الآن تقرأ
عن حتمية مواجهة الآباء!

سُلطة خفية لا يتحدث عنها أحد، ليست كسُلطة الحاكم ولكنها أشد وطأة على النفس، سُلطة لا تُقام لها البرامج التليفزيونية و”التوك شو” للنيل منها أو الأعتراض عليها، سُلطة حاكمة نافذة قوية، تستند في قوتها على أكثر الحُجج التي تُبرر قيامها، ابتداء من حُجج العُرف والأصول المتعارف عليها انتهاءً بأكبر الحُجج الدينية التي تأصلت بسبب فهم مُعين للنص الديني.

إذًا نحن أمام قضية كبيرة، ورغم حجمها الضخم هذا، فإنه لا يتم عرضها وبحثها بتجرد، ولا يتم مناقشتها إلا مِن طرف واحد (الطرف الذي لا يجب رده ولا يجوز!).

نعم، إن آباءنا في البيوت، أثناء السيطرة علينا، يستندون في غالب حُججهم – على سبيل المثال لا الحصر – إلى توجيهات المنابر التي تُمثل الفهم السائد للنص الديني، المنابر التي تُذكرنا شهريًّا ببر الوالدين (كعنوان)، وعندما تستفيض هذه المنابر في شرح ذلك العنوان، نجد أن هذا البر في منظارهم ليست (علاقة) ود وإحسان “متبادل” ولكنها (سُلطة) لا يجب مناقشة أفعالها!

نعم، عدم تفردنا البحثي وغياب شجاعتنا وأطروحاتنا الفكرية النقاشية حول هذه العلاقة العظيمة، حوّلها إلى سُلطة اجتماعية، أضخم وأكبر وأشد من سُلطة الحاكم الأزلي الذي كان ولا زال يضرب مخالفيه ومعارضيه ومُنتقديه بالسيف تارةً، ويزُج بهم في المعتقلات والسجون تارةً أخرى.

إن سيطرة الفهم الأُحادي (سيطرة فهم الطرف الواحد ذو النظرة الأحادية) لعلاقة مُكونة أساسًا من “طرفين”، هي الكارثة التي تُحوّل أي علاقة إلى سُلطة، سُلطة يُديرها (الطرف الذي يستطيع فرض فهمه على العلاقة)، الأمر ليس مجرد كلام مُرسل، يخطه قلمي، ولكنها للأسف حقائق باتت تضرب بيوتنا وتُهدد نسيج علاقتنا بأهالينا وأقرب الناس إلينا.

وحتى نقطع الشك باليقين، دعونا نُقيم مُقارنة بسيطة بين أكبر علاقتين يتعرض لهما الإنسان:
(علاقة الله بعباده، وعلاقة الآباء بأبنائهم) “و لله المثل الأعلى”.

الله يخلق ويُنشئ من العدم، ولا يجبر أحدًا على عبادته، ويُحببنا في العمل الصالح لأنفسنا ولغيرنا ممن يعيشون حولنا، ويُعطينا حُرية الاختيار بين الطرق، يطلب منا التجريب، ثُم يصبر علينا طوال حياتنا كاملةً لنستبين أمرنا بأنفسنا التي منحنا إياها!

أما الآباء، فلا يخلق الأب أحدًا ولا يُنشئ أحدًا من أبنائه من العدم، وما هو إلا سبب مِثل ابنه الذي سيكون هو الآخر سببًا في يوم من الأيام، ثُم يأمر وينهي، ومَن يُخالفه من أبنائه، يلقى منه التجاهل أو الضغط النفسي وغيره أو الإهانة أو الاتهام بالعصيان والعقوق، ولا يُعطي لنفسه كإنسان أن يسمع ابنه الإنسان!

الله يقول :

“قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق”.
“قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين”.
“قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل”.
“قل سيروا في الأرض ثم إنظروا كيف كانت عاقبة المُكذبين”.

والآباء يقولون :

“لو فكرت تعمل كذا، تبقى لا ابني ولا أعرفك!”.
“لو فكرت تجربي أو تحاولي أنك تعملي أي حاجة بدون موافقتي، تبقي لا بنتي ولا أعرفك!”.
“اخرج بره بيتي، أنت مش ابني، اللي يخالفني ويعصيني مش ابني!”.

