الآن تقرأ
حول موسيقى المقاومة في البرازيل

يرى البعض أن الفنون لاتتماس مع السياسة، ولاتؤثر فيها ولاتتأثر بها، في حين أن الواقع يقول غير ذلك، فالفنون بشتى أشكالها إن لم تعكس الواقع السياسي فهي تحرض على تغييره، ولعل كثير من الأمثلة تبرز حين نتحدث عن الفنون والسياسة بشكل عام، والمقاومة بشكل خاص.
السينما التي اعتبرها فلاديمير لينين أهم أنواع الفنون الداعمة للاتحاد السوفيتي، إذ كانت وسيلة يعرف منها العالم حجم الاتحاد السوفيتي وقوته، كذلك هوليوود التي صدرت للعالم صورتها كمنقذة للعالم، سواء من شرور الدول الأخرى أو الكائنات غير البشرية.
كذلك الموسيقى، فالـ Jazz مثلًا في الولايات المتحدة الأمريكية، ظهرت كنوع من مقاومة (السود) ضد اضطهاد الرجل الأبيض، فكان ذوو البشرة السمراء هناك يقاومون من خلال الترانيم الكنسية التي تدعو لحب الرب ومحاولة الخلاص من الظلم، كذلك كانوا يقومون بتأدية هذه الأغاني في الحقول التي كانوا يعملون فيها عبيدًا كنوع من شحذ الهمم. وبمرور الوقت تطورت هذه المحاولات إلي نوع غنائي مميز.
في مصر مثلًا، من ينسى أعمال سيد درويش في المقاومة ضد الاحتلال البريطاني، أو الشيخ إمام ضد الظلم والفساد والاستبداد السياسي في مصر خلال فترتي عبد الناصر والسادات.
في انجلترا، جون لينون ورفاقه، وأغنيتهم الشهيرة Imagine التي نبذ فيها الحدود والوطنية المزعومة التي قد يموت من أجلها البشر، أيضـًا أغنيته Give peace chance التي نددت بالحرب في فيتنام والتي تغنى بها حوالي نصف مليون مواطن أمريكي معارض للحرب. كذلك البرازيل لم تكن بعيدة عن هذا العالم الذي يمزج بين طياته السياسة بالموسيقى.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت البرازيل تتخلص من حكم عسكري يقوده Getúlio Vargas منذ عام 1930، وبدت فترة الخمسينات من القرن الماضي في البرازيل هي المرحلة التي تتسم فيها البلاد بارتفاع الروح القومية البرازيلية. وتولى حكم البلاد آنذاك رجل يؤمن بالتقدمية هو Juscelino Kubitschek، وكان قد وضع خطة تنموية خمسية أسماها: خمسون عامـًا من التقدم في خمس سنوات، Fifty years of progress in Five.
خلال فترة حكم كوبيتشك حصلت البرازيل على كأس العالم سنة 1958، وتم بناء عاصمة جديدة للبلاد (برازيليا). وفي هذه الفترة كانت هناك موسيقى برازيلية تجوب أرجاء العالم لما لها من سحر خاص عند سماعها، موسيقى الــ Bossa Nova. رحل كوبتشيك عن السلطة عام 1964 عن طريق انقلاب عسكري كعادة دول أمريكا الجنوبية.

البوسا نوفا تعني في البرتغالية (الاتجاه أو الموجة الجديدة)، وظهورها مُختلف حوله، فهناك من يقول إنها ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر، وهناك من يرى أنها ظهرت في منتصف القرن العشرين، كذلك هناك من يرى أن البوسا نوفا هي موسيقى متأثرة بالجاز في الولايات المتحدة، وقد ظهر الجاز في نهايات القرن التاسع عشر في ولاية New Orleans.
وبعيدًا عن تاريخ ظهور البوسا نوفا، فقد كان للموسيقى أصداءًا واسعة خلال الخمسينات من القرن الماضي، واشتهرت الموسيقى وأغانيها بالحديث عن جمال الطبيعة والفتيات الفاتنات والحب، وهنا تأتي واحدة من أشهر أغاني البوسا نوفا والتي تغنى بها العالم كله تقريبــًا في منتصف القرن الماضي، وهي أغنية The Girl From Ipanema.

