الآن تقرأ
لجان “الدولجية” الافتراضية.. قراءة فى ديناميكية السقوط فى الوحل (الجارحى نموذجًا)

(1)

ليس من حق أحد مصادرة حرية الاخرين وحقهم فى التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم، كل إنسان حر فيما يقول ويتفوه، ما لم يخالف بقوله أو فعله القانون والدستور، ولا يمارس تعديًا على غيره. فى تلك الحالات يتولى القانون الأمر، عدا ذلك غير مسموح، لذا استوقفنى ما تداول عن وجود مجموعة على “فيس بوك” تسمى نفسها “اتحاد مؤيدي الدولة” يديرها عدد من الأشخاص بينهم شخصيات عامة، هذا الأمر ليس فيه مشكلة، فهم أحرار، لكن أن يكون عمل هؤلاء هو ملاحقة الآراء المعارضة للسياسات التى تنتهجها الدولة، والحشد والتحريض لغلق صفحاتهم، بعمل حملات “ريبورت” لمخالفيهم فى الرأى، أو السعى لتكوين رأى عام زائف، مضلل، ليكسوا الحالة الحقيقية التى عليها الناس، أو نشر “شائعات” (وإن كانوا يرونها فى صالح الدولة، فهى فى النهاية اسمها “شائعة”) فهذا أمر يحتاج إلى وقفة، خصوصًا إذا كان القائم على رأس هذه الأفعال شخصيات عامة (إبراهيم الجارحى نموذجًا)

غلاف جروب "اتحاد مؤيدى الدولة" على "فيس بوك"

غلاف جروب “اتحاد مؤيدى الدولة” على “فيس بوك”

(2)

لماذا إبراهيم الجارحى؟

لانه (فى رأيى) لم يكن مجرد شخصية عامة، بل هو رمز من رموز الشباب الذين أسسوا لفكرة معارضة الحاكم ومناهضته. لقد حارب إبراهيم (قبل ثورة يناير بسنوات) جهاز الأمن بشكله القمعى، عبر راديو أسسه اسمه “تيت راديو” (كان الراديو يصف نفسه بأنه “أكبر بوابة للمحبطين والمكتئبين على شبكة الانترنت”).

كانت الإذاعة منبرًا لسحل النظام الأسبق، كان إبراهيم يمسح بكرامة مبارك البلاط وهو فى السلطة، وكان يعمل على تثوير الشباب ضده، فى جو من المفترض أنه أسوأ واضل سبيلا من الوضع الآن (بحسب معتقده الذى ظهر عليه مؤخرًا) ورغم ذلك لم يُمسّ إبراهيم بسوء، ولم تغلق له صفحة، ولم يُقرصن له موقعًا.

أن ترى شخص بهذه المواصفات، وهذا الآداء، وهذا الفكر، يتزعم الآن لجنة افتراضية لغلق صفحات الأصوات المعارضة للحاكم، وكتم أنين الناس من السياسات “المؤلمة الصعبة” (بحسب وصف إبراهيم فى إحدى بوستاته فى الجروب المغلق)، لابد أن تسأل نفسك كيف تحول إبراهيم (رمز المعارضة) من “بطل” إلى “نفر”؟

مقطع صوتى لإبراهيم الجارحى من “تيت راديو” يتحدث فيه عن قمع مبارك لمنتقديه وتاديب كل من يعبر عن رأيه

 

(3)

إبراهيم صحفى شاطر، ومذيع متمكن، وإعلامى له نكهته، هو فكرة لامعة ذبحت نفسها فجأة على أعتاب السلطة دون مبرر، ولا أتخيل أن الجلوس فى حضرة الرئيس يمكن أن تفعل به كل هذه الأفاعيل!

ليس مفهومًا كيف هانت عليه نفسه، ليوظفها بهذا الشكل المهين، فيختصر نفسه ومهنيته فى كونه “نفر” فى مجموعة محتجبة، يمارس عملا متواريا. حتى وأن كانت المجموعة عليها قرابة 18 ألف عضو. (جماعة الإخوان الإرهابية لها أعضاء من الإسكندرية إلى أسوان منذ عام 1928، ورغم ذلك ظلت محظورة وتمارس عملها فى الخفاء).

كيف هانت عليه نفسه ليسقط من مقعد كان يجلس عليه بندية مع إعلاميين كبار، وفى حضرة رئيس الجمهورية، وكبار رجال الدولة، وبعض المعارضين، ليستقر فى النهاية فى قاع “فيس بوك” بأفعال لا ترتقى للمكانة التى كان عليها حينما تكلم عن “الدولة” و”الحرية” و”الإعلام القويم”؛ لنكتشف أنه يرتكب أفعالا مناهضة لمفهوم “الدولة” و”الحرية” و”الإعلام القويم”!

بعض ما كتبه "الجارحى" على الصفحة المنغلقة على نفسها "اتحاد مؤيدى الدولة"

بعض ما كتبه “الجارحى” على الصفحة المنغلقة على نفسها “اتحاد مؤيدى الدولة”

(4)

بيان “إبراهيم” الذى أصدره ردا على ردود الفعل المنتقدة لسلوكه داخل جروب “اتحاد مؤيدي الدولة” يكشف أنه ليس واعيًا لعصب المشكلة.

أن تحفظ المنتقدين له ليس محله أنه مؤيد للرئيس، فهو حر، يؤيد مَن يريد، هذا حقه. المشكلة التى غرق فيها إبراهيم أنه يقود عملاً مخالفًا لفكرة الحرية المنشودة، التى كان يسعى لها قبل يناير، والتى سال فى سبيلها دماء المئات من الشباب (منذ ثورة يناير).

ذكر إبراهيم فى بيانه أنه كان يدعم ويحشد لثورة 30 يونيو، وكأنه يريد أن يقول إن الداعين لثورة 30 يونيو منزهون ومعصومون من الخطأ (بالمناسبة، آلاف مؤلفة من الشباب كانوا يفعلون فعله، وليس هو وحده مَن حشد، وعدد غير قليل من الذين حشدوا لثورة 30 يونيو غير راضين عن الآداء الرسمى الحاصل).

استدعاء إبراهيم لسيرة “الدم” و”الموت” و”الشهداء” و”العلم”، هو محاولة لاستحضار شرفًا أحس أنه فقده فى ذلك الفعل الكتائبى الإلكترونى، الذى ارتكبه داخل الجروب المغلق على نفسه.

بيان إبراهيم ردا على منتقديه

بيان إبراهيم ردا على منتقديه

(5)

ليس من حق لجان “الدولجية” الافتراضية مصادرة حرية الرأى والتعبير عن مخالفيهم، أو المعارضين للنظام الحاكم، ليس من حقهم هذا التعدى المقيت. حتى وإن كانوا يدّعون أنهم يحاربون ميلشيات الإخوان الإليكترونية، فهذه ليست وظيفتهم بالمناسبة، هذا ليس دورهم إن كانوا يفقهون.

فهناك جهاز أمنى لديه أجهزة متخصصة، مصروف عليها الملايين من ميزانية الدولة، منوط بتتبع هؤلاء المحرضين وملاحقتهم قانونيًا، وتقديمهم للقضاء بأفعالهم الإجرامية التى ارتكبوها بالمخالفة للقانون.

إن فكرة تأسيس ميليشيات مضادة لمجابهة المخربين ليست عملاً وطنيًا بالمناسبة، بقدر ما هو عمل فوضوى، يرفع من وتيرة التوتر فى المجتمع، ويمرّغ سمعة من يتجه إلى هذه الوجهة فى الوحل، ويؤسس لفكرة القمع الشعبوى، بعد أن انتهج نفس فكر وسلوك المليشيات المخربة (هذا إذا ما افترضنا أن “اتحاد مؤيدي الدولة” هدفه فقط التصدى لميلشيات الإخوان).

إذًا لماذا انتهج إبراهيم هذا السلوك، هل لديه قدرات أمنية أكثر من الآمنيين؟

(6)

"الجارحى" فى حضرة الرئيس بمؤتمر الشباب

“الجارحى” فى حضرة الرئيس بمؤتمر الشباب

كان إبراهيم قادرًا على أن يميل على الرئيس فى مؤتمر الشباب الأول ويطلب منه أن ينقله إلى قطاع الإعلام فى الجهاز الذى يريده مناسبًا لقدراته الإلكترونية، ليتحرر من إلتزامه الإعلامى والمهنى، ويخلع عنه الرمزية التى رأها فيه قطاع من الشباب، ليرتدى “يونيفورم” الكتائب الإلكترونية، ويجاهد بعدها فى سبيل النظام، بعد أن يُخضعوا له الأجهزة المخصوصة التى اشترتها الدولة بملايين الدولارات من أجل فرض سيطرتها على الانترنت.

كنت سأرفع له القبعة تحية على ذلك، وتقديرا لوضوحه، على الأقل كنت سأطمئن على رمزيته من الهدر، فلا أعتقد أنهم كانوا سيهينونه لدرجة أن يجعلوه “مايسترو” لجان افتراضية.

حزين عليك يا إبراهيم، لقد اهنت نفسك وسقطت برمزيتك فى الوحل.

عن الكاتب
أحمد الرومي
صحفى ومذيع مصري
التعليقات

أضف ردك