ويا ليتها تتوقف عند هذه الكلمات، فقد يصل الأمر إلى الضرب والسب والإهانة وكل أنواع الضغوط، فقط لأن الابن(ة) حاول أن يفعل ما هو مؤمن به!

الله يقول:

“ومَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر”.
“لا إكراه في الدين”.
“لست عليهم بمسيطر”.
“أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”.

و الآباء يقولون:

“و تِفكر ليه! وانتي تفكري ليه! .. أومال احنا كآباء بنعمل إيه!”.
“أنا والدك وأكبر منِك وأعقل وأكثر خبرة، علشان كده فكرت لِك، ووافقت على العريس اللي متقدم لِك”!
” لو فكرت تعيش بطريقتك دي وبدماغك دي، لا أنت ابني ولا أعرفك”.
“الشخص اللي أنتِ مش موافقة عليه ده، أنسب واحد ليكِ، وأنا شايف كده، وطالما أنا شايف كده يبقى لازم توافقي!”.
“لو فكرت ترتبط بالبنت دي، لا أنت ابني ولا أعرفك!”.

الله “رغم كونه الحق والبرهان والخالق لكل شيء” يُحاورنا، يُناقشنا، يستمع إلى ما يدور في أفئدتنا حتى ولو لم ننطق، وفي حواره معنا، يُعلي من قيمة وأهمية البرهان والتدليل على كل فِعل وقول، فيقول: “قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين”.

الآباء يقولون لأبنائهم، عندما يُحاول أحد أبنائهم شرح رأيه أو موقفه من أي قضية: “دليل إيه اللي بتتكلم عليه، أنت هتتفلسف عليّ”!
“أنت بترد عليا كلمة بكلمة، أنت قليل الأدب!”.
“أنا عاوزك ترد عليا زي ما بكلمك، بدون فلسفة وكلام فاضي!”.
“هو أنا علمتك وربيتك علشان تناقشني كلمة بكلمة!”.

الله يخلق الإنسان ثُم يتركه ليكون نفسه، بل ويأمره ويحثه أن يكون نفسه وذاته، لا شيء غير ذلك، لأنه خُلق وحده وسيموت وحده وسيُبعثُ وحده وسيُسأل عن كل شيء يخصه وحده.

الآباء أنجبوا أبناءهم ليكونوا نُسخا منهم، ويقطنوا أماكن أهليهم، ويدرسوا ما يحلو ويطيب لأهليهم، ويتزوجوا ما يرضى عنه أهليهم، ويعيشوا كما عاش أهليهم، وكأن أهليهم وذويهم هُم آخر ما سيتوصل إليه السعي الإنساني في الأرض .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!

أليس الله أولى بالتحكُم فينا؟!
لماذا لم تسألوا أنفسكم عن أسباب حرية تحديد المصير التي أقرها في كونها الفسيح؟!
ألم تتأملوا في كل هذه المساحة الضخمة من الحُرية التي سمح بها الله في مُلكه؟!

نعم، أعطانا الله كامل الحُرية، وأبيتمُ أنتم يا آبائي في أن تُعطونا منفذ حق من أبسط حقوقنا الحياتية.

هذه التركيبة العقلية والنفسية للآباء، تُرى ماذا تُنتج للغد؟!
هل تُنتج أحرارًا؟! هل تُنتج لنا اُناس يعرفون أنفسهم ووذواتهم؟!
هل تُنتج لنا عقولا مفتوحةً على كل الأبواب والاتجاهات؟!! هل تُنتج لنا غدًا أصلا؟!

“نترك الإجابة لكم، بعد مُعايشة الوقائع”.

وهُنا، أستطيع أن أقول وبملء فمي وعقلي، أن الله أراد بنا أن نصير ما نُريد، وآباؤنا أرادوا بنا أن نصير ما يُريدون، نعم، هذه الجملة المؤلمة هي التي تُهددنا، تُهدد مُجتمعنا  “الإسلامي!”، ذلك المُجتمع الذي قد ينهال عليَّ بالضرب أو بالسب واللعن عندما يسمع مني جملة كهذه.

ولكن لا بأس، سنظل نقول بأن الإنسان لنفسِه أولًا، لذاته، لما يحملُ مِن أفكار ومشاعر، لِما يحمل مِن ميزات وعيوب، لِما يحمل من تجارب، ومَن لا يحترم في الإنسانِ ذاته، فكيف يحترم خالق هذه الذات الممتلئة بالعجائب؟!