بعد وقوع انقلاب عام 1964 تحولت البوسا نوفا من موسيقى رقيقة تتحدث عن الإنسان ومشاعره عن الحب والجمال، إلى موسيقى وأغنية سياسية تواجه البطش والظلم السياسي في البلاد.
كان مؤسسو هذا اللون الموسيقي في البرازيل هم Antonio Carlos Jobim و João Gilberto و Vinícius de Moraes وNara Leão،
ومع وقوع الانقلاب العسكري تأثرت الحريات والحقوق السياسية والمدنية، وتم اعتقال عدد كبير من الصحافيين والفنانين وكتاب الأغاني والملحنين، مما أدى لظهور الأغنية السياسية مثل أغنية Roda Viva وأغنية Pra não dizer que não falei das flores أو Caminhando للمطرب Geraldo Vandré ، والتي يتحدث فيها المطرب عن جوع الشعب، ورمزية الوردة التي تعبر عن أغاني البوسا نوفا بشكل عام، وكون هذه الوردة قادرة على المقاومة من خلال وضعها أمام فوهة البندقية التي تقتل.
من الحكايات الطريفة عن أغنية Caminhando، أنها عندما دخلت في مسابقة الأغنية الدولية في البرازيل حصلت على المركز الثاني لصالح أغنية Sabia لــ Antonio Carlos Jobim والتي كانت تتحدث عن الشعور بالمنفى داخل الوطن بشكل غير مباشر. لم تحصل الأغنية على المركز الأول لأنها كانت تهاجم النظام العسكري بشكل أكثر وضوحـًا من أغنية Sabia.

في عام 1968 كان المظاهرات الطلابية والاحتجاجات تموج في بقاع متفرقة من العالم، وكانت البرازيل غير بعيدة عن هذا الواقع، فقد شهد ذلك العام تحولًا في مستوى القمع والرقابة على الحريات، حيث أٌغلق الكونجرس في البلاد ومعه الأبنية التشريعية الأخرى، وكان لهذا الأمر مردود واضح في الشارع، إذ ظهرت حروب الشوارع بشكل مكثف واستخدمت تكتيكات مختلفة لمواجهة الدولة، من بينها مثلًا سرقة البنوك، اختطاف الدبلوماسيين الأجانب، وهنا يجب أن نذكر واقعة اختطاف السفير الأمريكي في البرازيل تشارلز إلبريك لمدة أربعة أيام في سبتمبر 1969، كنوع من الضغط على النظام العسكري الحاكم، أيضـًا كان من بين أساليب مواجهة النظام الحاكم سرقة الأسلحة من معسكرات الجيش واستخدامها ضده.

خلال هذه المرحلة كان على كُتاب الأغاني أن يرسلوا ماكتبوه لهيئة رقابية من أجل مراجعة وتحليل كلمات الأغاني لإجازتها، وهنا يمكننا أن نفهم أن الرقابة هنا تأخذ أشكال متعددة أبرزها الرقابة السياسية، وتذكر المصادر أن عدد الأغاني التي تم تسجيلها في هذه الهيئة كان في تزايد، فمثلًا في عام 1973 كان عدد الأغاني المسجلة حوالي 159 لتخضع للرقابة، وفي عام 1976 وصل العدد لحوالي 198 أغنية، حتى وصل عام 1980 إلى 458 أغنية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تم نفي عدد من مشاهير الغناء في البرازيل مثل Gilberto Gil.
كانت هذه الهيئة المعروفة باسم Public Entertainment Censorship Department تدّعي أن ماتفعله يهدف للحفاظ على الأخلاق والعادات البرازيلية الحميدة. ولعل الطريف في حكاية هذه الهيئة أن قطاعـًا من المواطنين كان يرى فيها هيئة جيدة تحافظ على الوطن، فكانوا يكتبون الرسائل للهيئة عندما يشاهدون عملًا فنيـًا ما، يخالف -في رأيهم- القيم والعادات البرازيلية، وكانوا يطالبون الهيئة باتخاذ الإجراءات ضد هذا العمل.
كان حضور الهيئة طاغيـًا على الحفلات الموسيقية، فكان أعضاء الهيئة يسجلون الحفلات وأحاديث الجمهور الحاضر للحفل، مما ساعد هذه الهيئة وباقي الأجهزة السياسية مثل مايمكن تسميته بالأمن الوطني، بعمل أرشيف ضخم للمطربين واتهامهم خلال التحقيقات بكلمات أغانيهم.
كان الفنانون يقعون تحت طائلة التحقيق السياسي لأسباب عديدة من أطرفها على سبيل المثال أن يذكر مسجون سياسي “مخرب” اسم هذا المطرب أو ذاك أثناء حديثه، حتى لو قال فقط إنه يحب هذا المطرب لا أكثر.

