة وطاردة له٬وبين الحنين إلي وطنه حيث إبنته وأخته فأيهما يختارسؤال معلق تركه المخرج لكل مشاهد للفيلم ؟

عن الكاتب
نضال ممدوح