كيف تُريدون منه “أي الإنسان حتى ولو كان ابنكم” أن يكون لكم، لقراراتكم، لأهوائكم، لرؤيتكم، وهو مَن سيُحاسب وحده على حياته؟!
﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ (مريم 95)

الأمر صار أشبه بأننا نحتاج إلى ثورة شاملة، ثورة في البيت، في الشارع، في المؤسسات الخاصة والعامة، ثورة على المجتمع، وليست فقط ثورة على الكيان السياسي للدولة، حتى في أماكن الترفية! في كل مكان، صارت الحياة لا طعم لها بدون ثورة، بدون تمرد، بدون استقلال. نعم إن هذه هي حقوقنا الطبيعية، إن هذه هي حياتنا التي نبذل سعينا للحافظ على تكوينها بأنفسنا، فكيف تطلبون منّا الهدوء والسكينة وصارت كل حقوقنا مِلك يمين لكم وللمجتمع وللحاكم؟!
كيف نسكت لكم؟! كيف!

وعندما تبدو لنا الكارثة بهذه الضخامة المُرعبة، فإننا ولا شك نجد أنفسنا أمام أزمة أفكار ومفاهيم وتصورات أكثر من كونها أي شيء آخر، صار الأمر أكبر من مُجرد أمر فلسفي زائد، لقد بات الأمر إنسانيًّا وجوديًّا، يُهددنا جميعا، ولا يُمكن السُكوت عنه.

كل ما سبق ليس إجمالًا لشيء ولا تفصيلا لهذه القضية الضخمة، “هو رأيي أنا غير كامل نظرًا لضيق المساحة”، وما هو إلا مجرد وقفات سريعة على حياتنا أصبحت تقترب من “حياة النسانيس” مقارنةً بحياة الكُفار كما نقول عنهم في فقهنا الجليل!
وختاما، أرشدنا الله للبرّ والود والإحسان في كل شيء، وأول هذه الأشياء كانت علاقتنا بوالدينا وأهالينا، كان إرشادًا واضحًا، وإجلالًا لهذه العلاقة المجيدة، وفي نفس الحوار “حوار الرب غير المنقطع” أمرنا ألا نُسلم عقولنا ولا أنفسنا ولا رؤيتنا ولا أحلامنا ولا حقوقنا ولا أي شيء مِن ذواتنا لأي أحد، بدون علم واقتناع.

“وإن جاهداك على أن تُشرك بي ما لا ليس لك به علم فلا تُطعهما” إلى آخر الآيه الكريمة، الآيه الكريمة واضحة، والتوجيه والإرشاد الرباني واضح وضوح القمر في متاهات الليل، ولكن الشيء العجيب أن ما زال هناك مَن يلوي هذا النص الرباني ويُقصِر فهمه على (الإشراك بالله في الألوهية فقط) وهذا أمر مُضحك ومبكٍ في آن واحد، وإلى هؤلاء نوجه سؤالنا؛ هل تعرفون شيئًا عن الإشراك بإرشادات الخالق؟! هل سمعتم عن الإشراك بما كتب الله من سُنن واستبدالها بقوانين أخرى؟!

الآباء الذين يسلبون أبناءهم عقولهم، ويصنعون مِن أبنائهم نفسيات مضطربة، يُحددون لهم مصائرهم، يحملوهم على الأشياء بدون إذنهم، أليس هذا شرك بالله وسُننه؟!

أليس هذا تبديل في إرشادات الله للإنسان بضرورة التحكم هو “فقط” في تحديد مصيره؟! قال صاحب أعظم بحث عن الاستبداد وهو “الكواكبي” رحمه الله: “ولهذا كان المستبدون ولا زالوا من أنصار الشرك وأعداء العلم”.

نعم، الاستبداد بالرأي شِرك بالله وإرشاداته وسُننه وأوامره الجليلة، وليس الشرك مقتصرًا على الفهم الذي أورثته لنا الأجيال الأكبر، لتظل مُسيطرة علينا، نعم استبدادكم بنا شرك بالله، ولن نُطيعه، والله يحكم بيننا، وإليه الأمر كله آجله وعاجله.

عن الكاتب
سامح حامد
مُدوِن مهتم بالبحث السوسيولوچي، و دراسة الأنثروبولوچيا الإجتماعية.