كانت الــ Música popular brasileira من بين التيارات الغنائية الكبيرة التي أظهرت شكلًا من المقاومة فيما بعد عام 1964، والتي ارتبطت بشكل كبير بعالم طلاب الجامعة، وقد عُرفت اختصارًا بــ MPB، والتي كان من أبرز نجومها المطربة البرازيلية Elis Regina.
وظهرت أغانٍ تعارض النظام العسكري بوضوح شديد مثل Disparada أو Herd of Cattle Bolt والتي تتحدث كلماتها عن رفض الخنوع أو السكوت للظلم، وأن قولة لا ليست صعبة وأن الموت ليس شيئـًا يُهاب.
كذلك أغنية Banda أو The Band التي كانت تتحدث عن حالة افتقاد الشعور بالأمل وسط وجود هذا النظام، وذلك الخوف الذي يسيطر على المواطنين الذين يشعرون بالوحدة في وطنهم.

شراسة النظام لم تتوقف لكنها لم تكن شراسة مبتكرة، بل كانت شديدة التقليدية، فكانت التُهم التي توجه لمؤلفي الأغاني والمطربين تدور حول الانتماء لتنظيمات شيوعية تسعى لتخريب البلاد، ومع زيادة التضييق على المطربين قاموا بمحاولة الابتعاد عن التليفزيون -الذي كان منفذًا رئيسيــًا لنشر أعمالهم- أو الحفلات في العاصمة من أجل الترويج لأغانيهم، وبدأوا في التحرك في شتى أرجاء البرازيل، والغناء للطلبة في احتفالات داخل الجامعات مما صنع ارتباطـًا مباشرًا بين الطرفين.

إلى جانب الــ Bossa Nova و الــ MPB كان هناك أيضـًا حركة Tropicalia، وكانت حركة ثقافية فنية بالأساس تحاول مواجهة القمع العسكري في البرازيل، والموسيقى من ضمن أنشطتها البارزة، وكان من أبرز فنانيها كما ذُكر سابقـًا Gil Gilberto، والذي تم اعتقاله ونفيه نتيجة مايقدمه من أغاني تعارض النظام العسكري في البلاد.

Cálice، كانت من الأغاني المهمة التي قدمها جيلبرتو جيل، فقد استخدم فيها الرمز الديني كناية عن القمع العسكري، فالأغنية كانت تتحدث عن المسيح، وتضحيته، واستخدمت بعض الألفاظ التي تم تفسيرها بشكل ديني مثل الدم والنبيذ إلا أنها كانت تتحدث بشكل أو بآخر عن الدماء المهدورة والتضحيات التي يقدمها البرازيليون في مقاومة البطش العسكري.
هذه الأغنية مع أغنية Caminhando كانت ممنوعة من العرض في التليفزيونات أو في أي إذاعة، في ظل نفي مطربيها، إلا أن هذه الأغاني كانت تُسمع في المهرجانات الغنائية وتصل لعدد كبير من المواطنين.

استمرت هذه الأشكال المتنوعة من القاومة الغنائية في البرازيل حتى عام 1984 عندما تكونت مجموعة ضغط سميت بــ Direct Elections Now، والتي من خلالها تم التمهيد لإسقاط الانقلاب العسكري الأخير في البرازيل عام 1985.

مزجت هذه الألوان الموسيقية في البرازيل بين السياسة والمتعة الفنية أيضـًا، فصوت Elis Regina
مازال صداحـًا -رغم وفاتها في سن صغيرة- بأغان رائعة حتي بعيدًا عن السياسة، كذلك مازالت موسيقىAntonio Carlos Jobim قادرة على أن تعيش بيننا حتى اليوم وتستطيع تجديد نفسها.

نماذج الأغنية السياسية:
أغنية Roda Viva

أغنية Sabia

أغنية Pra não dizer que não falei das flores

أغنية Disparada

أغنية Banda

مصادر تم استخدامها في كتابة المقال:
The Influence of the Brazilian Dictatorship on Brazilian Music, Fernanda Rezende, 2008
http://www.umich.edu/~ac213/student_projects05/ml/bossanova.html
http://www.theguardian.com/music/2013/oct/01/bossa-nova-highest-culture-brazil
http://www.bbc.co.uk/programmes/p01kxlbw
http://www.allaboutjazz.com/bossa-nova-the-story-of-the-brazilian-music-that-seduced-the-world-by-aaj-staff.php
https://www.insightguides.com/inspire-me/blog/the-music-of-brazil-bossa-nova
http://www.abc.net.au/rn/features/bossanova/about.htm

عن الكاتب
أحمد زكريا
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق